المؤتمر الثامن لحركة (فتح) والتحديات الوطنية


بقلم: د. أحمد مجدلاني
ينعقد المؤتمر العام الثامن لحركة (فتح) في لحظة فلسطينية هي من بين الأكثر خطورة منذ النكبة، في ظل حرب مفتوحة تستهدف الوجود الوطني والإنساني لشعبنا، عبر الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والعدوان في الضفة الغربية بما فيها القدس، ومحاولات تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتهجير السكان، واستهداف مخيمات اللاجئين بوصفها رمزاً للذاكرة الوطنية وحق العودة، إلى جانب السعي لتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء أي أفق سياسي قائم على الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا.
وفي خضم هذه التحولات، فإن مجرد انعقاد المؤتمر يشكل حدثاً وطنياً وسياسياً مهماً، ليس فقط من الزاوية التنظيمية، بل باعتباره تعبيراً عن حاجة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتجديد رؤيتها واستعادة قدرتها على الفعل والتأثير، في مواجهة محاولات العزل والتهميش والتصفية السياسية.
ولا تقتصر أهمية المؤتمر على كونه استحقاقاً تنظيمياً، بل تتجاوز ذلك إلى كونه محطة مراجعة سياسية ووطنية شاملة لمسار طويل من الإنجازات والإخفاقات والأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل أزمة عميقة تطال بنية النظام السياسي الفلسطيني وأدوات النضال الوطني وشكل المرحلة المقبلة.
لقد شكلت حركة (فتح)، منذ انطلاقتها، الإطار الوطني الأوسع الذي أعاد الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وقاد المشروع الوطني الفلسطيني في أكثر المراحل صعوبة، وأسهم في تثبيت الشخصية السياسية لشعبنا عربياً ودولياً، ومن هنا، فإن أي مراجعة لمسيرة الحركة يجب أن تنطلق من مسؤولية وطنية هدفها تعزيز دور الحركة وتجديد حضورها، لا إضعافها أو التقليل من مكانتها الكفاحية والسياسية.
واليوم، تبدو حركة (فتح)، بوصفها العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرتها على استعادة المبادرة الوطنية وتجديد أدواتها السياسية والنضالية والتنظيمية، وإعادة بناء الثقة مع الشارع الفلسطيني، في ظل حالة الإحباط الشعبي الناتجة عن سنوات الانقسام والتراجع الوطني والمؤسساتي.
إن المؤتمر الثامن مطالب بالذهاب إلى مراجعات عميقة وشجاعة تتجاوز اللغة التقليدية والخطابات العامة، نحو تقييم حقيقي للتجربة الوطنية الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والتنظيمية والاجتماعية، فشعبنا، الذي يواجه آلة القتل والاقتلاع والاستيطان، يحتاج إلى قيادة تمتلك وضوح الرؤية، وقادرة على بناء استراتيجية وطنية موحدة تستجيب لحجم المخاطر القائمة، وتعيد الاعتبار لفكرة النضال الوطني الجامع باعتبارها المدخل الحقيقي لحماية المشروع الوطني الفلسطيني.
كما تفرض المرحلة الراهنة ضرورة إعادة بناء الثقة داخل البيت الفلسطيني، وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة بعيداً عن سياسات الإقصاء والانقسام والتفرد، بما يعيد الحيوية للنظام السياسي الفلسطيني، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع، والعمل على تطوير مؤسساتها وتفعيلها على أسس ديمقراطية تضمن مشاركة الجميع في صياغة القرار الوطني.
إن استمرار الانقسام لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل تحول إلى خطر مباشر يهدد وحدة القضية الوطنية وقدرة شعبنا على مواجهة الاحتلال ومشاريعه التصفوية، ومن هنا، فإن أي مخرجات جدية للمؤتمر ينبغي أن تضع في مقدمة أولوياتها استعادة الوحدة الوطنية وتجديد شرعية النظام السياسي عبر الاحتكام إلى الإرادة الشعبية والديمقراطية.
وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للدور الشعبي والجماهيري في معركة التحرر الوطني، وعدم حصر الفعل الوطني في الأطر الرسمية والتنظيمية الضيقة، فالشعب الفلسطيني، الذي أثبت عبر تاريخه الطويل قدرته على الصمود والمقاومة، يحتاج إلى بيئة سياسية تعزز المشاركة الشعبية، وتفتح المجال أمام المبادرات الشبابية والنقابية والنسوية والمجتمعية، بما يعيد الحيوية للحالة الوطنية الفلسطينية.
كما أن المؤتمر مطالب بإعادة صياغة العلاقة بين السياسي والتنظيمي داخل حركة (فتح)، بما يضمن تجديد البنية التنظيمية، وتوسيع المشاركة الداخلية، وإفساح المجال أمام الكفاءات والطاقات الشابة، وتعزيز حضور المرأة الفلسطينية، لأن الحركات الوطنية التي لا تجدد أدواتها وآليات عملها تصبح عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى.
وفي الوقت ذاته، تبدو الحاجة ملحة لوضع استراتيجية وطنية شاملة تتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة مواجهة طويلة ومركبة، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والشعبية والدبلوماسية والقانونية والإعلامية والاقتصادية، بما يعزز قدرة شعبنا على الصمود والدفاع عن حقوقه الوطنية، فالمعركة لم تعد تدور فقط على الأرض، بل أصبحت أيضاً معركة على الرواية والوعي والشرعية الدولية، في مواجهة محاولات الاحتلال تزييف الحقيقة وتبرير جرائمه.
كما تفرض التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة على الحركة الوطنية الفلسطينية امتلاك رؤية أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات الدولية، وبناء تحالفات سياسية وحقوقية وشعبية واسعة تعيد وضع القضية الفلسطينية في مركز الاهتمام العالمي، مستفيدة من تنامي التضامن الشعبي الدولي مع الشعب الفلسطيني ورفض جرائم الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.
ورغم كل ما يحيط بالقضية الفلسطينية من مخاطر، فإن شعبنا ما زال يمتلك من عناصر القوة والإرادة والصمود ما يمكنه من إفشال مشاريع التصفية، شريطة توفر رؤية وطنية موحدة وإرادة سياسية قادرة على إعادة بناء الحالة الوطنية الفلسطينية على أسس الشراكة والديمقراطية والوحدة.
إن نجاح المؤتمر العام الثامن لحركة (فتح) لن يقاس فقط بانتخاب قيادات جديدة أو إصدار بيانات سياسية، بل بقدرته على فتح أفق وطني جديد يعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، ويمنح الجماهير أملاً بإمكانية استعادة الوحدة الوطنية وتجديد الحياة السياسية الفلسطينية على أسس وطنية وديمقراطية جامعة.
ونحن في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، ننظر إلى انعقاد المؤتمر الثامن لحركة (فتح) بوصفه فرصة وطنية مهمة لاستعادة المبادرة الفلسطينية، وتعزيز وحدة الحركة الوطنية، وتجديد المشروع الوطني الفلسطيني بما ينسجم مع تضحيات شعبنا وصموده، ويعزز قدرته على مواصلة نضاله المشروع حتى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.