مستقبل سوريا يحدده الشعب السوري


محمد علوش
أما وقد وصلت الأمور في سوريا الى ما وصلت إليه، فإننا نقف الى جانب الشعب السوري الشقيق وحقه في تقرير مصيره ترسيخ حقوقه الوطنية الثابتة وبناء بلده على الأسس التي يراها، لا كما يراها أي أحد سواه.
وإن مستقبل سوريا لا يحدده إلا الشعب السوري نفسه، ونحن على ثقة أن هذا البلد العريق بشعبه العريق قادر على مواجهة كافة التحديات وتخطي الصعاب والوقائع الجديدة التي خلقتها الأزمة وتفاعلاتها على كافة المستويات، ونرى أن تحديد هوية سوريا الجديدة والحفاظ على تاريخها وموقفها المتقدم في خارطة الفعل السياسي الإقليمي أمر في غاية الأهمية ويجب تعزيز هذا الموقف والبناء عليه لترسيخ المكانة التي تستحقها، وضرورة اجتياز المرحلة الانتقالية التي ستعيشها سوريا بعد أن سقط نظام الحكم فيها، وهذا ما يدعونا للتأكيد أنه وإن سقط “النظام” فإن سوريا لم ولن تسقط أبداً، وستمضي نحو ترسيخ مكانتها وبما يلبي أحلام وتطلعات كافة السوريين التواقين الى الحرية والديمقراطية.
الأمل أن تبقى سوريا موحدة وأن يحافظ السوريون على بلدهم موحداً وعنيداً في مواجهة أي محاولة للتمزيق والتقسيم، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية والسيادة الوطنية والدولة كمنجز يحمي هوية سوريا ويعزز من ثقة الشعب السوري بالتغيير وبناء الديمقراطية السياسية والاجتماعية وإرساء دعائم الحرية والعدالة الاجتماعية.
ما تشهده سوريا، يعد تغيّراً تاريخياً، حيث تطوّرت الأحداث بشكل متسارع في بلد كان دائماً ذو أهمية كبيرة في الجغرافيا السياسية على مستوى المنطقة، وما حدث كان مفاجئة من العيار الثقيل، مع ديناميّة التسارع هذه، التي بدأت في حلب ووصلت إلى قلب العاصمة والإعلان عن تفكيك النظام ومغادرة الرئيس وعائلته الأراضي السورية.
هذه المحطة الفاصلة في حياة الشعب السوري، تؤكد ما نحذر منه دائماً أن الشعوب العربية تواجه تحدياً وجودياً مشتركاً وهو نفوذ القوى الاسلاموية المرتبطة بمشاريع دولية وإقليمية وبشكل أساسي مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الأطماع لدول إقليمية أخرى لها أجندات تستهدف البلدان العربية المختلفة وفي المقدمة منها سوريا، لذلك يأتي غياب القوى السياسية الديمقراطية والتقدمية التي وقعت عليها آمال كبرى في التغيير وضمان المستقبل المنشود الذي يتطلع اليه الشعب السوري وشعوبنا العربية الأخرى.
ولا يمكن تحقيق الحل السياسي للأزمة التي مرت وتمر بها سوريا عبر انتظار الحلول من الخارج، بل بالعمل الجاد في هذه اللحظة التاريخية من أجل توحيد الصفوف وتوحيد الجهود الوطنية السورية المخلصة في اطار قوى المعارضة الوطنية بالبحث عن سبل وخيارات ومعالجات وطنية وعقلانية تضع مصلحة الشعب السوري بكافة فئاته وشرائحه ومكوناته فوق كل اعتبار، وتعزيز الإرادة الشعبية يرفض الخضوع والخنوع للإملاءات الخارجية التي تمليها القوى الاستعمارية بكافة اتجاهاتها في اطار مساعيها للنيل من وحدة سوريا والعبث بسيادتها الوطنية على الأرض السورية وتمزيق الوطن وتكريس الانتماءات المذهبية والطائفية والاثنية التي يراد منها تذويب الهوية الوطنية السورية.
في ظل هذه الأحداث وما سترتب عليها من تطورت ووقائع جديدة، يجب ايجاد تكثيف الجهود المشتركة من قبل كافة أطراف الحركة الوطنية والسياسية السورية لتعميق مبادئ وأسس الحل السياسي الشامل للأزمة السورية المتفاقمة والمتواصلة منذ عدة سنوات والتي وصلت الى ذروتها بالسيطرة الكاملة على الأراضي السورية وعلى مؤسسات الدولة ورحيل رأس النظام، وما نود التأكيد عليه هو الشراكة الوطنية الكاملة بالمساهمة الفعلية والفاعلة في إسقاط ما يتعلق بمخططات التقسيم ونهب المقدرات السورية، وفرض المشاريع التي لا تعبر عن إرادة السوريين ، وبما يحفظ وحدة الأراضي السورية ووحدة القرار الوطني السوري المستقل والدولة الوطنية السورية.
نأمل أن لا تنال التطورات المتسارعة من وحدة وصلابة السوريين، ونحن على ثقة كبيرة بقدرتهم وبالإرادة الوطنية الشاملة التي يعبرون عنها بقدرتهم على حماية المقدرات والمنجزات السورية وتحقيق السلام والاستقرار في سوريا وتهيئة الظروف والمناخات الايجابية التي تعزز من امكانية المصالحة الوطنية وتعزيز الحل السياسي والسلمي للأزمة التي أصابت سوريا.
كل ما نتطلع اليه أن يحافظ السوريون على مستقبلهم السياسي وأن يعمل الجميع من أجل مصلحة سوريا ووحدتها الوطنية والسياسية والجغرافية، وافشال المخططات التقسيمية التي تستهدف تمزيق وتقسيم سوريا خدمة للأطماع المعلنة من أطراف عديدة وخاصة من قبل إسرائيل وما يطرحه نتنياهو بخصوص ما يسمى الشرق الأوسط الجديد.
نحن على قناعة أن الديمقراطية لا تحقق عبر الانقلابات العسكرية والعمليات الإرهابية ومن خلال المرتزقة من الجنسيات المختلفة الذين ارتبطت مصالحهم بمشروع تآمري ضد سوريا وضد المنطقة عموماً، وأمام اللحظات التاريخية المقلقة التي ينبغي التحرك العاجل لمعالجة الأزمة السورية ومنع الانهيار الذي لا يخدم سوريا ومستقبل المنطقة.
المنطقة مقبلة على متغيرات كبرى في ظل تسارع واتساع الأحداث التي تصنعها دوائر الإمبريالية لتصفية القضية الفلسطينية وإعادة رسم معالم منطقتنا الجيوسياسية، حيث تدفع الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية والإقليمية لتمزيق وتفتيت منطقتنا في إطار مخططات إعادة تشكيل ما يسمى الشرق الأوسط الجديد – أو الكبير، بأدوات تصنعها الإدارة الامريكية خدمة لأطماعها الاستعمارية القديمة والجديدة، وسوريا اليوم في قلب العاصفة والمنطقة عموماً يتهددها الخطر، وعلينا حماية بلداننا وشعوبنا من المخاطر الماثلة ومن التحديات المصيرية التي بدأت تتكشف .