رصاص الاحتلال الطائش.. معاناة غزة التي لا تنتهي


تقرير – فاطمة الدغمة – للعام الثالث على التوالي، لم تضع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أوزارها بعد؛ حيث استُشهد وأُصيب عشرات الآلاف، ودُمِّر نحو 70% من البنية التحتية والمباني، في حين يستمر القصف والرصاص رغم التفاهمات والإعلانات المتكررة عن اتفاقات لوقف إطلاق النار.
واحدة من أكثر الظواهر ترويعاً للمواطنين في القطاع وزيادةً لمعاناتهم، هي “الرصاص الطائش” والعشوائي الذي يطلقه جنود الاحتلال من أماكن تمركزهم داخل القطاع؛ إذ ارتقى عشرات الشهداء في عدة مناطق بسبب إطلاق النار العشوائي، الذي يمارسه الجنود في كثير من الأحيان بداعي التسلية والسخرية، وهو ما وثقوه بأنفسهم عبر مقاطع فيديو ينشرونها على منصات التواصل الاجتماعي.
ورغم المناشدات المستمرة التي يوجهها أهالي القطاع عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لمطالبة العالم بتوفير الحماية لهم، إلا أن الانتهاكات لا تزال مستمرة دون رادع، حيث لم يتبقى مكاناً آمنا يتحصنون فيه.
باي ذنب قتلوا؟
الشاب جمعة قرموط (22 عاماً)، نزح من بيته الذي دمره الاحتلال إلى مخيم يؤوي آلاف النازحين في مدينة جباليا البلد شمال القطاع، قبل أن تنهي حياته رصاصة طائشة أصابته في الرقبة.
وتقول والدته، إن نجلها كان يتصفح صوراً لوالده وشقيقه الذين استُشهدا في بداية العدوان، ولم يرتكب أي سلوك يدعو لقتله أو استهدافه.
وفي خان يونس جنوب القطاع، كانت المواطنة ابتسام أبو سعود (50 عاماً)، النازحة في منطقة “أصداء”، تعد الطعام والخبز لعائلتها، لكن رصاصة اخترقت ظهرها وأنهت حياتها قبل أن تكتمل تحضير السفرة، لتترك عائلتها في حالة من الصدمة والخوف المستمر، حيث لم تعد أي منطقة تُصنف كـ “آمنة”.
أما الطفل داوود مقاط (4 سنوات)، فبينما كان يلعب أمام خيمة عائلته في منطقة النفق بمدينة غزة، باغتته رصاصة في رأسه الصغير نُقل على إثرها إلى غرفة العناية المركزة بمجمع الشفاء الطبي، حيث يخوض محاولة للبقاء على قيد الحياة وسط بكاء والدته التي تتساءل عن الذنب الذي اقترفه طفلها ليواجه هذا المصير.
الصحة: إصابات وشهداء يومياً ومناشدات دون استجابة
من جهته، أكد محمد ابو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، ان الطواقم الطبية تواصل استقبال أعداد مستمرة من الشهداء والإصابات الناجمة عن استهدافات جيش الاحتلال الإسرائيلي بالرصاص العشوائي، لا سيما في المناطق المحاذية لـ “المنطقة الصفراء” كجباليا، والشيخ رضوان، والمغازي، إضافة إلى مناطق وسط وداخل مدينة غزة.
وأوضح، أبو سلمية أن غياب الأمان يلاحق المواطنين حتى في المناطق المعلنة كـ “مناطق خضراء” أو آمنة، لكون معظم النازحين يقطنون في خيام قماشية لا تفيهم من الأعيرة النارية الطائشة التي تُطلق بكثافة خلال ساعات الليل.
وأشار إلى أن هذه الاستهدافات أسفرت عن حالات استشهاد وإصابات حرجة للغاية، شملت حالات شلل كامل وبتر في الأطراف.
وفيما يتعلق بالتواصل الدولي، أكد أبو سلمية أن المنظومة الصحية تواصل مخاطبة ورصد البلاغات لشتى الهيئات والأجهزة الدولية وفي مقدمتها الصليب الأحمر الدولي، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسيف، وأطباء بلا حدود، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، غير أن هذه الاتصالات لم تثمر عن ضغط دولي فاعل لإلزام الاحتلال بوقف استهداف المدنيين.
وشدد على أن الكوادر الطبية تجاهد للتعامل مع هذا التدفق اليومي للحالات الحرجة وفق أدنى الإمكانيات المتاحة، مع البقاء في حالة جاهزية استثنائية لمواجهة أي تطورات أو طوارئ ميدانية.
لا مكان آمن في القطاع
المعاناة تتكرر يومياً دون توقف، كما حدث مع الشاب أحمد يحيى عرنوس، البالغ من العمر “20 عاماً”، الذي استشهد جراء إصابته بطلقات نارية عشوائية أطلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي باتجاه خيام النازحين في سواحل جنوب قطاع غزة.
يقول والد الشاب أحمد، إن ابنه كان يتواجد داخل خيمة عائلته في منطقة “الأكواخ” بمواصي رفح، قبل أن تباغته رصاصة طائشة اخترقت رأسه في ساعة متأخرة من الليل، مما أدى إلى إصابته بجراح بالغة الخطورة وتدهور حالته الصحية إلى أن ارتقى شهيداً.
وتُبرز حادثة استشهاد الشاب أحمد المخاطر المتزايدة التي تلاحق النازحين في المناطق التي يُعلن عنها أنها “آمنة”، حيث يحول الرصاص العشوائي والقصف المستمر حياة الآلاف إلى خطر دائم حتى داخل خيامهم.
خوف وذعر دائم بين المواطنين
تجسد حالة المواطنة عائشة عبد الله، وهي أم لخمسة أطفال استُشهد زوجها ووالدتها وأشقاؤها، حالة الرعب اليومي التي يعيشها النازحون.
تقيم عائشة في مخيم “حلاوة” بمدينة جباليا، وهو من أكبر المخيمات التي تضم نازحين فقدوا بيوتهم أو تقع منازلهم في “المناطق الحمراء/الصفراء” التي يتواجد فيها جيش الاحتلال.
تقول عائشة: “لا ليلي ليل ولا نهاري نهار، أموت في الدقيقة الواحدة ألف مرة خوفاً على أبنائي من الرصاص. يومياً في الصباح الباكر وفي المساء، تطلق الآليات والمرابض المتركزة على جبل الريس شرق جباليا النار بشكل عشوائي نحو المخيم، وقد وجدت عدة مرات رصاصاً ساقطاً داخل خيمتي.. إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وإلى أين نذهب؟”.
توصيف حقوقي: “جرائم حرب ومخطط تهجير”
تعقيباً على هذه الظاهرة، اكد عمار دويك، المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أن هذا السلوك ليس مجرد إطلاق نار عشوائي أو حوادث فردية، بل هو عمل مقصود ومخطط له.
واوضح دويك: “حتى إن لم يكن هناك هدف محدد للإصابة، فإن الهدف العام هو إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وترويع المدنيين، وخلق بيئة مستدامة من الخوف وعدم الأمان؛ وذلك للاستمرار في الضغط عليهم ودفعهم في النهاية للنزوح والتهجير لتوسيع مساحة سيطرة الاحتلال”.
وشدد على، أن هذا النمط من إطلاق النار يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، لأنه يستهدف مدنيين عزل خارج أي إطار للضرورة العسكرية، مشيراً إلى أن ثقافة الاستهانة بحياة الفلسطينيين وتجريدهم من إنسانيتهم هي التي جعلت عمليات القتل والترويع سلوكاً يومياً روتينياً.
وقال دويك، نحن على تواصل مستمر مع الجهات الدولية المعنية، لا سيما المقررين الخواص، ولجنة التحقيق المستقلة والمستمرة التابعة لمجلس حقوق الإنسان الدولي.”
رغم المناشدات اليومية التي يتم توجيهها للمجتمع الدولي ولأصحاب القرار وللإدارة الامريكية التي تزعم سريان وقف إطلاق نار بغزة الا ان معاناة المواطنين في القطاع مستمرة، فهناك يومياً تُسجل إصابات ويُضاف اعداد جديدة من الشهداء إلى قائمة ضحايا الرصاص العشوائي، حيث ارتقى خلال إعدادي للتقرير حوالي 3 شهداء وعدة إصابات جراء الرصاص العشوائي الذي لا ولن يتوقف في ظل عدم وجود ضغط دولي قوي وجاد على الاحتلال للكف عن اعتداءاته بحق شعب اعزل لا يمتلك أية مقومات للسلامة والامن بعد ان سحقت الحرب حياته بالكامل.