مراجعة كتاب “النظام السياسي الفلسطيني:

![]()
مراجعة كتاب”النظام السياسي الفلسطيني:المعوقات البنيوية والسياقات السياسية في مسار بناء الدولة المدنية التي نريد”>> للدكتور عمر رحال
الباحث الحقوقي طاهر المصري
مدخل: لماذا نعود إلى هذا الكتاب الآن؟
رغم مرور أكثر من عام على صدور كتاب الدكتور عمر رحال “النظام السياسي الفلسطيني: المعوقات البنيوية والسياقات السياسية في مسار بناء الدولة المدنية التي نريد”، الصادر عن مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية “شمس” في رام الله في حزيران 2025، فإن العودة إليه اليوم لا تأتي من باب استدراك مراجعة تأخرت عن موعدها، بقدر ما تنبع من الأهمية المتجددة التي اكتسبتها الأسئلة التي يطرحها في هذه اللحظة الفلسطينية بالذات. فالكتاب يتناول قضايا الدولة المدنية، والشرعية، والديمقراطية، وسيادة القانون، والانتخابات، والمواطنة، والانقسام، والعقد الاجتماعي؛ وهي قضايا لم يفقد أي منها راهنيته، بل إن التطورات السياسية والوطنية المتسارعة جعلتها أكثر إلحاحاً.
فنحن أمام مرحلة يعيش فيها الشعب الفلسطيني وقضيته ظروفاً بالغة القسوة، ويواجه فيها المشروع الوطني تحديات تمس الأرض والحقوق والتمثيل والمؤسسات ومستقبل القضية ذاتها. وفي مثل هذه الظروف، قد يبدو الحديث عن شكل النظام السياسي، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وتجديد الشرعية، والعقد الاجتماعي، حديثاً يمكن تأجيله أمام أولوية مواجهة الاحتلال ومخاطر التصفية والضم والتفكيك. غير أن إحدى أهم أفكار الكتاب تكمن في رفض هذا التأجيل، وفي التأكيد أن بناء نظام سياسي ديمقراطي ليس مهمة لاحقة للتحرر الوطني، وإنما جزء من القدرة على الصمود وحماية المشروع الوطني نفسه.
ويؤكد المؤلف في خاتمة الدراسة أن السير بالتوازي في التأسيس للدولة المدنية وعملية التحرر الوطني يمثل استثماراً في الوقت والجهد، وأن بناء الدولة الديمقراطية يحتاج إلى بيئة قانونية وإدارية وثقافية ومؤسساتية، وإلى قضاء وتعليم ومجتمع مدني ومواطنة تقوم على الحرية والمساواة والعدالة والشراكة.
ومن هنا تكتسب العودة إلى الكتاب بعد أكثر من عام على صدوره معناها. فالسؤال الذي يحمله عنوانه حول “الدولة المدنية التي نريد” لا يتعلق فقط بصورة الدولة الفلسطينية المستقبلية، وإنما يقود إلى سؤال حاضر: أي نظام سياسي يحتاج إليه الفلسطينيون اليوم كي يستعيد المجتمع ثقته بمؤسساته، وتتجدد الشرعيات، وتتكرس المواطنة، وتتضاعف قدرة المشروع الوطني على مواجهة ما يتهدده؟.
بهذا المعنى، تأتي هذه المراجعة لا بوصفها تلخيصاً متأخراً للكتاب، وإنما حواراً معه من داخل اللحظة الفلسطينية الراهنة، ومن داخل الأسئلة التي أعاد الواقع نفسه وضعها في صدارة النقاش العام.
من مفهوم الدولة المدنية إلى سؤال النظام السياسي
ينطلق الكتاب من تأصيل لمفهوم الدولة والدولة المدنية، ويناقش الجدل النظري والسياسي المحيط بالمفهوم، ثم يحدد مجموعة واسعة من المرتكزات التي تقوم عليها الدولة المدنية، من بينها الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والشرعية الشعبية، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، والمواطنة الديمقراطية، والمشاركة في الشأن العام، والانتخابات الدورية، واحترام الحقوق والحريات، والحكم الرشيد، والمساواة والعدالة الاجتماعية.
غير أن القيمة الأساسية للكتاب لا تكمن في هذا التأصيل النظري وحده، بل في انتقاله منه إلى اختبار الحالة الفلسطينية. وهنا يتحول السؤال من: ما الدولة المدنية؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: لماذا لم تؤدِّ النصوص والمرجعيات الوطنية والدستورية الفلسطينية إلى بناء ممارسة سياسية تتطابق مع المبادئ التي تتبناها؟.
فالكتاب يلفت إلى وجود فجوة بين المرجعية القانونية والسياسية وبين الممارسة. وثيقة إعلان الاستقلال والقانون الأساسي والالتزامات الدولية للفلسطينيين تتضمن منظومة من المبادئ المتعلقة بالديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان وسيادة القانون، إلا أن هذه المبادئ لم تتحول بالقدر الكافي إلى قواعد مستقرة لإدارة السلطة والعلاقة بين المؤسسات والمجتمع.
وتصل الدراسة في نتائجها إلى أن الوثائق الثورية والدستورية الفلسطينية تتضمن أسساً واضحة لمدنية الدولة، فيما تكشف الممارسة السياسية عن تعثر في ترجمة هذه الأسس؛ كما تربط بين تغييب المجلس التشريعي، وعدم إجراء الانتخابات بصورة دورية، وبين خلخلة ركائز الدولة المدنية.
وهذه إحدى الأفكار المهمة في الكتاب؛ فهي تنقل النقاش من مجرد أزمة النصوص إلى أزمة أكثر عمقاً تتعلق بالإرادة السياسية والمؤسسات والممارسة. فالمشكلة الفلسطينية ليست دائماً في غياب القاعدة القانونية، وإنما في المسافة بين القاعدة وتطبيقها، وبين الإعلان عن الحقوق والقدرة الفعلية على حمايتها.
ومن هنا تصبح الدولة المدنية، في منطق الكتاب، أكثر من مجرد وصف دستوري للدولة. إنها نمط للعلاقة بين السلطة والمواطن، ومجموعة من الضمانات التي تجعل المواطن صاحب حق في الدولة لا مجرد متلقٍ لقراراتها.
الشرعية بين التاريخ والدستور
تحتل مسألة الشرعية مكانة مركزية في الدراسة، وهي من أكثر القضايا التي تجعل الكتاب صالحاً للحوار السياسي الراهن.
يناقش المؤلف انتقال النظام السياسي الفلسطيني، بعد إنشاء السلطة وإجراء الانتخابات، من شرعية استندت تاريخياً إلى النضال والتحرر الوطني إلى شرعية يفترض أن تستند بصورة متزايدة إلى الانتخابات والقانون والمؤسسات الدستورية. غير أن عدم انتظام الانتخابات، وتعطيل المؤسسة التشريعية، أديا إلى إضعاف هذا المسار وإعادة الاعتماد بدرجات مختلفة على الشرعية التاريخية والنضالية.
وهنا يفتح الكتاب سؤالاً بالغ الأهمية: إلى أي مدى تستطيع الشرعية التاريخية أن تستمر بديلاً عن الشرعية الشعبية المتجددة؟. ولا ينبغي فهم هذا السؤال باعتباره إنكاراً لقيمة الشرعية النضالية، أو للدور التاريخي الذي أدته مؤسسات الحركة الوطنية الفلسطينية. لكن الانتقال من حركة تحرر إلى ممارسة وظائف الحكم يضيف مصادر جديدة للشرعية لا يمكن تجاهلها: الانتخابات، والمساءلة، واحترام القانون، ورضا المواطنين، والتداول السياسي.
ولهذا ربما يكون من الأدق قراءة أطروحة الكتاب بوصفها دعوة إلى التكامل بين الشرعية الوطنية التاريخية والشرعية الديمقراطية، لا إلى إلغاء إحداهما لحساب الأخرى. فالشرعية التاريخية تصبح أكثر رسوخاً عندما تتصل بإرادة شعبية متجددة، كما تصبح المؤسسات الوطنية أكثر قدرة على تمثيل المجتمع عندما تكون قابلة للمساءلة والتجديد.
وهذه المسألة تكتسب أهمية إضافية اليوم، لأن أزمة الشرعية لم تعد مجرد نقاش دستوري، بل أصبحت مرتبطة بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وعلى استعادة وحدة التمثيل والقدرة على اتخاذ القرار في مواجهة تحديات متزايدة.
الاحتلال والمسؤولية الفلسطينية
من نقاط القوة المهمة في الكتاب أنه لا يقع في أحد طرفي المعادلة عند تفسير أزمات النظام السياسي الفلسطيني. فهو لا يحمل الاحتلال وحده مسؤولية كل مشكلة داخلية، وفي المقابل لا يحلل النظام السياسي الفلسطيني كما لو كان يعمل في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.
فالكتاب يناقش بصورة مباشرة الانقسام الفلسطيني، والفساد السياسي، والزبائنية، وتعثر التحول الديمقراطي، والعشائرية، وضعف المؤسسات، وغياب الانتخابات، وأزمة المجتمع المدني. وهذه مقاربة مهمة لأنها تؤكد أن الاحتلال، مهما بلغ تأثيره البنيوي، لا يلغي مسؤولية الفاعل الفلسطيني عن طبيعة الإدارة السياسية والمؤسساتية الداخلية.
وفي الوقت نفسه، لا يغيب الكتاب السياق الاستعماري، بل يضع الاحتلال إلى جانب الانقسام وازدواجية الشرعية والمصالح الضيقة والزبائنية والتدخلات الخارجية ضمن العوامل التي تعيق إمكانية بناء عقد اجتماعي فلسطيني مستقر، ويطرح في هذا السياق سؤالاً ذا دلالة عميقة: أي عقد اجتماعي في سياق استعماري نريد؟.
قيمة هذه المقاربة أنها ترفض تحويل الاحتلال إلى ذريعة لتعليق الديمقراطية، مثلما ترفض التعامل مع المشكلات الداخلية بمعزل عن واقع الاحتلال.
فاحترام القانون، وإجراء الانتخابات، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات، ومكافحة الفساد، ليست بدائل عن التحرر الوطني، ولا يمكنها أن تنهي الاحتلال؛ لكنها في الوقت ذاته ليست أموراً يجب تعليقها إلى حين انتهائه.
ومن هنا يمكن صياغة إحدى أهم الحجج التي يدفع إليها الكتاب: إن مقاومة الاحتلال وبناء نظام سياسي أكثر ديمقراطية وشرعية ليستا مهمتين متعارضتين، بل يمكن أن تكون إحداهما مصدر قوة للأخرى.
العقد الاجتماعي وإعادة تأسيس العلاقة مع المواطن
إذا كان الجزء الأول من الدراسة معنياً بتشخيص أزمة الدولة والنظام السياسي، فإن مفهوم العقد الاجتماعي يشكل أحد المداخل التي يقترحها المؤلف للخروج من هذه الأزمة.
ولا يتعامل الكتاب مع العقد الاجتماعي باعتباره مجرد نص دستوري جديد، بل باعتباره إعادة تنظيم للعلاقة بين الفرد والمؤسسات السياسية، تقوم على وضوح الحقوق والواجبات وسيادة القانون والمساواة.
وفي هذا السياق يطرح تصوراً لدولة لا تقوم على الحزب أو التنظيم أو العشيرة أو المؤسسة الأمنية أو الأيديولوجيا، وإنما على المواطن، بحيث يتعامل النظام السياسي مع الناس بوصفهم مواطنين لا رعايا، ويصبح الدستور الإطار الأعلى الناظم للعلاقة بين المجتمع والسلطة.
وهذه الفكرة تحمل قيمة خاصة في السياق الفلسطيني؛ لأن أزمة النظام السياسي ليست مجرد أزمة شكل دستوري، وإنما أزمة ثقة وتمثيل ومشاركة. ولذلك فإن إعادة بناء العلاقة مع المواطن لا تتحقق بإعادة توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة فقط، بل تحتاج إلى توسيع دائرة المشاركة في تحديد طبيعة النظام السياسي نفسه.
ومن هذا المنطلق جاءت دعوة الكتاب إلى مؤتمر وطني واسع تشارك فيه القوى السياسية، والمجتمع المدني، والجامعات، والنقابات، والشباب، والنساء، والباحثون والخبراء، والفلسطينيون في أماكن وجودهم المختلفة، وصولاً إلى التوافق على أسس العقد الاجتماعي وهوية الدولة ونظامها السياسي، ثم إلى إطار دستوري جديد.
قد يكون من المشروع النقاش في آلية تنفيذ هذا التصور، وفي توقيته، وفي مدى إمكانية الانتقال مباشرة إلى مجلس تأسيسي في ظل الواقع السياسي القائم، لكن أهمية المقترح تكمن في المبدأ الذي يستند إليه: أن إعادة تأسيس النظام السياسي لا ينبغي أن تكون عملية مغلقة بين القوى السياسية وحدها، وأن المجتمع يجب أن يكون طرفاً أصيلاً فيها.
وينسجم مع ذلك ما يطرحه الكتاب بشأن المؤسسة الأمنية، إذ يدعو إلى مؤسسة حامية للدستور والمؤسسات الديمقراطية والحقوق والكرامة الإنسانية، لا مؤسسة وظيفتها حماية النظام السياسي أو الحزب الحاكم. وهنا يصبح مفهوم العقد الاجتماعي شاملاً أيضاً لعلاقة أدوات القوة بالمواطن والقانون، وهو بعد مهم في أي نقاش جاد حول الدولة المدنية.
قيمة الكتاب ومساحات الحوار معه
يحسب للدراسة اتساع أدواتها المنهجية؛ فقد استخدمت المنهج الوصفي التحليلي، والتاريخي النقدي، والمقارن، وتحليل النظم السياسية، واعتمدت على الوثائق الوطنية والدستورية والاتفاقيات الدولية والدراسات والمراجع، إضافة إلى مقابلات مع أكاديميين وباحثين وحقوقيين وفاعلين في الحقل الفلسطيني. وتظهر قائمة المصادر إجراء عدد من المقابلات النوعية خلال عام 2024، وهو ما أضاف إلى الكتاب صوتاً من داخل الحقل السياسي والحقوقي، لا من المراجع المكتوبة فقط.
ومن نقاط قوته كذلك اتساع مفهوم الإصلاح لديه؛ فهو لا يختزل بناء الدولة المدنية في إجراء الانتخابات، على أهميتها، بل يربطه باستقلال القضاء، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والحريات، والمجتمع المدني، والتعليم، والمؤسسة الأمنية، والمساءلة، والمواطنة. وهذا الاتساع يعكس فهماً للدولة المدنية باعتبارها منظومة سياسية ومؤسساتية واجتماعية متكاملة.
وفي إطار الحوار الإيجابي مع الكتاب، يمكن القول إن هذا الاتساع نفسه يفتح المجال أمام مزيد من الدراسات المتخصصة. فالكتاب يجمع تحت مظلته عدداً كبيراً من القضايا: الشرعية، والانقسام، والفساد، والعشائرية، والانتخابات، والقضاء، والأمن، والمجتمع المدني والعقد الاجتماعي. وهذه ميزة تمنح القارئ رؤية كلية للنظام السياسي، لكنها تفتح في الوقت نفسه المجال أمام أعمال لاحقة تمنح بعض هذه القضايا معالجة أكثر تفصيلاً، ولا سيما العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة ومصادر الشرعية في النظام الفلسطيني.
كذلك فإن معالجة مفهوم “الدولة المدنية” واعية إلى حد كبير بما يحيط به من جدل واختلاف في التعريف، وبعلاقته بمفاهيم الدولة الديمقراطية والعلمانية ودولة القانون. ويمكن البناء على هذا الجهد بمزيد من التمييز النظري بين مدنية الدولة وديمقراطيتها وجودة الحكم فيها، خصوصاً أن هذه المفاهيم تتداخل لكنها ليست مترادفة تماماً.
أما المقابلات التي استعان بها المؤلف فقد أغنت الدراسة وربطتها بالنقاش الفلسطيني الحي، ويمكن أن تشكل أساساً لأبحاث لاحقة توسع قاعدة المشاركين، وتقارن بصورة أكثر تفصيلاً بين اتجاهات الفاعلين السياسيين والحقوقيين والمجتمعيين المختلفة.
والأمر نفسه ينطبق على التوصيات. فالكتاب يقدم مجموعة واسعة منها، تبدأ من مؤتمر الإنقاذ الوطني والمجلس التأسيسي والانتخابات، وتمتد إلى العدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسة الأمنية والقضاء والتعليم والصحة والإعلام والمجتمع المدني والبحث العلمي. ويعكس ذلك رؤية إصلاحية شاملة، ويمكن البناء عليها مستقبلاً من خلال ترتيبها في أولويات: ما يمكن البدء به فوراً، وما يحتاج إلى توافق وطني متوسط المدى، وما يرتبط بعملية إعادة تأسيس استراتيجية وطويلة الأجل.
وبذلك لا تمثل هذه الملاحظات اعتراضاً على الكتاب بقدر ما تكشف قدرته على فتح مساحات جديدة للبحث والحوار. فالكتاب لا يغلق موضوع الدولة المدنية، ولا يدعي امتلاك الوصفة النهائية لها، وإنما يضع أمام القارئ خريطة واسعة من الأسئلة التي تستحق أن تواصل المؤسسات البحثية والسياسية والحقوقية الاشتغال عليها.
خاتمة: إثراء للنقاش الفلسطيني في لحظة صعبة
في المحصلة، يمثل كتاب الدكتور عمر رحال إضافة مهمة إلى النقاش حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ليس لأنه يقدم إجابة نهائية عن سؤال “الدولة المدنية التي نريد”، وإنما لأنه يعيد وضع السؤال نفسه في المكان الذي يستحقه داخل النقاش الوطني.
فقيمة هذا الإصدار تصبح أكثر وضوحاً في الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني وقضيته. ففي اللحظات التي يصبح فيها البقاء نفسه موضع تهديد، قد يبدو التفكير في شكل الدولة المستقبلية ونظامها
السياسي شأناً ثانوياً. لكن التجربة تقول إن المجتمعات لا تواجه الأخطار الخارجية بالموقف السياسي وحده، وإنما أيضاً بنوعية مؤسساتها، ودرجة ثقة مواطنيها بها، وعدالة نظامها، وقدرته على تمثيل الناس وتجديد شرعيته.
ومن هنا فإن أحد أهم الاستنتاجات التي يدفع إليها الكتاب هو أن قوة المشروع الوطني الفلسطيني لا تنفصل عن نوعية النظام السياسي الذي يحمله.
فالمؤسسات الأكثر شرعية، والقضاء الأكثر استقلالاً، والمجتمع الأكثر تماسكاً، والمواطنة القائمة على المساواة، والسلطة الخاضعة للمساءلة، ليست قضايا تكميلية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التحرر؛ بل هي عناصر ترفع قدرة المجتمع على الصمود، وتحمي وحدته، وتعزز صدقية تمثيله السياسي.
ولهذا فإن أهمية الكتاب بعد أكثر من عام على صدوره ربما أصبحت أكبر لا أقل. فالواقع الفلسطيني الراهن أعاد بقوة أسئلة الشرعية، والتمثيل، والديمقراطية، ووحدة المؤسسات، والعلاقة بين التحرر وبناء الدولة، وهي في جوهرها الأسئلة التي يتحرك الكتاب حولها.
وبهذه الزاوية، يشكل هذا الإصدار إثراءً للمكتبة السياسية والحقوقية الفلسطينية، وإضافة تستحق القراءة والنقاش والبناء عليها، ولا سيما في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني وقضيته.
فالتحرر الوطني وبناء الدولة الديمقراطية ليسا طريقين منفصلين. والتحرر الذي لا يصاحبه بناء مؤسسات تستند إلى القانون والمواطنة والإرادة الشعبية قد لا يقود بالضرورة إلى الدولة التي يطمح إليها الفلسطينيون، مثلما أن بناء المؤسسات سيظل ناقصاً ومحاصراً ما دام الاحتلال قائماً.
ولعل أهم ما يبقى مع القارئ بعد الانتهاء من الكتاب هو السؤال الذي يتجاوز عنوانه نفسه، وهو ليس فقط أي دولة نريد، بل أي نظام سياسي ومؤسسات وشرعية نحتاج إليها منذ الآن حتى يصبح الوصول إلى تلك الدولة ممكناً؟
وفي إبقاء هذا السؤال مفتوحاً وحاضراً في قلب النقاش الفلسطيني تكمن، في تقديري، إحدى أهم قيم هذا الكتاب.