فشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي وتراجع مشروع الهيمنة في المنطقة


بقلم: محمد عبد القادر عبد الهادي
تشير التطورات السياسية والميدانية إلى أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، وعلى قوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، لم ينجح في تحقيق أهدافه الاستراتيجية الرامية إلى تقويض هذه القوى أو فرض معادلات جديدة في المنطقة.
ويأتي هذا التصعيد في سياق مشروع أوسع يستهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مخططات الضم والتوسع والسيطرة، وهو ما تكشفت ملامحه بشكل أوضح بعد فشل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتحول الاستراتيجية الإسرائيلية من سياسة الردع إلى الهجوم الشامل والمستمر في مواجهة قوى المقاومة والدول الرافضة لمشاريع التطبيع.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الصراع الجيوسياسي العالمي المتصاعد بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من الصين وروسيا وحلفائهما من جهة أخرى، وهو صراع يتجلى في عدة ساحات، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والتوترات في أمريكا اللاتينية، والحصار المفروض على كوبا، إضافة إلى محاولات تعزيز النفوذ في مناطق استراتيجية مختلفة حول العالم.
وقد استغلت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية، إلا أن هذه التطورات كشفت في المقابل عن تراجع صورة التفوق العسكري الإسرائيلي، وعمقت من أزمته السياسية والأمنية، كما أبرزت حجم الارتباط الوثيق بينه وبين الدعم الأمريكي المباشر، وعدم قدرته على إدارة صراع طويل الأمد دون كلفة متزايدة.
كما أن هذا المسار ساهم في تعميق الانقسامات داخل الولايات المتحدة وبينها وبين عدد من الدول الأوروبية، التي أبدت تحفظات واضحة على بعض أشكال الدعم العسكري والسياسي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التماسك داخل التحالفات الغربية التقليدية.
وفي المقابل، لم تنجح الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على إيران وقوى المقاومة في إحداث اختراق حاسم، سواء على مستوى قدراتها الدفاعية أو برامجها العسكرية، بما في ذلك القدرات الصاروخية والدفاعية، الأمر الذي يعكس حدود القوة في فرض الإرادات السياسية بالقوة المباشرة.
وتواجه إسرائيل اليوم أزمة متفاقمة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تترافق مع تزايد الهجرة إلى الخارج وتعمق الانقسامات الداخلية، في ظل استمرار الحرب والعدوان على الشعب الفلسطيني، وما رافقه من تدهور في صورتها على المستوى الدولي، وتراجع فعالية خطابها الإعلامي والدبلوماسي.
كما أسهمت المجازر المستمرة في قطاع غزة والاعتداءات المتكررة في الضفة الغربية والقدس ولبنان في تعزيز حالة العزلة الدولية للاحتلال، ودفعت قطاعات واسعة في العالم، بما في ذلك في أوروبا والولايات المتحدة، إلى مراجعة مواقفها تجاه الرواية الإسرائيلية.
وفي السياق العربي، أظهرت التطورات الأخيرة محدودية فاعلية بعض المشاريع الإقليمية المطروحة تحت عناوين التعاون الأمني أو التحالفات السياسية والاقتصادية، خاصة تلك المرتبطة بمسارات التطبيع، في ظل استمرار العدوان على الشعب الفلسطيني وتفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة والضفة الغربية.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية أمام القوى والأحزاب العربية والفلسطينية حول كيفية استثمار اللحظة الراهنة، وبناء حالة من الصمود والمقاومة السياسية والشعبية، وكبح مسارات التطبيع، وتعزيز الدعم للقضية الفلسطينية في ظل التصعيد المستمر.
وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي، يبرز تحدٍ أساسي يتعلق بضرورة تعزيز الوحدة الوطنية وبناء قواسم مشتركة بين مختلف القوى، بما يتيح تطوير استراتيجية مقاومة شاملة قادرة على مواجهة الاستيطان والتهويد والحصار، خاصة في ظل تصاعد السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي الختام، فإن المرحلة الراهنة تفرض إعادة الاعتبار للبعد الوطني والقومي العربي، وتفعيل العمل المشترك بين القوى الديمقراطية والشعبية العربية، في مواجهة مشاريع التفكيك والتطبيع والطائفية، بما يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية باعتبارها مركز الصراع في المنطقة.