مخاطر الضمّ وضرورات المواجهة


بقلم: محمد علوش
تشكل القرارات التي أقرّها ما يسمّى بـ “الكابينت” والقاضية بفرض السيطرة وضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية منعطفاً تاريخياً بالغ الخطورة في مسار الصراع العربي –الإسرائيلي، إذ لم تعد المسألة محصورة في توسيع استيطاني تدريجي أو إجراء إداري ذي طابع أمني، بل تحوّلت إلى إعلان سياسي صريح يهدف إلى حسم الصراع من جانب واحد عبر فرض وقائع نهائية على الأرض، ونحن أمام انتقال من إدارة الاحتلال إلى محاولة شرعنته وتكريسه كحالة دائمة، في سياق حرب مفتوحة تشنّ على شعبنا الفلسطيني من خلال التهجير المنهجي، والتوسع الاستيطاني الاستعماري، وتكريس منظومة سيطرة شاملة تسعى إلى تقويض أسس الوجود الوطني الفلسطيني.
إن الضمّ في جوهره ليس مجرد إجراء جغرافي يطال مساحة من الأرض، بل هو فعل سياسي وقانوني يرمي إلى إلغاء الحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني، وضرب مبدأ تقرير المصير، وتقويض المرجعيات التي استندت إليها العملية السياسية طوال العقود الماضية، وهو يشكّل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي، ولميثاق الأمم المتحدة، ولقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2334 الذي يؤكد عدم شرعية الاستيطان ويدين جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير طابع الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، وإن الإصرار على فرض الأمر الواقع يعكس استخفافاً ممنهجاً بالشرعية الدولية، ورهاناً على اختلال موازين القوة وعلى عجز المجتمع الدولي عن الانتقال من دائرة الإدانة اللفظية إلى دائرة الفعل الملزم.
وتستهدف هذه السياسات إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر تفتيت الضفة الغربية إلى جزر معزولة، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى كيانات محاصرة بلا سيادة ولا تواصل جغرافي أو اقتصادي، وهو ما يؤسس لعملية إعادة هندسة شاملة للأرض والإنسان، تخدم مشروعاً استعمارياً إحلالياً يقوم على توسيع المجال الحيوي للمستوطنات مقابل تقليص الحيز الفلسطيني إلى حدوده الدنيا، وبهذا المعنى، فإن الضمّ لا يهدد فقط إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل يسعى إلى تصفية هذه الإمكانية من جذورها، وفرض واقع تمييزي دائم يقوّض الحقوق الوطنية العادلة والمشروعة لشعبنا.
كما أن لهذه القرارات تداعيات تتجاوز الإطار الفلسطيني الداخلي، إذ تنسف الأسس التي قامت عليها التسويات السياسية السابقة، وتضع المنطقة بأسرها أمام احتمالات عدم استقرار أوسع، فسياسة فرض الوقائع بالقوة تغلق أفق الحلول السياسية، وتعمّق مشاعر الإحباط والغضب، وتغذي دوائر التوتر والصراع، ومن هنا، فإن خطورة الضمّ لا تكمن في نتائجه المباشرة فحسب، بل في كونه سابقة سياسية وقانونية تهدد منظومة العلاقات الدولية القائمة على احترام الحدود وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
لقد عبّرت دول عديدة عن رفضها وإدانتها لخطوات الضمّ، واعتبرتها انتهاكاً للقانون الدولي وتقويضاً لفرص السلام والاستقرار، غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن البيانات الدبلوماسية، مهما بلغت حدّتها، تظل محدودة الأثر ما لم تترجم إلى إجراءات عملية، وإن الاكتفاء بالتعبير عن القلق أو الدعوة إلى ضبط النفس لن يردع حكومة تمضي في مشروعها مدفوعة بقناعة أن كلفة سياساتها تبقى منخفضة في ظل غياب المساءلة الحقيقية، ومن ثمّ، فإن المطلوب اليوم هو تدخل دولي فعلي يضع حداً لهذه السياسات، سواء عبر تحرك عاجل في مجلس الأمن الدولي، أو من خلال تبنّي خطوات قانونية واقتصادية تفرض أثماناً واضحة على استمرار الانتهاكات.
وفي المقابل، تفرض المسؤولية الوطنية بلورة خطة فلسطينية شاملة للتحرك الدولي، تقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لا تكتفي بردود الأفعال الآنية، ويتطلب ذلك تفعيل الحضور الفلسطيني في الأمم المتحدة ومؤسساتها، وتسريع المسار القانوني أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية لمساءلة الاحتلال عن جريمة الضمّ وما يرتبط بها من انتهاكات جسيمة، كما يستدعي العمل على بناء شبكة تحالفات دولية صلبة، تنتقل من مستوى التعاطف السياسي إلى مستوى الالتزام العملي، بما في ذلك مراجعة الاتفاقيات الثنائية، وفرض قيود على الأنشطة المرتبطة بالاستيطان والضمّ.
إلى جانب ذلك، يشكّل الدفع نحو اعترافات جديدة بدولة فلسطين، وتعزيز حضورها في المنظمات والهيئات الدولية، ركيزة أساسية في تثبيت الشخصية القانونية للدولة الفلسطينية، وتكريس حقها في السيادة على أرضها المحتلة عام 1967، ولا يقل أهمية عن ذلك تفعيل الدبلوماسية الشعبية والبرلمانية، وتوسيع دوائر التضامن مع الشعب الفلسطيني في مختلف القارات، بما يسهم في خلق رأي عام دولي ضاغط يحدّ من قدرة الاحتلال على الإفلات من المحاسبة.
غير أن أي تحرك خارجي يظل رهناً بمتانة الجبهة الداخلية، فالوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام، وصياغة برنامج سياسي جامع يعزز الصمود الشعبي، تمثل شروطاً أساسية لتحويل الموقف الفلسطيني إلى قوة فاعلة على الساحة الدولية، فمعركة الضمّ ليست معركة حدود فحسب، بل معركة إرادة وصمود ورواية، تتطلب تضافر الجهد الرسمي والشعبي في إطار رؤية وطنية موحّدة.
إننا أمام تحدٍّ تاريخي يفرض الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، ومن الاكتفاء بالتحذير إلى صياغة استراتيجية متكاملة للمواجهة، فالضمّ ليس قدراً محتوماً، بل سياسة يمكن إفشالها بإرادة وطنية صلبة، وتحرك دولي منظم، ونضال شعبي وسياسي وقانوني متواصل يستند إلى عدالة القضية الفلسطينية وإلى مبادئ الشرعية الدولية التي تؤكد بطلان ضمّ الأراضي بالقوة وضرورة إنهاء الاحتلال، وفي هذه اللحظة المفصلية، يبقى الرهان على وعي شعبنا، ووحدة قواه، وقدرته على تحويل الخطر إلى فرصة لإعادة تموضع القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الدولي، دفاعاً عن حقه المشروع في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.