الخليج: الأمن جزء من معادلة النمو


بقلم: د. فريد اسماعيل
وضعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة دول الخليج العربي أمام واقع صعب لم يكن ربما ضمن الحسابات المتوقعة. فقد كانت حالة الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسي من اهم دعائم النمو الاقتصادي المتصاعد الجاذبة لثقة المستثمرين من مختلف القارات. حيث بنت دول الخليج رؤيتها الاقتصادية ومشاريعها الطموحة العملاقة الطويلة الأمد كرؤية ٢٠-٣٠ السعودية، متكئة على قاعدة استقرار مستدام، أعطى دفعا للمؤسسات الاقتصادية والشركات العالمية للتنافس والانخراط في المشاريع المطروحة، ما ساهم في جعل هذه المنطقة واحدة من أبرز مناطق الجذب والاستقطاب الاقتصادي والخدمي والسياحي ومجالات أخرى. إلا أن هذه النهضة الاقتصادية والإنجازات في التنوع والاستثمار اصطدمت، مع الاستهدافات الإيرانية، بعجز أو فشل أو تردد أو عدم رغبة منظومة الأمن المعتمدة بشكل كبير على الحماية الخارجية في ضمان أمنها واستقرار ممراتها البحرية ومصالحها الاستراتيجية، إذ ظهر جليا الفارق الكبير بين الدعم الامريكي لإسرائيل في تصديها للهجمات الإيرانية؛ بينما دول الخليج العربي تحملت العبء الأكبر من عمليات التصدي للاستهدافات. بالنتيجة، فإن هذا التناقض بين النمو الاقتصادي والاعتماد الأمني يفرض تحديات هيكلية على مستقبل المنطقة، ما يستوجب من دول الخليج استخلاص العبر والعمل الجدي على ولادة الجيل الثاني من الدولة الخليجية الحديثة، إذ أن الحرب رغم قساوتها، من المفترض أن تسهم في إعادة تشكيل وعي دول الخليج بطبيعة موقعها في النظام الدولي، وفي إدراك لمعادلة الأمن والسيادة، والدفع نحو بناء نموذج جديد يقوم على أن أمنها جزء من اقتصادها، وسيادتها تبدأ من قدرتها على تأمين طرق تجارتها وممراتها بنفسها في ظل بيئة اقليمية ودولية تتجه نحو المزيد من التعقيد واعادة رسم التوازنات. ولذلك فإنه ورغم كل الخلافات والتناقضات التي تعصف بالمنطقة، فقد أصبح من الواجب العمل على إنشاء مظلة دفاعية ذاتية قادرة على حماية المصالح والنهضة الاقتصادية، ما يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التعاون العسكري والاستثمار الصناعي والتكنولوجي والتحالفات الاستراتيجية المتنوعة. فالمظلة الدفاعية الذاتية ليست مشروعا طوباويا لا يمكن تحقيقه في ظل الوقائع الحالية، كما أنها ليست مجرد مشروع عسكري، بل هي شرط وجودي لاستمرار النهضة الاقتصادية. فالأمن الذاتي يضمن حماية الاستثمارات ويمنح هذه الدول القدرة على التفاوض من موقع قوة في النظام الدولي الجديد، وليس من موقع المتأثر بما يدور حوله من تحولات. فالواقع الحالي يبقي هذه الدول رهينة الكباش الامريكي الإسرائيلي الإيراني، وليس من مصلحة إيران أو إسرائيل امتلاك دول الخليج لقدرات تكون من خلالها قادرة على الدفاع عن أمنها وتأمين استقرارها لأن ذلك يعني صعودا اقتصاديا وتنمويا ينعكس تناميا للنفوذ والدور السيادي القوي في التوازنات الجديدة، وهذا ما لا ترغب به لا إسرائيل ولا إيران اللتان تتصارعان على مراكز النفوذ في المنطقة. فإيران تدرك ان الخليج العربي يمثل شريان الطاقة العالمي ومصدرا رئيسيا للمصالح العالمية، واستهدافها لهذه الدول يعني استهداف للاقتصاد العالمي ومصدر الطاقة، ويعكس استراتيجية إيرانية تقوم على جعل أي مواجهة معها أزمة اقليمية ودولية شاملة، كما يعكس عقيدة إيرانية تقوم على إدارة صراع طويل الأمد منخفض الحدة، حيث لا ينظر إلى وقف إطلاق النار كحل نهائي بل كمرحلة لإعادة المواجهة. وهي بذلك تعمل على ارباك دول الخليج وتحويل أمنها إلى ورقة مساومة بيدها، ما سيدفع هذه الدول إلى زيادة الإنفاق العسكري وتوجيه جزء من الميزانيات نحو التسلح على حساب مشاريع التنمية والخطط العملاقة الطويلة الأمد التي ستتأثر سلبا وربما يتعرقل بعضها. وهذا يصب أيضا في خدمة إسرائيل التي ترى في النهضة الخليجية خطرا على مشاريعها الاستراتيجية التوسعية.
ولذلك مارست إسرائيل الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الأخيرة لدفع دول الخليج للانخراط المباشر في الحرب ليس فقط بهدف رفع وتيرة الضغط العسكري على إيران، ولكن لتوريطها في حرب تستنزف قدراتها وبالتالي تضعف موقعها ودورها الاقليمي والدولي، ما يعطي الفرصة لإسرائيل لتصبح الكيان الوحيد المهيمن على المنطقة ومصيرها. ولذلك، إذا ما تمكنت دولة الخليج من تجاوز خلافاتها وانشأت مظلة دفاعية ذاتية قادرة على حماية أمنها واستقرارها مع حفاظها على التوازن بين الأمن والنمو الاقتصادي، فإن الاطماع والخطط والمشاريع الإسرائيلية كما الإيرانية على صعيد المنطقة ستتحول إلى حلم لا يتحقق. ومن الطبيعي أن هكذا خيار من شأنه رفع الكلفة الأمنية والاتفاق الدفاعي، لكن استمرار الاعتماد على الأمن الخارجي قد يعرض النهضة الاقتصادية للانتكاس عند أي أزمة اقليمية بسبب تآكل الثقة الاستراتيجية. ولذلك فإن هذه الدول اليوم تقف على أعتاب تحول استراتيجي عميق بسبب التداعيات الغير مسبوقة التي يفرضها الواقع الحالي على منظومات الطاقة والاقتصاد والأمن الاقليمي وما افرزه إغلاق مضيق هرمز وشن هجمات سيبرانية واستهداف منشآت نفطية وحيوية. ومن هنا تبرز ملامح إعادة تشكيل للتحالفات، حيث أدركت دول الخليج أن المظلة الغربية لم تمنع التدهور، الامر الذي يفتح الباب أمام خيارات أخرى تتمثل بتقارب خليجي مع الصين وروسيا. كذلك اندفعت هذه الدول إلى بدء تشكيل نواة تحالف دفاعي خليجي عربي إسلامي يعرف بمجلس الأمن الاقليمي تقوده السعودية بمشاركة دول مثل باكستان وتركيا وبدعم من الاردن ومصر، في موازاة تنامي دور تركيا كشريك أمني واقتصادي فاعل في الممرات البحرية والاتصالات الاقليمية. هذه التحولات تعكس انتقالا نحو مقاربة جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والأمن الجماعي بعيدا عن الاصطفافات التقليدية المتمثلة في الهوية الطائفية أو الخطاب القومي. كما أن هذه المقاربة الجديدة تتطلب ترجمة الى خطوات ميدانية عبر بناء منظومة أمن جماعي تتضمن إنشاء قيادة دفاعية مشتركة وتطوير للقدرات الدفاعية والاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية عبر شركات تصنيع عسكرية وتقنية مشتركة مستفيدة من طفرة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وبتمويل خليجي لتقليل الاعتماد على الموردين الغربيين. ومن العوامل المهمة في هذه المقاربة تنويع الشراكات الاقتصادية والجيوسياسية من خلال العمل على تعزيز العلاقات مع دول كالصين والهند واليابان كبدائل استراتيجية للأسواق الغربية مع توقيع اتفاقيات أمن-اقتصاد مزدوجة تضمن حماية خطوط التجارة مقابل استثمارات طويلة الأمد، ودمج الأمن بالاقتصاد كربط مشاريع مثل ٢٠-٣٠ والمشاريع الكبرى الأخرى بخطط الأمن الوطني بحيث يصبح الأمن جزءا من معادلة النمو، واعادة صياغة الهوية الاستراتيجية على أساس المصالح المشتركة والأمن الجماعي.
هذه الخطوات التي تحمل في ظاهرها إطارا نظريا، تشكل في حقيقتها مسارا عمليا نحو ولادة الجيل الثاني من الدولة الخليجية الحديثة، حيث يصبح الأمن الذاتي ركيزة لاستمرار النهضة الاقتصادية وتحصينها من الصدمات الخارجية.