أولوية عقد المؤتمر الدولي لحل الدولتين في مكانه وزمانه


بقلم: د. أحمد مجدلاني
تتزايد الضغوط الميدانية التي تمارسها حكومة نتنياهو على القيادة والشعب الفلسطيني، وتتسع معها لغة التهديد والوعيد، لتشمل قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء.
وإذا كان الإعلان عن ما يسمى بعملية «جدعون 2» لاجتياح مدينة غزة يمثّل العنوان الأبرز للقتل والتطهير العرقي والتنصل من مبادرة الأشقاء في مصر وقطر، بعد موافقة حركة حماس عليها وفقاً لمبادرة المبعوث الأمريكي ويتكوف، سواء باتفاق مرحلي أو بصفقة شاملة كما أراد ترامب، فإن ذلك يفضح جوهر الموقف الأمريكي – الإسرائيلي القائم على استمرار الحرب والتهجير القسري لأهالي مدينة غزة جنوباً، نحو مصير مجهول، تمهيداً لمرحلة أخرى من الترحيل خارج القطاع، انسجاماً مع مشاريع توني بلير وجاريد كوشنير الرامية لفصل غزة عن الوطن الفلسطيني، وفرض وصاية دولية عليها، وتحويلها إلى مشروع استثماري عقاري على طريقة ترامب.
وبالتوازي مع بدء عملية التطهير العرقي في القطاع، أطلق كلٌّ من سموتريتش وكاتس من موقعهما في حكومة نتنياهو ووزارة الحرب تهديداتهما، حيث نشر سموتريتش خطته الاستيطانية لفرض ما يسمى بسط السيادة على 82% من مساحة الضفة الغربية، فيما واصل كاتس إطلاق التهديدات ضد السلطة والقيادة الفلسطينية بالتصفية، وهذه التهديدات تقترن بأفعال على الأرض ينفذها جيش الاحتلال وميليشيات المستوطنين، التي تعمل كقوات احتياط بإمرة الجيش، بما يستوجب جلب نتنياهو وغالانت ومعهم قادة التطرف أمام محكمة الجنايات الدولية.
إن الهدف المركزي لهذه السياسات هو تصدير الخوف للقيادة الفلسطينية لردعها عن مواصلة نهجها السياسي، الذي يسحب الذرائع التي يتذرع بها الاحتلال لمواصلة القتل والتدمير والتهجير في قطاع غزة، تحت ذريعة القضاء على حماس ونزع سلاحها وتحرير المحتجزين لديها، وفي الوقت ذاته، يسعى الاحتلال إلى بث الرعب بين المواطنين في الضفة، الذين يواجهون يومياً جرائم القتل ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين على أرواحهم وممتلكاتهم.
وسرعان ما وجدت سياسة تصدير الخوف هذه سنداً أمريكياً، بالإعلان عن سحب التأشيرات من الوفد الفلسطيني برئاسة الرئيس محمود عباس المتوجه إلى نيويورك للمشاركة في المؤتمر الدولي لحل الدولتين يوم 22 من الشهر الجاري، ومن ثم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الثمانين، وقد كان من المقرر أن يلقي الرئيس خطابين ينقل فيهما معاناة شعبنا، ويطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لوقف جريمة العصر وتأمين الحماية الدولية لشعبنا.
إن رسالتنا واضحة: رسالة سلام قائمة على تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، لإنقاذ حل الدولتين باعتباره الحل الأمثل المتوافق عليه دولياً لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، وهذا الخطاب السياسي الواقعي والعقلاني، الذي يجد صداه في العالم، يعمّق عزلة إسرائيل والولايات المتحدة، ويدفعهما لاتخاذ خطوات هستيرية لوقف مسيرة التاريخ.
والأولوية بالنسبة لنا كفلسطينيين، مهما عظمت التضحيات والضغوط، هي عدم الانجرار إلى ردود أفعال تبعدنا عن الهدف الرئيسي، وهو تأكيد الإرادة الدولية، بقيادة المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية، لعقد المؤتمر الدولي لحل الدولتين في موعده ومكانه، وإفشال محاولات أعداء الحرية والسلام الرامية إلى إطالة أمد الاحتلال وتأبيده، أو تعطيل المؤتمر كما جرى في حزيران الماضي عقب الحرب على إيران.
إن انعقاد المؤتمر بحد ذاته مكسب سياسي ووطني، وضرورة ملحّة لا يشترط الحضور الوجاهي للرئيس، إذ يمكن الاكتفاء بخطاب مسجل يعبّر عن الموقف الفلسطيني، ويعيد التأكيد على اعتماد إعلان نيويورك الصادر في المؤتمر الوزاري أواخر تموز الماضي كخارطة طريق لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أن الحصول على اعترافات جديدة بدولة فلسطين من الدول التي أعلنت عزمها على الاعتراف خلال المؤتمر الدولي يعدّ مكسباً إضافياً يعزز مكانة فلسطين في الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، ويقربها من نيل العضوية الكاملة في المنظمة الدولية.
الكلمة الأساس اليوم هي: الصمود وتحمّل الصعاب، وتفويت الفرصة على من يسعى إلى حرف بوصلتنا عن أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال، فهذا هو الطريق الذي سلكه نلسون مانديلا، والذي قطعنا فيه خطوات أساسية نحو النصر.
نضال الشعب