أقلام وآراء

الانتخابات الفلسطينية والدور الإقليمي لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

لا خيار ولا طريق سوى الاحتكام إلى الشعب وصناديق الاقتراع لدمقرطة النظام السياسي الفلسطيني وتطويره وإصلاحه، باعتبار ذلك مطلباً وحاجة فلسطينية تفرضها حالة تآكل النظام السياسي الفلسطيني القائم، وتقادم آلياته وطريقة تمثيله، ارتباطاً بالتحول الطبيعي للحركة الوطنية الفلسطينية وانتقالها من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة.

ولقد كان لمرسوم الرئيس، في هذا السياق السياسي، بتحديد موعد لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، طريق وحيد لتجديد بنية المؤسسات الفلسطينية وشرعيتها، والحفاظ على وحدة الشعب والأرض عبر النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي الكامل، ونسبة الحسم البالغة 1%، واعتبار الوطن دائرةً انتخابية واحدة، وتكليف لجنة الانتخابات بالإعداد لإجرائها طبقاً للقانون.

نستطيع القول إنه، مع بدء الترتيبات المتعلقة بالتحضيرات، بدأ العد العكسي والاستعدادات لدى كافة القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، بفتح حوارات فيما بينها لصياغة تحالفات وائتلافات وقوائم انتخابية، كما جرت العادة في تجاربنا الانتخابية السابقة، وما يميز هذه الانتخابات عن غيرها من الانتخابات السابقة مجموعة من العوامل والمؤثرات الداخلية والخارجية، أهمها:

التدخل الإقليمي الفج في تجميع المتناقضات من قوى ومكونات سياسية، ما يجمعها الإرادة الإقليمية بإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني بما يتلاءم ومتطلبات المرحلة القادمة، الناجمة عن صياغة نظام إقليمي جديد بعد انتهاء حرب الخليج، التي فرضت تداعياتها متغيرات تتطلب صياغة نظام إقليمي، طبقاً لموازين القوى الجديدة ولأطراف لها مصالح مشتركة أو متناقضة، لكن المهم هو طبيعة انسجام النظام الفلسطيني مع هذه المتغيرات.

وإذا ما كان أيضاً القاسم المشترك الأعظم للقوى التي أعلنت عن تحالفها في القاهرة، وما زالت تنتظر إجابات من قوى تعتبر نفسها من يسار منظمة التحرير الفلسطينية للانضمام إلى هذا التحالف الذي أطلق عليه “التحالف الوطني”، هو إنهاء هيمنة حركة فتح على النظام السياسي الفلسطيني الممتدة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، والرئيس محمود عباس الذي يقوّض المنظمة والسلطة والدولة وحركة فتح؛ فلا يبدو الأمر أنه انقلاب ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع، وهو حق مشروع لأي قوة سياسية أو تحالف من قوى ومكونات سياسية للوصول إلى السلطة بالوسائل الديمقراطية.

ما نشهده واقعياً وعملياً هو استخدام الوسائل الديمقراطية لتغيير طابع ومضمون ووظيفة النظام السياسي الفلسطيني، بدعم إقليمي ومال سياسي يستغل ويوظف في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتفاقم صعوبات الحياة ومتطلباتها، سواء في قطاع غزة، الذي يعتبر أحد مكونات هذا التحالف سبباً رئيسياً في أزمته، أم في الضفة الغربية، التي تتعرض فيها السلطة الوطنية الفلسطينية لمحاولات مستمرة لتقويضها من قبل حكومة نتنياهو، بعدما نجحت في تعميق الانقسام، وكنتيجة لحرب الإبادة التي شنتها على قطاع غزة، ووضعه تحت الوصاية الدولية، استكمالاً لمشروعها بمنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، والغريب والمستهجن أن صانعي الانقلاب والانقسام، على خلاف مرجعياتهم الفكرية والسياسية والإقليمية الحاضنة لهم، تتم تهيئة الفرصة لهم للتحالف بهدف الوصول إلى السلطة.

العامل الثاني، والمتمثل بالتصويت العقابي من الناخب الفلسطيني لكلّ من حركة حماس في قطاع غزة، وتحميلها مسؤولية النكبة التي ألمّت بهم جراء مغامراتها العسكرية، وكذلك الحال في الضفة الغربية، حيث يستهدف التصويت حركة فتح، كنتيجة لتماهي الحركة مع السلطة وعدم القدرة على التمييز ما بين السلطة والحركة، مما سيدفع المعارضين للسلطة إلى استخدام العقاب التصويتي، لذلك يسعى هذا التحالف إلى توظيف وتكامل الأدوار بين مكوناته، ليقدم نفسه البديل الناجز الذي يعبئ الفراغ ويستقطب التصويت الإيجابي، بدلاً من التصويت السلبي.

العامل الثالث: ضعف وتراجع القوى السياسية التي من الممكن أن تشكل تياراً مجتمعياً ثالثاً في المجتمع الفلسطيني، وغياب هويتها الفكرية والسياسية، إن لم يكن ضياعها، بتماهي قوى أساسية فيها مع قوى الإسلام السياسي تحت شعار المقاومة، سعياً وراء الشعبوية لكسب الجمهور؛ ففقدت استقلاليتها وهويتها، ولم تحصل على حصة من القاعدة الشعبية المؤيدة للمقاومة، لأن اللون الفاقع للإسلام السياسي لم يترك هامشاً، ولو قليلاً، لها للاستفادة من هذا التيار، الذي تضاءل وتراجع كنتيجة لحرب الإبادة، والجري وراء الحل السياسي والانخراط فيه، والمقايضة بآخر الأوراق، أي سلاح المقاومة، الذي لم يعد خطاً أحمر.

السؤال الرئيس: هل هذا يخيفنا ويدعونا إلى التراجع عن المسار الديمقراطي والهروب من استحقاقاته الوطنية؟ على العكس من ذلك، ربما يتحول هذا التحدي إلى فرصة لإعادة بناء جبهة وطنية فلسطينية عريضة من مكونات منظمة التحرير الفلسطينية، والقوى المجتمعية المختلفة المؤمنة بالبرنامج الوطني للمنظمة، وبضرورة التغيير والتجديد الديمقراطي، وإن استنهاض قواها المجتمعية والحزبية على امتداد الوطن، في غزة والقدس والضفة الغربية، سيكون عنوانه الأساس الدفاع عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل في مواجهة محاولات شرائه والسيطرة عليه لصالح أجندات معروفة لشعبنا.

لذلك، ولضمان نجاح التحول الديمقراطي وتجديد النظام السياسي الفلسطيني، يتطلب الأمر، علاوة على الإجراءات الجادة والملموسة التي تقوم بها القيادة الفلسطينية، تحركاً سياسياً يحمل المجتمع الدولي مسؤولياته، وعلى وجه الخصوص الاتحاد الأوروبي، للضغط على حكومة الاحتلال للسماح بإجراء الانتخابات في كل الأرض الفلسطينية، في الضفة والقدس الشرقية والقطاع.

نتنياهو وفريقه الحاكم يسعيان جاهدين منذ سنوات إلى تدمير النظام السياسي الفلسطيني وكيانيته، السلطة الوطنية، وقراره الاستراتيجي: لا حل للدولتين على أساس تطبيق الشرعية الدولية ذات الصلة، الذي ستقوم بموجبه الدولة الفلسطينية، وخياره الواضح هو تبني استراتيجية الحسم، أي الضم والترحيل والتطهير العرقي؛ لذلك سيسعى إلى تعطيل العملية الانتخابية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو القدس الشرقية.

إن مسؤولية المجتمع الدولي، الذي لا يتوقف عن الحديث عن الإصلاح في النظام السياسي الفلسطيني، وفي مقدمته الإدارة الأمريكية، نقول إن الإصلاح والتجديد يمران عبر صناديق الاقتراع وبالطرق الديمقراطية، وليس عبر الإقصاء والتهميش ودعم الانقلابيين وتمكينهم من القسمة والانفصال، وإن طريق السلام والأمن والاستقرار يمر عبر قيام دولة فلسطينية مدنية، ديمقراطية، تعددية، تحترم الشرعية الدولية والقانون الدولي، وتسهم، كما غيرها من شعوب المنطقة والعالم، في الأمن والاستقرار الدوليين.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى