جرحى فلسطين حكايات إنسانية تفوق الارقام


بقلم: حسني شيلو
يبدو واقع الفلسطيني وحياته في ظل هذا العدوان وحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي مجرد أرقام إحصائية، بلا معنى أو ذات قيمة، وفي كل مناسبة وطنية تتداعى التقارير الصحفية وجهاز الاحصاء المركزي لإصدار بيانات صماء تعد وتحصي الاعداد سواء للشهداء أو الجرحى أو الأسرى وغيرهم من ضحايا الفاشية الجديدة التي تدمر وما زالت كافة مقومات حياة الفلسطينيين، فيما تختفي رويدا رويدا انسنه الضحايا ومعاناة هؤلاء وجودهم البشري، وكأن حياة الفلسطيني وحقوقه واماله وتطلعاته خارج سياق المنظومة العالمية.
نقول ذلك في ظلال احياء يوم الجريح الفلسطيني الذي يحل هذا العام والذي سبقه، ونحن نعيش في نكبة كبرى لم يسبق ان وصلت أعداد الشهداء والجرحى الى هذا العدد وما يرافق ذلك من معاناة يومية وخصوصا للجرحى من أطفال ونساء وشيوخ وشباب، ويتفاقم ذلك مع الحرمان من أبسط حقوقهم في العلاج وحتى حبة دواء لم تعد موجودة لتخفيف آلامهم واوجاعهم.
مع كل قذيفة تطلقها دبابة، أو صاروخ طائرة حربية، وبما في ذلك استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا ضد المدنيين الأبرياء تتضخم الإحصائيات وتفيض بالشهداء والجرحى، واصابات مختلفة تعكس فظاعة الأسلحة المستخدمة ضد الفلسطينيين والمحرمة دوليًّا، إذ تتسبب تلك القذائف ببتر الأطراف، أو تعطيل السمع والبصر، على مرأى من العالم بأسره، ولكنه لا يحرك ساكنًا، وهو يعلم علم اليقين أن المجتمع الصهيوني يتجه نحو الفاشية، وكراهية تزداد مع زيادة عسكرة التعليم داخل المجتمع الصهيوني، ودور فتاوى الحاخامات التي تحرض على قتل وإبادة الأغيار (كل ما هو غير يهودي).
في قطاع غزة اليوم الاف الجرحى مبتوري الأطراف، يحتاجون إلى أطراف صناعية، ودعم نفسي ولوجستي، فهؤلاء قدموا أرواحهم واجسادهم رخيصة للدفاع عن الأرض والعرض، ومازالوا يقدمون ما لديهم في شتى مجالات الحياة حسب قدراتهم، فيما يبقى السؤال الوطني والأخلاقي الملح، ماذا نحن صانعون لهم؟.
ويمثل الجرحى الشاهد الحي على بشاعة الاحتلال وانتهاكاته لكل الشرائع والقوانين الدولية باستخدامه القوة المفرطة والأسلحة المحرمة بحق أبناء شعبنا الفلسطيني الذي خاض نضالا تحريرا مثيرا للإعجاب والفخر في كل ساحات المواجهة عبر مسيرته النضالية، والتي خلفت مئات آلاف الجرحى.
لقد تعرض بعض الجرحى للإصابة أكثر من مرة، منهم من ارتقى شهيدًا أو يصارع الألم من جديد؛ وبعضهم وقع في الأسر لتتضاعف المعاناة؛ فهناك في السجون والمعتقلات الإسرائيلية المئات من الجرحى الذين يعانون آثار وجود الرصاص والشظايا وتداعياتها في أجسادهم، في ظل سياسة الإهمال الطبي المتعمد بحق الأسرى التي تنتهجها إدارات سجون الاحتلال.
من جانب آخر يسطر الجرحى نموذجًا فريدا من التحدي والنضال، فقدوا أعضاء من أجسادهم لكنهم لم يفقدوا حبهم وعشقهم للوطن وللكرامة والموت فداءً لفلسطين، سيرهم ممتدة على مستوى محافظات الوطن، تسطّر حكاية ثبات تعجز الأقلام عن كتابة فصولها، ودروس عظيمة من التضحيات الجسام التي تنهدت أمام عظمتها الجبال.
ورغم الألم ما زال الجرحى رمزًا للعطاء، عنوانًا لحب الوطن وصدق الانتماء، رغم الجراح ما زالوا يقدمون التضحيات تلو التضحيات، يساهمون بكل طاقتهم وإمكانياتهم من أجل بناء هذا الوطن والانتصار لحقوق شعبنا وثوابته الراسخة بالحق وللعيش بكرامة وعدالة، الجرحى الأبطال والثوار الذين لا يسكنون، امتزجت دماؤهم وأشلاؤهم بدماء وأشلاء الشهداء، وتخضبت أرض الوطن بدمهم الطاهر لتنبت الأرض مجدا وحرية وانتصار ومن حقهم وواجب على مؤسساتنا ان يحظوا بحياة كريمة دون ألم ومعاناة.