أقلام وآراء

تعطيل هرمز وتهديد باب المندب.. من يضبط التوازنات

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

الصراع الامريكي الايراني لم يعد مجرد مواجهة ثنائية، بل تحول إلى مجموعة حروب متعددة الأطراف تعيد هندسة التوازنات ورسم خطوط النفوذ وخلط اوراق القوى الاقليمية والدولية. فالأهداف التي اعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية لهذه الحرب والمتمثلة بالبرنامجين النووي والصاروخي الايرانيين والاذرع والوضع الداخلي في ايران تراجعت أهميتها مع توسع رقعة الحرب لتطال بشكل رئيسي دول الخليج العربي ولبنان، وتصل شظاياها الى الأردن ودخول الفصائل العراقية الموالية لإيران على خط النار الذي بدأ لهيبه يتصاعد مع دخول الحوثيين المدعومين من إيران دائرة الصراع بتصعيد هجماتهم على السفن النفطية السعودية، ونقض الهدنة الهشة التي كانت قائمة في الداخل اليمني باستهدافات يومية للشرعية اليمنية وعلى مختلف الجبهات وبالتحديد جبهات الساحل الغربي المطلة على البحر الأحمر، وهنا بيت القصيد حيث يبرز السؤال البديهي: لماذا اختارت ايران هذا التوقيت لتحريك الحوثيين الذي بلغ تصعيده حد التهديد بإغلاق باب المندب، بل وان مصادر يمنية تحذر من امكانية تمدد الحوثيين نحو مناطق الساحل الغربي المطلة على المضيق.

لقد بنت إيران خططها في المواجهة على رفع الكلفة على الجانب الامريكي بتوسيع دائرة الصراع باستهدافها الدول العربية لا سيما الخليجية والتي يشكل الأمن والاستقرار رافعة اقتصاداتها، كما استخدمت ذراعها في لبنان للدخول في حرب غير متكافئة مع إسرائيل يدفع لبنان اليوم ثمنها. كل ذلك وضع الولايات المتحدة الأمريكية في وضع حرج خاصة مع تعثر تحقيق الأهداف واقتراب موعد استحقاق الانتخابات النصفية وفقدان دول الخليج الثقة بمظلة الحماية الأمريكية. وعلى الجانب الآخر وجدت إيران نفسها امام اقتصاد يتهاوى بشكل متسارع وعملة فقدت قيمتها وازمة عميقة على مستوى اتخاذ القرار بعد ان تم قتل معظم قادتها من الصف الأول والثاني، اضافة الى اغتيال نخبة علماءها.

ينقسم المحللون في تفسيرهم للخطوة الإيرانية بالدفع بحلفائها الحوثيين للتهديد بإغلاق مضيق باب المندب وفي هذا التوقيت. فبينما يرى البعض بأن هذه الخطوة تشكل جزءا من خطة أوسع تقوم على توسيع أوراق الضغط البحرية عبر أكثر من ممر استراتيجي من خلال استخدام باب المندب كجبهة موازية لهرمز بحيث يتحول الضغط من أزمة طاقة خليجية إلى أزمة نقل عالمية، يرى محللون آخرون بأن تعطيل هرمز لم يحقق النتائج المرجوة ايرانيا. فرغم ان الاغلاق أدى الى تقلبات حادة في أسعار النفط في البدايات حيث تجاوز خام برنت حاجز المئة دولار للبرميل في ذروة الأزمة، إلا ان الأسواق العالمية امتصت جزءا كبيرا من الصدمة عبر المخزونات والطرق البديلة، لتعود الاسعار وتستقر في شهر اب الحالي عند مستوى يقارب ٩٠ دولارا للبرميل. ويؤكد مؤيدو هذا التفسير أن إيران كانت تتوقع بأن تعطيل مضيق هرمز سيدفع بالأسعار الى مستويات تتجاوز ال ١٥٠ دولارا للبرميل وربما تصل الى ٢٠٠ دولار، ما سيدفع الولايات المتحدة الأمريكية للتراجع والقبول بالشروط الإيرانية لتجنب الارتدادات الكارثية لهذا الارتفاع على الاقتصاد العالمي. لكن مع عدم تحقق هذا السيناريو، لجأت إيران الى التلويح بورقة باب المندب الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر وقناة السويس، ويمر عبره أكثر من ٤،٢ مليون برميل يوميا من النفط إضافة الى جزء كبير من التجارة الآسيوية والأوروبية، وتعطيله يعني شلل سلاسل الإمداد العالمية وليس فقط النفط. لذلك فإن ايران ترى في فتح جبهة باب المندب تعويضا على محدودية تأثير إغلاق مضيق هرمز. وقد لعبت دولتان دورا محوريا في ضبط أسعار السوق النفطية وقلصتا من تأثيرات إغلاق هرمز على الاقتصاد العالمي، بعد ان كانت ايران في البداية قد نجحت في تعطيل مرور ٢٠ مليون برميل يوميا من إنتاج الخليج والعراق.

فالسعودية وهي المنتج الأكبر للنفط في المنطقة بدأت تعتمد بشكل أساسي على خط أنابيب “شرق غرب”(بترولاين) لنقل النفط من المنطقة الشرقية الى ميناء ينبع على البحر الأحمر بمستوى طاقة يفوق السبعة ملايين برميل يوميا، ما يتيح لها تجاوز مضيق هرمز. هذا الخط يشكل البديل الاهم، اضافة الى بعض المسارات اللوجستية المكملة مثل خط سوميد المصري لإعادة شحن النفط نحو أوروبا. وتتميز السعودية بقدرتها على انتاج كمية هائلة من النفط وبشكل فوري وتكلفة أرخص من مثيلاتها. ومن خلال توفر البدائل وتأمين النقل وبشكل أساسي إلى أوروبا واستمرار تدفق النفط ووصوله الى الأسواق، تم وبشكل مقبول ضبط الأسعار التي بقيت ضمن حدود لا يضطر معها العالم لتقديم تنازلات غير مرغوب بها.

لكن هناك أيضا لاعب آخر لا يقل اهمية ولعب دورا حاسما في لجم الأسعار وهو الصين التي تمثل المستورد الأكبر للنفط في العالم، حيث انها كانت قد جمعت أكبر مخزون نفطي احتياطي يقدر بحوالي ١،٣ الى ١،٤ مليار برميل من النفط الخام حتى عام ٢٠٢٦، وقد باشرت باستخدام جزء منه بهدف تجاوز أزمة تراجع الاستيراد مع إغلاق مضيق هرمز، في نفس الوقت عمدت الى ترشيد الاستخدام مما أدى الى تقليص حجم استهلاكها المستورد من ١١ مليون برميل نفط يوميا إلى أقل من ٨ مليون برميل. لهذه الأسباب لم يؤدي تعطيل مضيق هرمز الى انهيار السوق ولم تقفز الأسعار الى ما بين ١٥٠ و٢٠٠ دولار كما كان يتوقع جنرالات إيران. وإذا كانت السعودية تضبط السوق من جهة العرض، فالصين تتحكم بالطلب من الجهة الأخرى. هذا التوازن الغير معلن بين الصين والسعودية يمنع الاسعار حتى اليوم من الانفجار الذي توقعه الجانب الايراني عند تعطيله مضيق هرمز. والسؤال اليوم لم يعد فقط من ينتج او يمتلك أكبر احتياطي، بل من يملك القدرة على ضبط التوازنات والانتظار أطول.

 

زر الذهاب إلى الأعلى