أقلام وآراء

من يملك حق تعريف المستقبل الفلسطيني؟

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

لم تعد الحرب المفروضة على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة، بل باتت جزءاً من بنية سياسية أوسع تدار على مستوى النظام الدولي، وتهدف إلى إعادة صياغة القضية الفلسطينية ذاتها؛ لا من حيث أدواتها فحسب، بل من حيث تعريفها ومفاهيمها وحدودها وشرعيتها، فالمعركة الجارية اليوم لم تعد تدور حول الأرض والحدود والسلاح فقط، بل حول من يمتلك حق إنتاج الرواية: من يعرّف الاحتلال؟ من يحدد معنى الأمن؟ ومن يصوغ شروط “السلام” في بيئة مختلّ ميزان القوة فيها منذ البداية؟

في هذا السياق، يأتي التقرير الأول لما يسمى “مجلس السلام الخاص بقطاع غزة”، المقدم إلى مجلس الأمن الدولي في أيار/مايو 2026، بوصفه لحظة سياسية كاشفة لا يمكن قراءتها باعتباره وثيقة تقنية أو تقرير متابعة، بل كنص تأسيسي لمحاولة إعادة هندسة الواقع الفلسطيني بعد الحرب، وفق رؤية تفرغ مفهوم السلام من جوهره القائم على إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة، وتعيد تعريفه كآلية لإدارة النتائج السياسية والعسكرية لهزيمة فلسطينية يراد تكريسها.

التقرير، الذي وزّعه السفير الأميركي مايك والتز على أعضاء مجلس الأمن، لا ينطلق من مقاربة ترى الحرب نتيجة مباشرة لبنية الاحتلال والاستيطان والحصار، بل يعيد اختزال المشهد في معادلة أمنية ضيقة: كيفية تفكيك عناصر القوة الفلسطينية وإعادة ضبط غزة بما يتوافق مع منطق “الأمن الإسرائيلي أولاً”، بوصفه الإطار الحاكم لأي تسوية أو إعادة إعمار أو انتقال سياسي.

ومن هنا تتكشف البنية العميقة للنص، الذي ارتبط في جوهره بالدور التنفيذي للدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، أكثر مما يعكس عملاً مؤسسياً لمجلس سلام غامض البنية والشرعية، فالمعادلة التي يطرحها التقرير لا تنظر إلى الاحتلال بوصفه قوة استعمارية قائمة على السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية، بل كطرف يواجه “تحديات أمنية”، بينما يعاد توصيف الفلسطيني بوصفه مصدر الخلل الأساسي في معادلة الاستقرار.

في هذا الإطار، يغيب الاحتلال فعلياً عن دائرة المساءلة داخل النص، رغم استمرار الخروقات الميدانية للقرار الدولي 2803، من اغتيالات متواصلة، وإغلاق للمعابر، وتقييد للحركة، وتوسيع للسيطرة العسكرية داخل القطاع، وصولاً إلى إعادة إنتاج جغرافيا أمنية قائمة على التجزئة والعزل وإعادة توزيع مناطق النفوذ بالقوة، والأخطر أن التقرير لا يكتفي بتجاوز مسؤولية الاحتلال، بل ينقل مركز الثقل السياسي نحو تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية تعطيل مسار إعادة الإعمار والتعافي المبكر، وكأن الدمار الواسع الذي أصاب البنية المدنية في غزة نتج عن فراغ سياسي داخلي، لا عن فعل عسكري منهجي ممتد ومتواصل.

إن هذه المعادلة تكشف خللاً بنيوياً في المنطق الدولي السائد، فحين يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني، تتحول النصوص إلى منظومة مشددة من الشروط والالتزامات والضوابط، أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن الانتهاكات تعاد صياغتها كـ “تعقيدات ميدانية” أو “تحديات أمنية”، بما يفرغ القانون الدولي من وظيفته الأساسية كأداة للمساءلة، لا لإعادة توزيع المسؤوليات بشكل انتقائي.

لكن خطورة هذا المسار لا تقف عند حدود الانحياز الدولي، بل تمتد إلى طبيعة التحديات المركبة التي تواجه الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة، فالتحدي الأول يتمثل في محاولة إعادة تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني ـ أمني يدار عبر منظومات دولية مشروطة، بما يفصلها عن جوهرها السياسي والتاريخي.

أما التحدي الثاني، فيتمثل في تعميق الانقسام الفلسطيني وإعادة إنتاجه بصيغ مختلفة، بما يضعف القدرة الوطنية الجامعة، ويحوّل التباينات الداخلية إلى مدخل لإعادة تشكيل القرار الفلسطيني من الخارج.

ويبرز تحدّ ثالث لا يقل خطورة، يتمثل في تحويل إعادة الإعمار إلى أداة ضبط سياسي، عبر ربط التمويل والمساعدات بشروط تمس جوهر الحق الوطني الفلسطيني، وتحويل الاحتياج الإنساني إلى وسيلة ضغط لإعادة صياغة السلوك السياسي.

إلى جانب ذلك، تتداخل التحديات الإقليمية والدولية في سياق أكثر تعقيداً، في ظل استمرار الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية في المنطقة، ومحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، بما يجعل القضية الفلسطينية جزءاً من صراع إقليمي أوسع، يراد فيه دفع الفلسطينيين إلى التكيف مع موازين قوة مفروضة لا يملكون التحكم فيها.

وفي مواجهة ذلك، لا تبدو الخيارات ممكنة خارج إطار إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة، تعيد الاعتبار لوحدة التمثيل السياسي، وتربط السياسة بالحقوق لا بإدارة الوقائع المفروضة أمنياً.

وهنا تبرز استحقاقات مركزية لا يمكن تجاوزها: استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام بوصفه شرطاً لبقاء المشروع الوطني ذاته، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني باعتباره خط الدفاع الأول عن الوجود السياسي، وإعادة تفعيل المؤسسات الوطنية الجامعة وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتمثيلية شاملة، وتوسيع أدوات الاشتباك السياسي والقانوني والدبلوماسي مع منظومة الاحتلال، إلى جانب حماية الرواية الفلسطينية من محاولات التشويه وإعادة التفسير القسري.

إن ما يراد تمريره اليوم ليس مجرد تسوية سياسية، بل إعادة تعريف لمفهوم الحق ذاته، بحيث تتحول الحقوق الوطنية من ثوابت تاريخية إلى امتيازات قابلة للمراجعة، ومن حقوق غير قابلة للتصرف إلى شروط قابلة للتفاوض تحت ضغط القوة، لكن التجربة التاريخية تؤكد أن الشعوب التي تواجه مشاريع إخضاع طويلة الأمد لا تمحى من معادلة التاريخ، حتى وإن اختل ميزان القوة مؤقتاً، فالمعركة على فلسطين لم تكن يوماً معركة حدود فقط، بل معركة على المعنى: معنى الحرية، ومعنى العدالة، ومعنى أن يكون الشعب قادراً على تعريف ذاته بعيداً عن شروط القوة المفروضة عليه.

غزة اليوم ليست مجرد مساحة جغرافية محاصرة، بل مختبر سياسي مفتوح لاختبار مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، فهل يراد لها أن تبقى قضية تحرر وطني، أم أن تتحول إلى ملف يدار أمنياً ضمن هندسة إقليمية ودولية تعيد إنتاج السيطرة بأدوات مختلفة؟

تلك هي المسألة التي تتخفى خلف كل التقارير والخطط، لكنها في جوهرها ستظل مفتوحة على سؤال واحد لا يمكن تجاوزه: من يملك حق تعريف المستقبل الفلسطيني

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى