أقلام وآراء

نارٌ واحدة

 

بقلم: محمد علوش

ليست الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران حدثاً عابراً في سياق إقليمي مضطرب، بل تعبير مكثّف عن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق منطق القوة، وإعادة ترتيب موازين الردع والنفوذ بما يخدم مشروع الهيمنة طويلة الأمد، فهي لا تختزل في تبادل ضربات عسكرية، بل تمثّل محاولة لإعادة رسم خرائط السياسة والأمن، وتكريس وقائع استراتيجية تتجاوز حدود ساحة الاشتباك المباشر.

هذه الحرب، مهما بدت بعيدة جغرافياً، تتقاطع عضوياً مع فلسطين جوهر الصراع في المنطقة، فالمشروع الاستعماري الذي تأسست عليه دولة الاحتلال لم يكن في يوم من الأيام مشروع حدود، بل مشروع توسّع وهيمنة وإخضاع، ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخلت المنطقة طوراً مفتوحاً من العنف، حيث تلاشت الفواصل بين الجبهات، وتكاملت مسارات الحرب على قطاع غزة مع تصعيد منهجي في الضفة الغربية والقدس، في سياق واحد يؤكد أن العقيدة الحاكمة لا تعترف بتجزئة الصراع.

حكومة الاحتلال الحالية، الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، لم تتعامل مع الحرب بوصفها ظرفاً طارئاً، بل كفرصة استراتيجية، فجاء الشروع فيما سمّي “تسجيل الأراضي” في الضفة الغربية إعلاناً عملياً عن الانتقال من إدارة الاحتلال إلى تثبيته كسيادة دائمة بحكم الأمر الواقع، في تحدٍّ سافر للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، ولم يكن هذا الإجراء تقنياً، بل سياسياً بامتياز، يهدف إلى تحويل الوقائع الاستيطانية إلى بنية قانونية تحصّن مشروع الضمّ الزاحف.

وفي السياق ذاته، أظهر تقرير صادر عن منظمة “سلام الآن” أن عام 2025 شكّل ذروة جديدة في التوسع الاستيطاني، من حيث إنشاء مستوطنات وبؤر جديدة وطرح آلاف الوحدات السكنية، وتكشف هذه المعطيات أن أولوية السلطة اليمينية والفاشية الحاكمة ليست معالجة تداعيات الحرب الاجتماعية والاقتصادية، بل تعميق المشروع الاستيطاني باعتباره ركيزة الهوية السياسية للائتلاف الحاكم وأداته لإعادة تشكيل المجال الجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية.

أما القضاء الإسرائيلي، الذي يقدّم خارجياً بوصفه عنوان “الديمقراطية”، فقد أظهر مرة أخرى حدود دوره الفعلي، فالأوامر المشروطة التي صدرت لمساءلة “الجيش والإدارة المدنية” عن التقصير في حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين تبقى، في جوهرها، آليات امتصاص ضغط أكثر منها أدوات مساءلة حقيقية، إذ تظل الإرادة السياسية العليا قادرة على تحييد أي قيد قانوني حين يتعارض مع منطق الاحتلال والتوسع والسيطرة.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل التصعيد في الضفة الغربية عن الحرب الأوسع في الإقليم، فاستثمار الانشغال الدولي بالمواجهة مع إيران يتيح تسريع فرض الوقائع على الأرض الفلسطينية، وتحويل الاستيطان من سياسة متدرجة إلى عملية إعادة هندسة شاملة للحيز الجغرافي، وإن ما يجري ليس تراكماً كمّياً فحسب، بل تحوّل نوعي في طبيعة المشروع الاستعماري الاسرائيلي، من إدارة احتلال إلى تكريس نظام فصل بنيوي دائم.

على المستوى الإقليمي، تنطوي الحرب على إيران على مخاطر انفجار واسع يعيد إنتاج دورات من عدم الاستقرار، ويدخل المنطقة في سباق استنزاف طويل، وأي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة سيعني تعميق الاستقطاب، وتآكل أولويات التنمية والإصلاح، وتقديم الأمن العسكري على حساب الأمن الإنساني والاجتماعي، وفي ظل هذا المشهد، تصبح القضايا العادلة عرضة للتهميش أو التوظيف ضمن حسابات توازنات القوى.

غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن تجاوز فلسطين بوصفها أصل المعضلة لن ينتج استقراراً دائماً، فاستمرار الاحتلال والاستيطان، وغياب أفق سياسي قائم على العدالة والحقوق، يظل العامل البنيوي الأعمق في إعادة إنتاج التوتر، ومن دون معالجة هذا الجذر، ستبقى كل التسويات الإقليمية مؤقتة وهشّة، مهما بدت صلبة في ظاهرها.

إن المنطقة تقف أمام مفترق حاسم: إما الانخراط في منطق الحروب المتتالية التي تعيد توزيع الخسائر دون أن تحلّ الصراعات، وإما الشروع في مقاربة شاملة تعترف بحقوق الشعوب، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس، وتضع حداً لسياسات الضمّ والاستيطان بوصفها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

ليست غزة وحدها ساحة نار، ولا إيران وحدها هدفاً عسكرياً، ولا الضفة الغربية هامشاً في معادلة إقليمية كبرى، إنها ساحات متداخلة لصراع واحد تتغير أشكاله ولا يتبدل جوهره، وبين اشتعال الجبهات وتبدّل التحالفات، يبقى معيار الاستقرار الحقيقي مرتبطاً بمدى القدرة على الانتقال من منطق القوة إلى منطق الحق؛ فالنار، مهما اتسعت، لا تصنع نظاماً عادلاً، ولا تؤسس سلاماً دائماً.

زر الذهاب إلى الأعلى