أقلام وآراء

المراوغة الإسرائيلية والدبلوماسية الأميركية

 

بقلم: عائدة عم علي

يطرح تطبيق خطة ترامب للسلام تساؤلا حول إذا ما ارادت “إسرائيل” أن تكون جزءاً من سلام تتغير فيه قواعد اللعبة، أم تُفضل البقاء فوق العملية لا داخلها خاصة وان اجابته

متعلقة بمواقف نتنياهو وممارسات حكومته الفاشية في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، ولا سيما بعد مؤتمري نيويورك وشرم لشيخ وموافقة مجلس الأمن على خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام وزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، فحكومة الاحتلال لا تتصرف بوصفها طرفاً منخرطاً في العملية السياسية التي تُحاول واشنطن رسمها للمنطقة. فبينما تندفع الإدارة الأميركية نحو هندسة مسار تفاوضي جديد، تتحرك تل أبيب خارجه، وتتعامل مع الخطة بوصفها إطاراً لإدارة الأمن، لا مدخلاً لتسوية سياسية شاملة.

ما نشهده على الأرض يؤكد ان نتنياهو يتستر بزعم دعم للخطة الأميركية في جانب بعيد عن الالتزام بتسوية بعيدة المدى بقدر ما شكّل قبولاً بترتيبات انتقالية تخدم الأولويات الإسرائيلية. فنتنياهو مجرم الحرب قاتل الأبرياء يتمسك بثوابت: لا دولة فلسطينية، لا سيادة، لا دور للسلطة الفلسطينية، مع احتفاظ إسرائيل بحق شن عمليات عسكرية على الدوام بحجة الاعتقاد أن أمنها مهدد، فرغم الهدنة المعلنة، ما انفكت دولة الاحتلال الصهيوني من تنفيذ ضربات داخل قطاع، ما جعل الخطة أقرب إلى إدارة هدنة هشّة منها إلى مسار انتقال سياسي منظم. وهذا يشي بأن نتنياهو لا يدفع فعلياً نحو مرحلتها الثانية، بل نحو إنهاك حماس إلى مستوى لا تختفي معه كلياً، لاستخدامها ذريعة لمعاودة سياساته كما كانت قبل 7 أكتوبر 2023

وهنا تتشابه في كثير من النقاط عما يجري في لبنان، إذ تعتمد المقاومة محاولة الاحتفاظ بالسلاح والتمكين بالدور السياسي. غير أن المشهد اللبناني يتمايز بتردد الدولة بشأن مستقبل السلاح يقابله نشددً إسرائيلي يتُرجم بضربات في الجنوب والبقاع والضاحية، مع تهديد تل أبيب أن أي خرق للتهدئة سيواجه بالقوة. وبينما تعمل واشنطن على ترسيم حدود آمنة، وفتح مسار سياسي داخلي، تتعامل إسرائيل مع الساحة اللبنانية بوصفها جبهة منفصلة عن الجهد الأميركي، تُدار بالنار لا بالتفاهمات. ورغم إعلان إسرائيل عزمها تقويض المقاومة اللبنانية تماماً، تبقى أكثر تشدداً فقط بشأن خلو الجنوب من وجودها، وأكثر غموضاً تجاه دورها خارجه، في تعارض واضح مع الموقف الأميركي الداعي لمعالجة السلاح على مستوى البلاد.

التباين يبدو أكثر وضوحا في سوريا في ظل الموقف غير المفهوم من الحكم الجديد. فبينما تُحاول واشنطن تثبيت المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد وربط دمشق الجديدة بترتيبات إقليمية مستقرة، تستمر حكومة نتنياهو المتطرفة بمقاربة «الأمن أولاً» عبر التوغل البري، وتكثيف الضربات في الجنوب السوري والجولان وضواحي دمشق وتسعير الفتن، دون استعداد لربط أمنها بمسار سياسي. ورسخت واقعاً يقوم على الحدود الأمنية بدل الحدود السياسية، والسيطرة بالنار واستباق أي ترتيبات أميركية قد تفرض قيوداً عليها أو تُعيد رسم قواعد الاشتباك.

السلوكيات هذه في الساحات الثلاث تُنتج انطباعاً واضحاً: ان إسرائيل تتعامل مع مشروع ترمب ليس بوصفه عملية سلام، بل فرصة لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها، فهي تريد سلاماً بصفر تكلفة، يُنهي قتالاً هنا وهناك لكنه لا يرسم أفقاً سياسياً للفلسطينيين، ولا يعالج مسائل السيادة في لبنان وسوريا، ولا يؤسس لمستقبل انخراطها في المنطقة سياسياً واقتصادياً. وبذلك تتحول من شريك ضمن هندسة السلام إلى «مستفيد مشروط»، أو حتى «طرف معطل محتمل» كلما اتضح لها أن واشنطن تسعى إلى تسوية أوسع من حدود مصالحها الأمنية.

مشروع ترامب يواجه معضلة جوهرية: فنجاح الخطة الأممية في غزة لا يقتصر على نزع سلاح المقاومة وإدارة المرحلة الانتقالية، بل أيضاً ضبط السلوك الإسرائيلي الذي قد يُعيد خلط الأوراق. فمرحلة ما بعد الحرب تبدو أقرب إلى نموذج «لا حرب ولا سلام»: وقف هش لإطلاق النار تقابله ضربات محدودة وقوة دولية منشغلة بإطفاء الحرائق بدل إدارة انتقال سياسي فعلي. وفي لبنان، يستحيل أي اتفاق طويل الأمد على الحدود من دون تحديد الدور الإسرائيلي ضمن المعادلة الإقليمية. أما في سوريا، فسيظل أي جهد أميركي لإعادة البناء هشّاً ما دام ما تريده إسرائيل محصوراً بمقاربة «الأمن بالضربة الاستباقية».

المرجح أن يستمر نتنياهو في اللعب على خطّين: ترك واشنطن تُدير المسار الدبلوماسي بما يخدم مصالحها، والإبقاء على سياسة القوة لضبط بيئة إسرائيل الحدودية، الأمر المعطل للمسار الأول. وعلى المدى المتوسط، ستضطر إدارة ترمب إلى الاختيار بين الضغط الفعلي على إسرائيل لربط الأمن بمسار سياسي فلسطيني-إقليمي واضح، أو القبول بتفسير نتنياهو للسلام باعتباره «ترتيباً أمنيّاً طويل الأمد بلا أفق سياسي». الأول يُعيد تعريف الدور الأميركي في المنطقة، والثاني يبقيه في إدارة أزمة دائمة، لا في صناعة سلام دائم.

أن البيئة الإقليمية التي تعيشها المنطقة لم تعد أفضل لـ “إسرائيل” كما تروّج بل صارت أكثر صعوبة وتعقيداً وازدادت غموضاً وضبابية، ولم تعد الآفاق واضحة الملامح بل

مشوّشة ومضطربة، والسبب الأول في ذلك انّ “إسرائيل” لم تستطع ان تحسم ايّ من معاركها مع قوى المقاومة ,ولن تستطيع ان تحسم صراعها معها في المستقبل في حين انّ

المنظومات التي ارتكزت اليها “إسرائيل” منذ نشأتها وشبكات الأمان الأولى تعيش اضطراباً وتخلخلات بنيوية ان في النظام الدولي او الحضارة الغربية. وهذا أعطى هوامش لمنافسيها

من أصدقاء أميركا وزاد من نفوذهم على حساب ما تمنّت هي وارادت من محورية نفوذ في الإقليم. فتارة قد ترى “إسرائيل” نفسها أنها أنجزت عسكرياً فتفرح، وطوراً ترى نفسها أنها

تراجعت في الميزان الكلي للصراع وبالمكانة وازداد مستقبلها قتامة فتنقبض. لذلك نرى كيف تضطرب تقديرات نخبها حين الحديث عن المستقبل اذ جلّهم يرونها تتراجع في قدرتها على المناورة ويزداد المستقبل بالنسبة لها غموضاً.

تحليل المشهد يظهر أنّ التصعيد الإسرائيلي ليس تهويل إعلامي، ولا قرار حرب جاهز، فهو مزيج مركب من الضغط السياسي، والتحضير الاستخباري، وبناء خيارات عملياتية قابلة للتنفيذ، وفي المقابل تواصل المقاومة في لبنان ترميم قدراتها وتحسين منظومتها العسكرية بهدوءٍ وحذر مع المحافظة على ردع يمنع “إسرائيل” من الذهاب إلى مواجهة واسعة مضمونة النتائج. قيما تبقى الاحتمالات مفتوحة بين استمرار الضربات المحسوبة والضغط السياسي، واحتمال تنفيذ عملية محدودة،وتظلّ الحرب الشاملة خياراً عالي الكلفة، لكنه غير مستبعد في ضوء التفاعلات الإقليمية والدولية وتعقيدات الجبهة الداخلية في “إسرائيل”.

زر الذهاب إلى الأعلى