النسيج الوطني ركيزة الهوية الفلسطينية الحضارية


بقلم: د. فريد اسماعيل
شكلت فلسطين منذ القدم ورغم كل الاعاصير التي عصفت بها وبكامل المنطقة، نموذجا حضاريا في العيش المشترك بين مختلف مكوناتها وشرائحها المجتمعية. فالعيش المشترك الإسلامي المسيحي في فلسطين ليس مجرد حالة عابرة او مجرد علاقة دينية، بل هو طبيعة تاريخية متجذرة منذ ما قبل الفتح العمري وحتى يومنا هذا. هذا العيش يعكس وحدة الشعب الفلسطيني في مواجهة التحديات ويجسد نموذجا فريدا للتسامح والشراكة في المنطقة. انه النسيج الوطني الذي يشكل ركيزة الهوية الفلسطينية الحضارية الجامعة الضاربة جذورها عميقا في التاريخ لأكثر من خمسة عشر قرنا. شراكة في الأرض والمصير تجلت بوحدة عملية كإشراف عائلات مسلمة على مفاتيح كنيسة القيامة رمزا للثقة المتبادلة والوحدة المجتمعية.
وإذا ما عدنا قرونا إلى الوراء، نجد أن الشعب الفلسطيني كان دوما عصيا على الانجرار إلى مستنقع الفتن المذهبية والطائفية. فالعهدة العمرية عام ٦٣٨ ضمنت حقوق الطوائف المسيحية وحمت كنائسهم وكرست روح العيش المشترك والاحترام المتبادل وفهم الآخر. وفي القرون الوسطى، ورغم الحملات الصليبية، بقيت العلاقات اليومية بين المسلمين والمسيحيين قائمة في المدن والقرى الفلسطينية رغم القهر الذي مارسه المستعمرون آنذاك بغطاء ديني بحجة التبشير وتحرير مهد السيد المسيح.
وفي العهد العثماني، سمح لكل الطوائف لا سيما المسيحية بممارسة شعائرها الدينية بحرية تامة مع استمرار تقليد العائلات المسلمة بحراسة مفاتيح كنيسة القيامة. أما في القرن العشرين وفي فترة الانتداب البريطاني، واجه الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه وبوحدة وطنية تحديات الاستعمار والتهجير. فلقد حاول الانتداب البريطاني شق وحدة الصف الفلسطيني عبر سياسات ” فرق تسد” إذ اعتمد على محاولات تقسيم المجتمع إلى طوائف واديان، لكنه لم ينجح في اثارة نعرات دينية أو طائفية أو خلق صراع إسلامي مسيحي، بفضل تمسك شعبنا بهويته الوطنية الجامعة، وظل الانقسام الأساس بين شعبنا الفلسطيني واليهود المهاجرين الذين دعمتهم بريطانيا.
وقد حاولت بريطانيا مرارا إبراز الطوائف المسيحية ككيانات منفصلة أو منحها امتيازات إدارية، لكنها لم تنجح في خلق شرخ حقيقي. ولذلك عمدت إلى طرح مشاريع على اساس ديمغرافي دون الاعتماد على تقسيم ديني داخلي، بل على الفصل بين العرب واليهود كمشروع لجنة بيل عام ١٩٣٧. ورغم المحاولات البريطانية بقيت الوحدة الوطنية بفضل التماسك التاريخي الذي كرسه العيش المشترك الذي جعل الهوية الفلسطينية تتجاوز الانقسامات الطائفية. فالانقسام لم يكن بين مكونات الشعب الفلسطيني، وإنما هو انقسام مع المشروع الصهيوني البريطاني.
العيش المشترك لم يكن شعارا نظريا، بل ممارسة عملية في مواجهة الاستعمار والتهجير. فقد كان المسيحيون كما المسلمون جزءًا اصيلا من الحركة الوطنية الفلسطينية، وانصهروا معا في كل محطة كبرى من النضال ضد الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني. فقد شاركوا معا في ثورة النبي موسى ضد الانتداب البريطاني، وكانت من أولى الانتفاضات الشعبية ضد الانتداب عام ١٩٢٠. وفي ثورة البراق عام ١٩٢٩ حيث وقف المسيحيون من ابناء شعبنا الى جانب المسلمين في الدفاع عن القدس، وشاركوا في المظاهرات والاحتجاجات ضد الاعتداءات الصهيونية. وما بين عامي ١٩٣٦ و١٩٣٩ في الثورة الكبرى، توحد أبناء الشعب الفلسطيني من في الإضراب العام الذي استمر ستة أشهر، وفي العمل المسلح ضد القوات البريطانية والمستوطنين اليهود. كما انعكس الانصهار الوطني والعيش المشترك في وحدة الموقف الرافض لمشروع التقسيم عام ١٩٤٧، مؤكدين على وحدة الأرض والشعب.
ولم تميز نكبة العام ٩٤٨ بين مسلم ومسيحي، ما عزز رغم الجراح الشعور بالمصير المشترك ووحدة الهوية الوطنية، فالشعب الفلسطيني لم يشهد على مدى تاريخه أي نوع من التوترات إثنية كانت او طائفية أو مذهبية، فهو شعب متجانس لم يعرف تاريخه التعصب والتطرف، فالفلسطيني المسلم والمسيحي يقدم وطنيته وعيشه المشترك على اي موضوع آخر. وبعض الانقسامات القليلة في التاريخ الفلسطيني يتأسس على الصراعات السياسية في البيئة الخاصة والمحيطة. وحتى حين كانت تحاول بعض قوى الخارج تحويل الصراعات المحيطة والمؤثرة عليه إلى صراعات مذهبية أو عرقية، لم تكن لتجد لها الحوامل الداخلية إلا بتحويلها إلى معادل سياسي، إذ أن تجذر الحس الوطني الفلسطيني وعمقه التاريخي والحضاري ومنظومة قيمه الاجتماعية كانت تختزن مع الزمن تصورا للذات الفلسطينية مختلفا عما أراده الاستعمار والحركة الصهيونية، وشكلت حصنا للعيش المشترك والمصير الواحد لا يمكن اختراقه. ولذلك لم يكن غريبا أن يمارس المناضلون المسيحيون كما المسلمون دورهم الريادي والقيادي في صفوف الثورة الفلسطينية المعاصرة بمختلف فصائلها كما في كافة هيئات ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
انطلاقا من ذلك، يمكن الجزم بأن الانقسام الحالي في الساحة الفلسطينية لا علاقة له بالعيش المشترك، كما أن التساؤل عن جذور هذا الانقسام وحصرها بأساس سياسي او اجتماعي إنما هو تجاهل متعمد لمنبت الجذر، وهو منبت خارجي بكل تجلياته يتمثل بمشروع اخواني عابر للحدود يصطنع لكل قطر أو بلد يتغلغل فيه، سمات خاصة وهمية يعمل على تكريسها على أرض الواقع كسلطته على قطاع غزة منذ الانقلاب، لتصبح الوحدة الوطنية أكثر تعقيدا وأبعد من أن يستعيدها بيان نتيجة لقاءات في عاصمة ما.
إن الصراع في الحالة الفلسطينية اليوم ليس مذهبيا أو طائفيا، بل بين مشروع وطني جامع تناضل من أجله مختلف شرائح شعبنا وسلطته الوطنية رغم ارباكاتها، هدفه وطن حر يضمن العدالة والمساواة بين كل ابناءه بمختلف شرائحهم المجتمعية والمدنية والدينية والطبقية، ومشروع اخواني دولي لا يؤمن بالمواطنة في وطن لجميع ابناءه، هدفه السيطرة على الاقليم وإقامة نظام ظلامي هجين تحكمه اجندات خارجية. مشروع اصطدم بعدم قدرة اصحابه على تفكيك حالة العيش المشترك في المجتمع الفلسطيني، فعمدوا الى اعتماد نظرية “التفكيك العائلي” من خلال الاستقطاب بمختلف الطرق من داخل العائلة ليصبح الأخ مناقضا لأخيه بالفكر والعقيدة، ما يحدث شرخا عائليا ومجتمعيا طويل الأمد.
هذا النهج الذي شجعت دولة الاحتلال على استمراره وساهمت بتسهيل رفده بالدعم المالي الذي كان يمر شهريا عبرها، أربك الواقع الفلسطيني ولا زال شعبنا حتى اليوم يدفع ثمن مغامراته. لكن شعبنا الذي تجاوز كل الاعاصير والأزمات على مدى قرون بفضل تماسكه وتجانسه وعيشه الواحد وارادته وتمسكه بهويته الفلسطينية الوطنية الحضارية، حتما سيكون قادرا على رمي هذه الصفحة الصفراء البالية من كتاب الزمن الفلسطيني، وسيبقى شعبنا النموذج الحضاري في العيش المشترك والمصير الواحد رغم كل ما يتعرض له اليوم من مخاطر مصيرية.