بات من الصعب ضبط عقارب الثقة بين اللبنانيين والسلطة الحاكمة حيث يتضح العقم في إيجاد حلول للأزمات نتيجة وباء الفساد المستشري في كل القطاعات، وإذ يطل الكورونا على لبنان تزامنا مع تخفيض الوكالات الدولية تصنيفه الائتماني وصولاً إلى الدرجة ما قبل الأخيرة لإعلان الإفلاس وقبل استحقاق “اليوروبوند” في التاسع من مارس/ آذار المقبل وقيمته 1.2 مليار دولار والذي لم تحسم الحكومة الجديدة أمرها بشأن سداده أو عدمه حتى الساعة.
وإذا كان من خلية شكلت من أجل كورونا، فإن خلايا عملت على إيجاد حلول للمأزق الاقتصادي والمالي طيلة الأسبوع الماضي.
كورونا الذي أثار تساؤلات كثيرة في الشارع اللبناني بشأن الطائرة الإيرانية التي حملت على متنها الإصابة الأولى إلى لبنان وانتقادات حول السماح لركابها بالعبور إلى حرم المطار وبعدها إلى منازلهم قبل التأكد من عدم إصابة المرأة المشتبه بها بالكورونا فعليا، وضمان عدم انتقال العدوى لهم ولأقاربهم وبالتالي للبنانيين، وامتناع السلطات اللبنانية عن تعليق الرحلات مع الدول التي يتفشى فيها الوباء ومنها إيران.
وفي حين أن أخطر ما يهدد الأمن الصحي في لبنان اليوم هو تزامن كورونا مع أزمة اقتصادية تعيشها البلاد كان من أبرز ضحاياها القطاع الصحي الذي يعاني منذ فترة طويلة في نقص مستلزماته الطبية ما يجعله عاجزا عن مجابهة مثل هذا الوباء فإن الهلع الذي سجله المواطنون في الساعات الأولى بعد الاعلان عن أول إصابة في مشفى رفيق الحريري لم يبدده سوى كمامة دخلت أسواق الاحتكار السوداء ليتيقن المواطن مرة جديدة أن مرض الفساد في الدولة هو علة العلل والأخطر من كل الأمراض.
المشهد اللبناني ما بين الكورونا واستحقاقات الديون الخارجية التي تأخذ منحى إعادة الهيكلة وإعادة الجدولة كواقع لا بد منه في ظل التعثر المالي.
القرار بشأن تلك الديون وصفه وزير المالية بالمصيري إذ إنه يضع برأيه البلد على خط اليمين أو على خط اليسار، وانّ الاختيار أمام لبنان فيما خص تلك السندات هو بين السيئ والأسوأ وبين المرّ والأكثر مرارة.
صندوق النقد الدولي في اجتماعاته مع المسؤولين في لبنان خلص في اجتماعه الأخير مع حاكم مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف إلى أنّ أي مسّ بالودائع لخدمة الدين العام يخالف جميع المعايير، إذ لم يحدث ذلك في أي بلد عانى المصاعب المالية، وأن المصارف في رسملتها سوف تعتمد على مساهميها وعلى مساهمين جدد وربما من المودعين، لكن يبقى الهم الأساسي أمام القطاع المصرفي هو الحفاظ على أموال المودعين كبيرة أو صغيرة وإذا كانت السحوبات والتحاويل متعذّرة فيجب أن تبقى مؤقتة ويعمل على تحرير الودائع قبل سعر الصرف.
الاجتماع شدد على أن الحلول تأتي من فوق، أي من موازنة الدولة وإدارة القطاع العام وتثبيت الإرادة بإحلال الأمن والنظام لعودة الاقتصاد وإقرار الإصلاحات وتطبيقها بجدية لمخاطبة العالم من خلال مؤتمر سيدر (الذي عقد في باريس العام الماضي) وصندوق النقد وفي غياب الرؤية الشاملة الكاملة لن يكون ممكنا الاستفادة من المؤسسات الدولية.
خلاصة القول إن القرار حسب أي جهة دولية هو قرار لبناني أولا، والمعالجة تنطلق من عند اللبنانيين، وهذا ما يفسر كلام مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا منذ أيام حين قالت: إنّ الحكومة اللبنانية بحاجة إلى أن تنظر عن كثب وجدياً إلى ما يمكنها القيام به للإصلاح الاقتصادي، “وذلك استجابة لمطالب الشعب اللبناني وليس لنا (صندوق النقد)”.
وأمام الوعود التي يطلقها المسؤولون من أجل معالجة الأزمات وليس كورونا إلا واحدا منها يبدو تعثر المواطن في منح الثقة لهم أصعب بكثير من تعثره في الحصول على الكمامة.
———
* صحافية لبنانية