أقلام وآراء

قراءة في “صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”

أحمد عرّام

بعد تفكك الأسطورة الاتحاد السوفيتي عام 1991، لتنتهي معه واحدة من أطول الحروب البشرية وأكثرها رعباً. بدأت التكهنات حول سياسة العالم الجديد وعلى راسها طرح صامويل هنتنغتون نموذجاً سياسياً مختلفاً، أحدث ضجة واسعة. ما هو هذا النموذج؟ ولماذا أحدث ضجة واسعة؟
في العام 1993 ظهرت أطروحة صراع الحضارات في مقالة صاغها البروفسور الأمريكي صامويل هنتنغتون، اثارت جدلاً واسعاً في أوساط منظري السياسات الدولية
فقد رأى هنتنغتون ان الصراعات بعد الحرب الباردة لن تكون صراعات سياسية واقتصادية بين الدول القومية كما ادعى المنظرون، ولكنها ستكون صراعات ثقافية على اعتبار أن الثقافة ستكون محركاً رئيسياً خلال السنوات القادمة .
وفي العام 1996 توسع هنتنغتون في طرحه فالف كتاب صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي حيث تحدث فيه ان النزاع في السابق كان ايديولوجياً بين الشيوعية والرأسمالية، وان النزاع القادم سيتخذ شكلاً مختلفاً وسوف يكون نزاعاً بين حضارات محتملة ستقسم الى سبع او ثماني حضارات فما هي هذه الحضارات وعلى أي أساس صنفها هنتنغتون؟
حضارة الصين وفيتنام وكوريا،الحضارة الهندوسية ،الحضارة اليابانية، الحضارة الإسلامية الحضارة الغربية الحضارة الأرثوذكسية “روسيا”،حضارة أمريكيا اللاتينية،و الحضارة الافريقية،بهذا الحضارات الثمانية قسم هنتنغتون العالم وقد طور هذا النموذج الجديد، ليخلق فهماً جديداً للنظام العالمي ما بعد الحرب الباردة، ويسد فجوات النماذج الأخرى، وقد وضح ان وجود ثقافات عالمية واحدة لا يساعد في إيجاد وصف او تفسير للنظام السياسي العالمي، فيرى هنتنغتون ان التأثير الثقافي بات مرتبطاً بين الحضارات حيث أن الحضارات الغربية باتت تؤثر وتتأثر بغيرها من الحضارات الأصغر حجماً، والاقل قوة وان زيادة تطور وسائل التواصل بين المجتمعات والثقافات جعلها أكثر تشابهاً وكان هذا مساهماً في استبدال السياسة بالدين، فمع الطفرات الجديدة التي شهدها العالم في ممارسة الدين والالتزام به،
يؤكد هنتنغتون على أهمية ودور الدين في السياسة العالمية حيث يراه عاملاً مجتمعياً، نجح في ملء الفراغ الذي سببته الايدولوجية السياسية، في ظل حاجة الناس لمصادر جديدة للهوية والمبادئ الأخلاقية، التي تزودهم بالمعنى والهدف، كما يزعم هنتنغتون أن المجتمعات الإسلامية على عكس المجتمعات الاسيوية أكدت هويتها الثقافية عبد تأكيد الدين وإعادة احيائه وهذا يتجسد في رفضها الثقافة الغربية والحداثة والعودة للالتزام بالإسلام الاصولي، بالإضافة الى ارجاعه سبب ظهور الإسلام السياسية في المجتمع لفشل اقتصادات الدولة، ونسب الشباب العالية فيها والحكم الاستبدادي.
وفي ظل تصاعد الحضارات الأخرى مقابل الحضارة الغربية، يتحدث هنتنغتون عن تلاشي النفوذ الغربي مع استعراضه لنموذجين من الاّراء المتضاربة
1- يدعي احتكار الغرب للقوة العسكرية والبحوث العلمية والتطوير بالإضافة الى القوة الاقتصادية.
2- يرى ان مسألة القوة نسبية وأن تأثير الدول الغربية اّخذ في التراجع، ويتبنى هنتنغتون من وجهات النظر هذا النموذج. مع وصفه للتراجع الغربي البطيء وعدم تمثيله لتهديد على القوى العالمية، رغماً عن ذلك فان هنتنغتون يرجح إمكانية وقوع صدام حضارات عالمي لا سيما مع عداء الصين ودول اّسيا لامريكا والغرب، كما يرى ان هذه الصدام سيشدد أكثر بسبب اصطفاف الحضارة الإسلامية الى جانب الصينية، وما يشعر به الاسيويون من فخر ثقافي، نظراً للنجاحات الاقتصادية التي تشهداها دولهم وتاريخهم العريق.
لقد واجه هنتنغتون اتهامات بالعنصرية وكراهية الأجانب بسبب دفاعه عن رأي يقول “إن الولايات المتحدة هي الأمة الوحيدة ذات الثقافة الأنجلوسكسونية والبروتستانتيةكما اعتبرت عدة انتقادات له أن نظرية صراع الحضارات “أساس نظري لشرعنة عدوان الغرب بقيادة الولايات المتحدة على الصين والعالم الإسلامي”.
ختاماً، يرى هنتنغتون في صدام الحضارات ان النظام العالمي خلال الحرب الباردة مكن الدول من تعريف نفسها فإما تكون منحازة أو غير منحازة اما بعد الحرب الباردة، فلم تعد هذه الدول قادرة على ان تصنف ذاتها بسهولة ولهذا دخلت في ازمة هوية ومن أجل التغلب على أزمتها بدأت الالتفاف حول الثقافات التي تحمل الأصول واللغة والدين ذاته، لتتشكل بذلك منظمات إقليمية تعكس هذه التحالفات مثل الاتحاد الأوروبي ودول جنوب شرق اسيا.

عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

 

زر الذهاب إلى الأعلى