أقلام وآراء

حماس واليوم التالي لغزة

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

انتهي مؤتمر شرم الشيخ للسلام، الذي كان اقرب لتظاهرة دولية لتقديم الاعتراف والعرفان للرئيس ترامب على نجاحه بوقف الحرب على قطاع غزة، واعتبار ما جاء في خطته ذات النقاط العشرين جدول اعمال السلام في المنطقة الذي سيجلب الأمن والاستقرار والاستثمار في غزة، والأمل بتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية مع الدول العربية التي امتنعت عن التطبيع واقامة علاقات مع اسرائيل خلال الفترة الماضية اعتقادا من ترامب ان وقف حرب غزة من شانه ان يعيد هذا المسار الذي توقف قبل حرب غزة بكثير، والأهم ان حرب غزة كانت تستوجب قراءة دقيقة وشاملة لماذا تفجرت واقدمت حماس على ما قامت به في السابع من اكتوبر ما دام الاعتقاد السائد ان الاتفاقيات البراهيمي ستجلب الأمن والسلام للمنطقة بدون حل القضية الفلسطينية، بمعنى أكثر دقة إن السلام الإقليمي لا يمكن ان يتحقق مالم ينال الشعب الفلسطيني حقه بتقرير المصير واقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 والقدس الشرقية عاصمة لها طبقا لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، نعتقد ان هذا الاستنتاج مازال غائبا أو مغيبا عن الفهم والأدراك لدى إدارة الرئيس ترامب، وما زال وهم صنع  سلام إقليمي بدون حل القضية الفلسطينية طبقا للأسس والمشار اليها هو السائد .

نعم انتهت الاحتفالية الدولية، وخرج ترامب مكلالا بتاج الغار باعتباره صانع سلام في المنطقة، وما ان انفض الاجتماع وعاد المجتمعون كلا الى بلده حتى بدأت تطل جملة من الإشكاليات المتصلة بتطبيق خطة الرئيس ترامب، ومن الذي سيطبقها، وماهي علاقة مجلس السلم الذي سيرأسه شخصيا باللجنة التي ستدير قطاع غزة، وهل هذا المجلس سيحصل على تفويض دولي بقرار من مجلس الأمن يحدد مهامه وصلاحياته ودوره وسقفه الزمني، أم سيكون نموذجا مكررا عن عراق 2003 بعد اجتياح القوات الأمريكية وتعيين بول برايمر حاكما عليه بوصفه وصيا على العراق وشعبه ومقدراته، والعراق لغاية اليوم ما زال يدفع ثمن هذه الوصاية خارج التفويض الدولي.

السؤال الثاني الأساس من سيشكل اللجنة التي ستدير قطاع غزة فعليا أيضا، هل هو مجلس السلم الذي يديره ترامب، وما هي صفته، وحدود صلاحياته، ومن يموله، وما علاقته بالأمن بغزة وبالقوات الدولية والعربية اليت ستدخل غزة وما دور الأمن الفلسطيني، وهل سيتشكل جسما اداريا جديدا بديلا أو موازيا للمؤسسات الرسمية للحكومة الفلسطينية الشرعية، وما علاقة هذا الجسم بالحكومة الشرعية، وكيف سيكون الرابط بها لضمان الوحدة السياسية والجغرافية والقانونية للأراض الفلسطينية، كذلك ضمان وحدة الشعب والنظام السياسي تحت مظلة دولة فلسطين المعترف بها من قبل 160 دولة ولها مركز قانوني في الأمم المتحدة كدولة مراقب وتحظى بامتيازات إضافية.

الحالة العائمة وبدون تحديد ووضوح تنبئ وبدون ادنى شك بانها وصفة لفصل غزة عن الضفة والقدس الشرقية، ما دام الحديث مركزا على وقف الحرب والسلام في قطاع غزة ، دون ذكر الحرب الدائرة بالضفة الغربية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي وميلشياته المسلحة المنتشرة في سائر انحاء الضفة، علاوة على استمرار الحصار والأغلاق، ومصادرة اموال دافع الضرائب الفلسطيني، لانهاك السلطة الوطنية وشل قدراتها على القيام بمسؤولياتها وواجباتها تجاه شعبها وتقويضها تمهيدا لضم الضفة تدريجيا، واختصار الحل السياسي بكيان ما بقطاع غزة .

ويمكننا ان نسجل في ضوء هذه القراءة الاستنتاجات التالية التي ستشكل بالنسبة لنا ليست مخاوف مشروعة بل ومهام نضالية جديدة انطلاقا من الحفاظ على وحدة الرض والشعب والولاية السياسية والجغرافية والقانونية والسياسية لدولة فلسطين باعتباره دولة ممثلة لكل الشعب الفلسطيني.

_ مشروع ريفيرا الشرق الأوسط الذي يقع في صلبه الاستيلاء على قطاع غزة ما زال هو المحرك لوقف الحرب في غزة، ليشهد المرحلة الأولى من انطلاقته بدون اي تفويض أممي او رابط مع السلطة الشرعية الفلسطينية.

_ الضوء الأخضر الأمريكي وبالتأكيد بالتنسيق مع نتنياهو لحماس ان تتولى الأمن ولو مؤقتا كما قيل بالمناطق التي انسحب عنها جيش الاحتلال الإسرائيلي يؤكد صحة شكوكنا المشروعة بخطة فصل قطاع غزة عن سائر الأرض الفلسطينية.

_ إعادة سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بعد تجريدها من سلاحها الذي يهدد امن اسرائيل، مع إعادة تأهيلها لتلعب دور الشرطي بقطاع غزة، بدون أي افق سياسي ووحدة الأرض والشعب والدولة المستقلة، هو الخيار الأقل كلفة استراتيجيا لنتنياهو واليمين المتطرف بإسرائيل بما يشكله من ضمانه لمشروع ترامب كوتشنير بلير الاستثماري في قطاع غزة.

_ عودة السلطة لغزة تعبير عن وحدة الأرض والشعب، والنظام السياسي الفلسطيني، وبالتالي العودة لخيار حل الدولتين المتفق عليه دوليا الذي يرفضه كلا من نتنياهو وترامب، وإعادة تسليم حماس للسلطة بغزة يحقق كل الأهداف المرجوة، بما في ذلك العودة للاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع مع إسرائيل.

_ ما قامت به حركة حماس من عمليات إعدام غير قانونية وانتهاك لحقوق المواطنين، وتصفيات لخصومها من العائلات والعشائر الغزية، بما في ذلك رسائل الإرهاب للقوى السياسية، هي أوراق اعتماد لإسرائيل وترامب بأنها قادرة على فرض النظام بالقوة وقمع أي محاولة للاعتراض على مشروعهم.

_ المطالبة بسحب سلاح حماس وخروجها من المشهد السياسي، ولا مشاركة لها بالحكم في قطاع غزة توقف الحديث عنه تماما من قبل صاحب المبادرة، او الوسطاء والضامنين الذي يبدوا أن بعضهم ممن يشجع هذا الخيار لتصفية الحساب مع القيادة الفلسطينية ولو كان الثمن تبديد القضية ومستقبل الشعب الفلسطيني.

_ على حركة حماس أن تعلن موقفها بوضوح وصراحة هل هي مع هذا المشروع ومنخرطه فيه، وتراجعت عن تعهداتها ووافقت على خطة ترامب بدون تحفظ، بما في ذلك تسليم سلاحها والتخلي عن الحكم والغياب عن المشهد السياسي، وخروج ممن يرغب من قيادتها من القطاع.

هذا علاوة عن اتصالات العديد من قيادتها بأعضاء من القيادة الفلسطينية والرغبة بإنهاء الانقسام والموافقة على شروط الرئيس محمود عباس.

الوقائع تقول غير ذلك، فموجة القمع القتل والاعتقالات لإعادة سلطة الأمر الواقع تذكرنا بالأيام السوداء التي مر بها قطاع غزة بعد انقلاب2007، ملحقة بتعيينات لموظفين في مواقع مختلفة بما فيها سلطة المعابر والتجارة، والسؤال هل من ثقة بعد بأقوال قادة حماس أم بأفعالهم، والأهم وقبل كل شيء هل قيادة حركة حماس منخرطة فعليا بهذا المخطط الذي عنوانه ولا عنوان سواه عودتها كسلطة امر واقع تحت المظلة الإسرائيلية الأمريكية، على حماس ان تجيب عليه علنيا وتوقف حربها على الشعب الفلسطيني الذي دفع ثمن مغامراتها وارتباطاتها الإقليمية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى