أقلام وآراء

المفوضية الأوروبية تربط تمويل التعليم الفلسطيني بتعديل المناهج؟

 

 

بقلم: عائدة عم علي

منذ أقامتها، تعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي الى ممارسة ضغوطاً مستمرة لتغيير المناهج التعليمية الفلسطينية، خاصة في القدس المحتلة، بهدف “أسرلة التعليم” وحذف المضامين الوطنية والتاريخية، فيما هي تبث سمومها في العالم لتأسيس جيل حاقد أولاً، وغير قادر على المواجهة ثانياً، مؤكدة أن الصهيونية مرتبط باستمرار هذا العداء ورفعه إلى حدود كبيرة، ومن اجلها أرست المؤسسة الصهيونية أسسها على ترسيخ صورة العربي على أنه يحمل كل الصفات عدا تلك الإنسانية، وهذا انسحب على فكر الطلبة في المدارس تحديداً منها الدينية.

الصهيونية تبنت رواية تنفي الوجود العربي في فلسطين، ولا وجود لفلسطين ولا فلسطينيين، وزخرت الكتب المدرسية بذلك، فنفت التاريخ الإسلامي في فلسطين واعتبرته تاريخاً سطحياً عابراً، وأن صورة اليهودي في الكتب الدراسية العربية في الداخل المحتل ملائمة ومناسبة، وإنّ الصورة العكسية هي نفي للوجود العربي، وتقزم قدراته ومعاملته على أنّه مواطن من درجة أقل.

وإزاء ذلك كله، فان ما يدعو للأسف أن تتخذ مؤسسات في الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها المفوضية الأوروبية، خطوات عملية تربط تمويل قطاع التعليم الفلسطيني بشروط سياسية تتعلق بتعديل المناهج، بما ينسجم مع سياسات الاحتلال الهادفة إلى تقويض التعليم في فلسطين، ويحوِّل المساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط تستهدف الهوية والحقوق الوطنية الفلسطينية بشكل مباشر.

أن مبدأ “التمويل المشروط”، كما يظهر في النقاشات والقرارات الأوروبية الأخيرة المرتبطة بمراجعة المناهج الفلسطينية، يشكل أداة ضغط سياسي تُستخدم لفرض وصاية فكرية على الشعب الفلسطيني، في انتهاك واضح لحقه في تقرير مصيره الثقافي والتعليمي والأكاديمي. “وفق جمعية حنظلة في بلجيكا” التي تعلن رفضها القاطع لهذه التوجهات، وتؤكد أن ربط دعم التعليم الفلسطيني بإعادة صياغة مضمونه ليس إجراءً تقنياً أو إدارياً، بل تدخل سياسي مباشر في تشكيل وعي الأجيال. وإن محاولات فرض تعديلات تمسّ السردية التاريخية أو تعيد تعريف مفاهيم الهوية والنضال، تُمثِّل عدواناً ثقافياً يستهدف الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.

أن أي محاولة لشطب مفاهيم المقاومة، أو إفراغ المناهج من بعدها الوطني، أو إعادة تقديم التاريخ الفلسطيني بمعزل عن سياقه الحقيقي، تُعد انحيازاً كاملاً لسياسات الاحتلال، وتواطؤاً مع مخططاته الرامية إلى إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني بما يخدم استمرارية الهيمنة. وهذا يؤكد أن الاستمرار في هذه السياسات يضع الاتحاد الأوروبي في موقع الشريك المباشر في جريمة الإبادة الثقافية والتعليمية، التي تستهدف الوعي والذاكرة والهوية الفلسطينية، بالتوازي مع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة جماعية مستمرة على الأرض. ولا تنفصل عن واقع يومي يعيشه الطلبة والمعلمون الفلسطينيون، في ظل استهداف البنية التحتية التعليمية، ما يجعل التدخل الخارجي في مضمون التعليم جزءاً من سياق أوسع من التقويض الممنهج للتعليم في فلسطين.

 

الاحتلال عمد الى طمس الأسماء العربية للمـدن، والقـرى، والأمـاكن من خلال مؤلفو كتاب ” درب الكلمات” واستبدال أسماء عبرية بهـا لإعطاء الأماكن بصمة يهودية لإثبات الحق التاريخي لليهود في فلـسطين كما حدث هذا في درس شموع السبت، وديفيد بن غوريون، وحائطنا , والهدف من هذه التعديلات طمس الهوية الفلسطينية وخلق جيل متسامح مع الاحتلال من خلال تصوير اليهود بأنهم قوم مسالمون. وفيه تستثمر “إسرائيل” أموالا طائلة وخبرات استشراقية وتربوية ونفسية لهندسة مناهج تعليمية للفلسطينيين تسعى لتحقيق هدف معاكس تماما، وهو خلق عربي جديد منزوع الهوية، متسامح حتى مع جلاده، ينفر من ثقافة القوة والاعتزاز بالهوية، ويجهل تاريخ أمته التي قادت العالم طوال قرون. والأخطر من ذلك، هو عربي مُبرمج ليفهم نصوص دينه كدعوات لتعظيم محتليه والخضوع لهم.

ورغم أنّ المنهاج الفلسطيني الحالي، لم يكن يركز سوى على الحق الفلسطيني وحقه في مواجهة الاحتلال، قد لاقى الكثير من الانتقاد والمساومة، فإنّ إسرائيل بمناهجها الدراسية، ترتكز على التحريض والتشويه كنقطة محورية فيما تُقدمه لطلابها سواءً في المؤسسة التعليمية الرسمية، أو تلك الدينية التي تتبع للمتدينين القوميين، أو المؤسسات التعليمية الملحقة التي تنتشر تحديداً في أوساط المؤدلجين الذين يتبنون الروايات التوراتية والتلمودية.

الدعاية الصهيونية ترتكز على اعتبار أنّ أيّ إجراءات ضد الفلسطينيين هي مبررة في سياق انكار وجود الفلسطيني، وادعاء احتكار الأرض الأبدية لليهود وفق الرؤية التوراتية، بحيث يتم تنظيم زيارات سنوية من قبل المدارس وفق البروفسور يشاي روزن إلى المتاحف التي تُجسد “بطولات” المنظمات الصهيونية ضد الفلسطينيين، ومنها ما قامت به المنظمة الإرهابية اتسل والتي قامت بقتل العشرات من الزوار العرب في مجموعة من الأسواق في القدس.

ولا يُمكن فصل المنظومة التعليمية في إسرائيل وما تحتويه من مناهج محرضة، عن مكنة خلق جيل إسرائيلي حاقد، وإنتاج منظومة عسكرية وسياسية أكثر كراهية وعنصرية ضد الآخر، مما يُسهم مع مرور الوقت في بلورة حكومات أكثر تطرفاً، وتيارات أكثر رغبة في الاستيطان والسيطرة على أرض الفلسطينيين، والفتك بهم وبناء خطط تهجير وإحداث نكبات جديدة.

ما يحدث في غزة من مجازر يومية ومسلسل مستمر من القتل والبطش بحق الفلسطينيين، وما يرافقه من دعوات للاستمرار بذلك، من متطرفين متل الإرهابي بن غفير وسموتريتش، وكذلك من شرائح مختلفة من المجتمع الإسرائيلي، فإنّ ذلك يُعزى إلى بناء الإسرائيلي الجديد الذي يبدأ العمل عليه منذ وجوده على مقاعد الدراسة.

والمؤسف في هذا الصدد تجاهل المنظومة الدولية والاتحاد الأوروبي تحديداً هذا التحريض في مقررات المنظومة التعليمية الإسرائيلية، فيما يركز الاتحاد جهوده على تغيير المناهج الفلسطينية التي تدعو للحفاظ على الهوية القومية دون تحريض ضد اليهود، فربطت المال بتغيير المنهاج، وراقبت وأشرفت , فيما تتجاهل بشكل مقصود حينما يتعلق الأمر بمنهاج إسرائيلي يحتقر كلّ ما هو غير يهودي.

لا شك أن التحريض ضد العرب والفلسطينيين، والعنصرية المشبعة والدعوات للقتل والتهجير ركيزة أساسية في المنظومة التعليمية الإسرائيلية القائمة على رفع اليهودي إلى مكانة فوق بشرية والتقليل من قيمة البشر عموماً والعرب على وجه الخصوص ووضعهم في مكانة دون بشرية في اتجاه تبرير كل ما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين.

زر الذهاب إلى الأعلى