تصريحات المرشد و محاولة توظيف الدم الفلسطيني في لعبة المصالح

بقلم: د.فريد اسماعيل
رغم دخول الشهر التاسع للحرب العدوانية الصهيونية على شعبنا، يعقد الكثيرون الآمال بأن ينتج هذا الشهر ولادة النهاية لهذه الحرب الوحشية. لكن، ومع ذكرى الإمام الخميني، يبشرنا المرشد علي خامنئي بأن الولادة لن تتم بقوله أن العالم كان بحاجة لعملية السابع من أكتوبر والحرب لن تنتهي، مشيرا إلى أنها افشلت مشروعا أمريكيا غربيا لتغيير المعادلة في المنطقة، ووجهت ضربة قاصمة لإسرائيل وستؤدي إلى زوالها، ناصحا الجميع بألا يعقدوا الآمال على اتفاق وقف إطلاق للنار في غزة وعدم تمني حل المشكلة الفلسطينية من خلال محادثات السلام.
لكن، لماذا اختار المرشد الخامنئي هذا التوقيت لإطلاق تصريحات أثارت جدلا واسعا، واستدعت ردا واضحا ومباشرا من القيادة الفلسطينية. وهل تحولت إيران إلى وكيل شرعي وحصري يحدد للشعب الفلسطيني خياراته وحتى تمنياته في اختيار سبل الحل وتقرير مصيره!! لماذا تزامنت تصريحاته مع انعقاد اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وطرح الاوروبيين لمشروع قرار يدعو ايران الى التراجع عن حظرها للمفتشين ، وتقديم تفسير لاكتشاف اليورانيوم في موقعين غير معلنين مع التلويح بعقوبات جديدة، كما تتزامن مع طرح الرئيس بايدن مقترحات للتبادل والتهدئة في غزة ضمن خطة من ثلاث مراحل، دافعين في نفس الوقت بوزير خارجيتهم بالوكالة لزيارة بيروت ودمشق للقاء الحلفاء.
الربط بين توقيت المرشد لتصريحاته وهذه التطورات يصبح واضحا اذا ما فهمنا طبيعة النظام في ايران وطموحاته في المنطقة. وقد كنا قد أشرنا في العدد ٨٢ من مجلة نضال الشعب الصادر في ٨-٤-٢٠٢٤ ضمن مقال ” إيران.. استراتيجية التمدد وبراغماتية المصالح” إلى براعة منظومة الحسابات الإيرانية على اللعب في المنطقة الرمادية بين العقيدة والبراغماتية. وبذلك، تأتي تصريحات خامنئي في جزء منها ضمن أيديولوجية شعارها دعم المستضعفين كمسوغ للتدخل في شؤون البلدان الأخرى، وفي هذه الحالة بالتحديد فلسطين كأحد العوامل الذي من شأنه أن يعزز من نفوذها ومكانتها الإقليمية.
أما تزامن تصريحات خامنئي والتطورات المتعلقة باجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، فإنما تأتي في سياق متشابك يتعلق بالسياسة الإيرانية الخارجية وبرنامجها النووي. فقد كانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا قد تقدموا بمشروع قرار ضد إيران قبيل اجتماع الوكالة ، ترافق مع دعوة الوكالة الدولية إيران لإظهار تعاون أكبر بشأن برنامجها النووي، بعد أن أعلن المدير العام للوكالة رافائيل غروسي عن أسفه لعدم تحقيق أي تقدم بشأن تنفيذ الإجراءات التي نص عليها البيان المشترك الذي وقعته الوكالة مع هيئة الطاقة الذرية الايرانية، بل وزادت مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة كبيرة. هذا المشروع البريطاني الفرنسي الألماني دفع إيران إلى إطلاق التهديدات بالتصعيد. فقد هدد علي شمخاني مستشار الخامنئي بأن إيران ستقدم على رد جدي وفعال إزاء أي إجراء محتمل ضدها. ومع اصرار الدول الثلاث على تقديم مشروع القرار ، تدخل خامنئي بشكل مباشر على خط التصعيد من بوابة غزة مبشرا بأن الحرب لن تنتهي، وبأن عملية السابع من أكتوبر ستؤدي إلى زوال اسرائيل، موجها رسالة غير مباشرة للغرب بأن لإيران أذرع وايادي وأسنان، وتمتلك الكثير من الأوراق المؤثرة في المنطقة، وتستطيع التأثير على الديناميات الإقليمية والدولية.
كذلك تدرك إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية الشريك الفعلي لدولة الاحتلال في حربها العدوانية على شعبنا الفلسطيني، ترغب في تجنب المزيد من الخطوات التصعيدية بما يتعلق بالاتفاق النووي نظرا للحاجة المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة لهذا الاتفاق، مما قد يؤدي إلى استئناف المحادثات بعد كل هذا التوتر، خاصة وأن بعض الأحداث الجيوسياسية الأخرى في العالم مثل الأزمة في أوكرانيا والتحديات الاقتصادية العالمية قد تسهم في تشكيل نتائج المحادثات. وقد تلقفت إيران الإشارة الأمريكية حين تواردت أنباء عن طلب أمريكي من المثلث البريطاني الفرنسي الألماني بعدم التصعيد ضد إيران رغم النفي الأمريكي لهذه المعلومات. فجاء هذا التصعيد في الخطاب الإيراني حول الحرب على غزة لدفع بايدن لممارسة المزيد من الضغط على المثلث الأوروبي وكبح جماحه، وإلا فإن إيران قادرة على إفشال مبادرته ودفع حلفاءها للاستمرار بالحرب . ومن هنا جاءت زيارة وزير خارجية إيران بالوكالة إلى بيروت ومن ثم إلى دمشق لإعادة دوزنة أدوار الاتباع ضمن هذا التجاذب الأمريكي الأوروبي الإيراني. وبالطبع ، وفي لعبة المصالح، لا أحد يقيم اعتبارا لمعاناة أبناء شعبنا ولعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والهائمين على وجوههم تحت سماء الصواريخ الصهيونية الأمريكية، ولا يعدو كونهم، بنظرهم، أكثر من قرابين على طاولة الصراع والتفاوض بين القوى الإقليمية والدولية مهما استخدموا من مفردات وبلاغة لغوية في التباكي على فلسطين وشعبها.
هنا تستحضر الذاكرة تصريحا لأحد قادة طهران قال فيه إن طوفان الأقصى كان ردا على اغتيال قاسم سليماني ما لبثت ايران بعدها أن تبرأت منه . لكن المرشد كان واضحا حين ذكر أن طوفان الأقصى كان الهدف منه قطع الطريق على التسوية، وهذا يعني قطع الطريق على الأمل بولادة دولة فلسطينية. ومن المستغرب أن يتقاطع هذا الموقف مع اليمين الإسرائيلي وجيشه الذي يقضي على البشر والحجر في محاولة للقضاء على الوجود الفلسطيني واسقاط حلم الدولة. فشعبنا اليوم عالق بين مشاريع الممانعة وأحلام الاحتلال.
لذلك كان من الطبيعي أن ترد الرئاسة الفلسطينية على المرشد الإيراني، وأن تعلن أن هدف هذه التصريحات التضحية بالدم الفلسطيني وبآلاف الاطفال والنساء والشيوخ وتدمير الأرض الفلسطينية ، وأن الشعب الفلسطيني الذي يقاتل ويكافح منذ مئة عام ليس بحاجة إلى حروب لا تخدم طموحاته إلى الحرية والاستقلال والحفاظ على القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، ولا نريد سياسات تدمر الشعب الفلسطيني وتهجره من الأرض التي ناضل من أجل الحفاظ على هويتها جيلا بعد جيل.
لقد آن الأوان لبعض القوى الفلسطينية أن تدرك أن تصريحات المرشد ليست سوى محاولة لتوظيف الدم الفلسطيني في لعبة المصالح، وعليها أن تتخلى عن دورها الوظيفي، وتأخذ موقعها الطبيعي في إطار المشروع الوطني الفلسطيني، إنقاذا لشعبنا والتزاما بأحلامه وأهدافه الوطنية. فشعبنا ليس حطبا في مواقد القوى الإقليمية والدولية.
نضال الشعب