أقلام وآراء

التحديات والفرص والنظام السياسي الفلسطيني

 

 

التحديات والفرص والنظام السياسي الفلسطيني
التحدي الثاني: الانتخابات الإسرائيلية

بقلم: د. أحمد مجدلاني

التطورات المتسارعة في المنطقة، وخاصة في ضوء التغير في موازين القوى الدولية والانتقال التدريجي من نظام الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، وهو ما يأتي لغير مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، أفرزت أربع تحديات رئيسية أمام النظام السياسي الفلسطيني، وقد تشكل هذه التحديات فرصة لإعادة وضع القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية والإقليمية، انطلاقًا من أن الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة يمر عبر ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتنفيذ حل الدولتين المتفق عليه دولياً، على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
وسنتناول تباعاً، في افتتاحيات «نضال الشعب»، هذه التحديات، وكيف يمكن تحويلها إلى فرص أمام شعبنا للخروج من محاولات التقويض والانقضاض على منجزات الشعب الفلسطيني التي حققها بتضحيات جسيمة.
ويمكن اعتبار التحدي الثاني والرئيسي الانتخابات الإسرائيلية، التي من شأن نتائجها إعادة ترتيب وصياغة الأولويات في المنطقة، بالانتقال من نهج وبرنامج حسم الصراع مع الفلسطينيين، عبر تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية وإنهاء حل الدولتين، والذي يرتكز أساساً على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان والضم التدريجي، إلى نهج يكون أقرب إلى العودة لإدارة الصراع مع الفلسطينيين، دون حسم اتجاه الحل، وليس ذلك بسبب صعوبة تقدير طبيعة الائتلاف الحاكم القادم، رغم معرفة ملامحه بدقة، وإنما بسبب الصعوبة في تجاوز الوقائع المادية التي تحاول حكومة نتنياهو الحالية فرضها على الأرض، والتي تجعل إمكانية التراجع عنها وكأنها خروج عن الإجماع القومي اليهودي.
ومع انتهاء ترشح القوائم الانتخابية المسجلة لدى لجنة الانتخابات المركزية، والتي بلغ عددها 28 قائمة انتخابية، وتعكس ألوان الطيف السياسي والفكري في المجتمع الإسرائيلي، يمكن تصنيفها في ثلاث كتل رئيسية:
كتلة الائتلاف الحاكم من قوى اليمين القومي والديني والفاشيين الجدد، والتي تشير استطلاعات الرأي العام منذ أكثر من عامين إلى أن هذا الائتلاف لن يتجاوز، بكل مكوناته، في أحسن الأحوال خمسين مقعداً، مع تراجع وتهاوي شعبية نتنياهو وحزب الليكود بصورة متسارعة مع اقتراب موعد الانتخابات، لذلك، فإن نتنياهو يسعى، وفي ظل فقدانه الأمل في العودة إلى رئاسة الحكومة، إلى الحفاظ على قوة الليكود كحزب له أغلبية المقاعد، ليساوم على مشاركته في حكومة وحدة وطنية لحماية نفسه وضمان الحصانة كعضو في الحكومة من الملاحقة القضائية، وليقطع الطريق أمام مشاركة القائمة الموحدة، التي تضم عضواً يهودياً فيها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تقديم شبكة أمان للائتلاف الحكومي الجديد من المعارضة.
كما أن نتنياهو، في صراع البقاء، يحاول تغيير وجهة النقاش الدائر في المجتمع الإسرائيلي، الذي يحمله مسؤولية تدهور الأمن، وخاصة أحداث السابع من أكتوبر، وتوجيهه نحو تدهور الحياة المعيشية، إلى جانب محاولاته للانقلاب القضائي، كما يحاول، هو وحلفاؤه، تغيير وجهة النقاش من خلال تسليط الضوء على الإنجازات في الاستيطان وإرهاب المستوطنين، والضم التدريجي، والتنصل من تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ومواصلة التصعيد العسكري في غزة ولبنان وسوريا، والتركيز على أنه هو من يمنع قيام الدولة الفلسطينية، وأن المعارضة هي التي ستمنح الفلسطينيين الدولة المستقلة.
كتلة المعارضة: من قوى اليمين القومي والليبرالي، ويسار الوسط، وتضم تحالف نفتالي بينت (ياحد)، وحزب ليبرمان لليهود الروس (البيت اليهودي)، وغادي إيزنكوت (حزب يشار)، وحزب الديمقراطيين برئاسة يائير غولان.
ورغم التباين في المنطلقات والخلفيات الفكرية والسياسية لقوى المعارضة هذه، فإن القاسم المشترك الأعظم بينها هو إنهاء هيمنة نتنياهو وإزاحة اليمين المتطرف عن الحكم، وتشكيل حكومة يمين وسط تجمع بين الأمن والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، والحفاظ على هوية الدولة، والعودة عن الانقلاب القضائي ومحو آثاره، ويأتي صعود إيزنكوت السريع خلال بضعة أشهر، وتهديده لنتنياهو في استطلاعات الرأي العام، باعتباره الأنسب لرئاسة الوزراء، وكذلك تجاوزه الليكود في عديد من استطلاعات الرأي العام من حيث عدد المقاعد التي سيحصل عليها، ليزيد من أزمة الليكود ونتنياهو، وكذلك من أزمة ائتلافه الذي بدأ يضع الاشتراطات على الحكومة القادمة، وهذا الائتلاف العريض، في أحسن أحواله، تمنحه استطلاعات الرأي العام تسعةً وخمسين مقعدًا، بحيث لن يتمكن من تشكيل حتى حكومة أقلية من دون التحالف مع القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس، الذي يعلن استعداده للمشاركة في أي ائتلاف حكومي.
الكتلة الثالثة: هي الأحزاب العربية، التي تمحورت في قائمتين، الأولى هي القائمة المشتركة، التي تضم ثلاثة أحزاب: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، وحزب التجمع، والأهم من ذلك أنها استطاعت أن توقع اتفاق فائض أصوات مع القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس، وهو ما يمكن اعتباره مبشراً بأن لا يضيع أي صوت عربي فلسطيني، ومحفزاً، من جهة أخرى، لرفع نسبة التصويت في المجتمع العربي، وإن نجاح كتلة عربية كبيرة ومؤثرة في الكنيست من شأنه أن يشكل قوة تفرض شروطها في تشكيل أي حكومة قادمة، على قاعدة السلام للفلسطينيين والمساواة في المواطنة في إسرائيل.
إن قراءة المشهد السياسي في إسرائيل عشية الانتخابات، رغم مؤشرات التغيير الواضحة، ورغم قناعتنا بأن أي حكومة أفضل من حكومة الفاشيين الحالية، ومع إدراكنا أيضاً لصعوبة تجاوز أي حكومة جديدة لما تحاول حكومة نتنياهو فرضه على أرض الواقع، تفرض علينا التحذير من أن يحدث التغيير بحكومة جديدة دونما تغيير في السياسات والنهج السابق؛ بمعنى أدق: حكومة جديدة بسياسات قديمة، وهو ما علينا فحصه ومتابعته، وتحذير العالم الذي ملّ من نتنياهو ويريد الخلاص منه، من تكرار ما جرى مع حكومة التغيير بقيادة نفتالي بينت ويائير لابيد، وتمسكها بنهج حكومة نتنياهو، وهو ما أعاده إلى الحكم بعد أقل من عامين.
شعبنا وقواه الحيّة في الداخل ستكون في قلب الحدث، وفي الخط الأول للدفاع عن حقوقها في المساواة ومكاسبها التي حققتها بتضحيات كبيرة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى