هدنة فوق رماد المنطقة


بقلم: د. أحمد مجدلاني
دخل اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ، وسط أجواء يلفّها الحذر والشك، وفي ظل تبادل الاتهامات بشأن الخروق الميدانية والانتهاكات المتواصلة، فمنذ اللحظات الأولى، بدا واضحاً أن هذا الاتفاق لا يستند إلى تسوية سياسية راسخة، بقدر ما يقوم على هدنة مؤقتة فرضتها ضرورات اللحظة الإقليمية والدولية، أكثر مما فرضتها إرادة حقيقية لمعالجة جذور الصراع وأسبابه العميقة.
ومن أبرز الدلالات السياسية لهذا التطور أن مرجعية التفاوض في الحالة اللبنانية بقيت الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، بوصفها الجهة الوطنية المخوّلة إدارة الشأن السيادي والتفاوض باسم البلاد، وهو ما يعكس أهمية الحفاظ على دور الدولة باعتبارها الإطار الجامع والمرجعية القانونية والسياسية العليا، فحين تكون الدولة حاضرة، يكون الموقف الوطني أكثر تماسكاً، وتكون القدرة على حماية المصالح الوطنية أكثر رسوخاً.
وفي المقابل، فإن التجارب التي تتجاوز المرجعيات الوطنية الجامعة، أو تحاول احتكار القرار السياسي والتفاوضي خارج الأطر الشرعية، لا تفضي إلا إلى مزيد من الانقسام والإرباك وإضعاف الموقف الوطني، وقد عانت الساحة الفلسطينية من هذا الخلل حين جرى التعامل مع ملفات مصيرية بمنطق الفصيل لا بمنطق الكل الوطني، كما فعلت حركة حماس عندما فاوضت لنفسها وبنفسها، متجاوزة المرجعية الوطنية الجامعة، وبعيداً عن منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية السياسية لنضاله الوطني، وإن تغييب المؤسسة الوطنية الجامعة عن قضايا الحرب والتهدئة والتفاوض ألحق ضرراً بالغاً بالمصلحة الفلسطينية، وفتح الباب أمام تكريس الانقسام وتشتيت القرار الوطني المستقل.
إن أي قراءة متأنية لهذا الاتفاق تكشف أنه أقرب إلى وقف هشّ لإطلاق النار منه إلى مسار استقرار دائم، فالنصوص الفضفاضة، والعبارات الملتبسة، وترك القضايا الجوهرية من دون حسم، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات والانتهاكات، تجعل الاتفاق قائمًا على توازن قلق يمكن أن ينهار عند أول اختبار جدي، وما يزيد المشهد تعقيداً هو الإصرار الإسرائيلي الدائم على استخدام ذريعة “الدفاع عن النفس”، وهي العبارة التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى غطاء سياسي وعسكري لجرائم الاحتلال وعدوانه المستمر في فلسطين ولبنان وسائر المنطقة.
لقد أثبتت التجربة أن “إسرائيل” لا تنظر إلى أي اتفاق إلا بوصفه أداة تكتيكية لإعادة ترتيب أولوياتها، أو فرصة لالتقاط الأنفاس، أو وسيلة لتحسين شروطها السياسية والعسكرية، ولذلك، فإن التعامل مع هذا الاتفاق يجب أن يكون بوعي كامل لطبيعة المشروع الإسرائيلي القائم على العدوان والتوسع وإنكار الحقوق الوطنية للشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
وفي السياق الأوسع، لا يمكن فصل وقف إطلاق النار في لبنان عن حركة التفاوض الأمريكية الإيرانية الجارية في خلفيات المشهد الإقليمي، فالمنطقة تشهد إعادة تموضع سياسياً متسارعاً، تسعى فيه واشنطن إلى تخفيف بؤر التوتر، وضبط إيقاع الصراعات، وتهيئة المناخ لترتيبات جديدة تخدم مصالحها الاستراتيجية، كما تسعى الإدارة الأمريكية إلى توظيف هذه التهدئة الجزئية في ملفات متعددة، من بينها الملف النووي الإيراني، وأمن الطاقة، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
أما إيران، فهي تدير بدورها تفاوضاً مركباً يوازن بين مصالحها الوطنية، وحضورها الإقليمي، وضغوط العقوبات، والتحديات الاقتصادية الداخلية، ومن هنا، يصبح لبنان إحدى ساحات التأثير المتبادل بين واشنطن وطهران، حيث تتقاطع الرسائل السياسية مع الحسابات الأمنية، ويستخدم الاستقرار المؤقت أحياناً كورقة تفاوض أكثر منه هدفاً قائماً بذاته.
لكن السؤال الأهم، في خضم هذه التحولات، يبقى: أين تقف القضية الفلسطينية؟
للأسف، تحاول قوى دولية وإقليمية عديدة دفع القضية الفلسطينية إلى الهامش، أو التعامل معها كملف إنساني قابل للإدارة، لا كقضية تحرر وطني لشعب يرزح تحت الاحتلال، وتطرح مشاريع التسوية المتجزأة، وتعاد إنتاج أوهام “السلام الاقتصادي”، فيما تتواصل حرب الإبادة والاستيطان والتهجير والحصار، وترتكب أبشع الجرائم بحق شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية وفي القلب منها العاصمة المحتلة القدس.
إن ما يجري في لبنان، وما يجري في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وما يجري في الإقليم عموماً، يؤكد حقيقة واحدة، أن لا استقرار حقيقياً في المنطقة من دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، قائم على إنهاء الاحتلال وتجسيد حقوق شعبنا الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا الوطنية اليوم تفرض علينا، أكثر من أي وقت مضى، إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج كفاحي جامع، تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية السياسية الجامعة لنضاله الوطني، بما يضمن تعزيز دورها، وتفعيل مؤسساتها، وصون مكانتها التمثيلية على المستويات كافة، فالعالم يعيد رسم خرائط المصالح، ومن لا يملك وحدته وإرادته ومشروعه الوطني المستقل سيترك خارج المعادلة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، بما تمثله من شرعية تاريخية ووطنية، تبقى الإطار القادر على توحيد الطاقات الفلسطينية وصون القرار الوطني المستقل في مواجهة مشاريع التصفية والإلحاق.
إن وقف إطلاق النار في لبنان قد يخفف، مؤقتاً، منسوب النار، لكنه لا يطفئ أسبابها، وما دام الاحتلال قائماً، وما دامت “إسرائيل” فوق القانون الدولي، وما دامت الحقوق الفلسطينية مؤجلة أو مستهدفة، فإن المنطقة ستبقى رهينة الانفجار المتكرر.
القضية الفلسطينية ليست تفصيلاً في مشهد إقليمي متغير، بل هي جوهر الصراع ومفتاح السلام، وكل محاولات تجاوزها أو الالتفاف عليها لن تنتج إلا مزيداً من الأزمات وانعدام الاستقرار، ومن هنا، سيبقى نضال شعبنا، بقيادة ممثله الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية، ومعه أحرار الأمة والعالم، هو البوصلة التي تهدي إلى المستقبل العادل الممكن.
نضال الشعب