أقلام وآراء

المشاريع الصهيونية الكبرى لا تواجه في الأزقة الضيقة

 

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

مع مواصلة رئيس وزراء الكيان رسم معالم شرق اوسطه الجديد، يحرك بيادقه وكأنه أمام قطعة شطرنج مساحتها أحلام الصهيونية بإسرائيل الكبرى. يطور خططه مستفيدا من الفرص التي تعطى له من قبل الطرف المقابل ويستغلها أقبح استغلال، مدعوما بشريك أمريكي يغير قواعد اللعبة كما يشاء ويفرضها كونه صاحب القوة التي لا تقهر، عملا بمقولة “الحق للقوة” لذلك، مخطئ كل من يعتقد أن لوحة الشطرنج الصهيونية تنحصر في قطاع غزة أو الضفة، وإنما مساحتها كل المنطقة الواقعة بين المستطيلين الأزرقين على علم كيانهم.  ولذلك أيضأ، فإن الأهداف الصهيونية وما تقوم به دولة الاحتلال على الجغرافيا الفلسطينية واللبنانية والسورية يستهدف الأمن القومي للعديد من دول العرب، ويستهدف بشكل مباشر وجود بعضها.

لكن من أغرب العجائب أن يعتقد طرف فلسطيني أن مصلحته أهم من إفساح المجال للقيادة الشرعية ولمنظمة التحرير الفلسطينية صاحبة الولاية القانونية وللدول العربية الشقيقة، لمواجهة هذه المخاطر الداهمة وإنقاذ ما تبقى من قطاع غزة في إطار الخطة العربية لإعادة الإعمار ومنع تهجير أهلنا منه. وإذا كان ذلك الطرف يعتبر أن مجرد موافقة الإدارة الأمريكية على اجتماع ممثلين لها معه عشية انعقاد مؤتمر القمة العربية الاستثنائية إنجازا، يعرف حق المعرفة أنه يوجه طعنة في خاصرة الموقف العربي الجامع وخطة الإنقاذ العربية ويعزز القناعة الصهيونية الأمريكية بإمكانية الاستمرار في تمزيق الموقف الفلسطيني واللعب على واقع الانقسام، ما يمنحهم فرصة جديدة ووقتا إضافيا لاستكمال تحقيق أحلامهم التاريخية.

فمنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة واعتراف العالم بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا لشعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات، لم يحصل أن حاول فصيل فلسطيني بذاته أن يجري مفاوضات تتعلق بأي من جوانب القضية الفلسطينية مع أي طرف إقليمي أو دولي، لإدراكه أولا بأنه طرف غير ذي صفة، وثانيا لعلمه أن في ذلك ضربا لوحدانية التمثيل وطعنا للإنجاز التاريخي المتمثل بالاعتراف الدولي والعالمي بالحق الفلسطيني وممثله القانوني والشرعي، وثالثا ليقينه أن هكذا خطوة تمثل قفزة في الفراغ تؤذي مشروعنا الوطني، ومردودها في المحصلة لصالح دولة الاحتلال. وقد فشلت خلال العقود السابقة كل محاولات بعض الأطراف والأنظمة القفز على منظمة التحرير الفلسطينية وإيجاد البدائل أو احتواءها والسيطرة على قرارها الوطني المستقل.

من يعتقد أن اجتماعه مع مبعوث الرئيس الأمريكي يمثل اعترافا به وبدوره فهو واهم. فليس لدى الرئيس ترامب عقدة الاجتماع مع أحد طالما يخدم ذلك المخططات والمصالح الأمريكية أو الأمريكية الإسرائيلية المشتركة. ولذلك فالإدارة الأمريكية تخرج عن كل ما كان مألوفا، تجتمع مع الروس كما مع الأوكران ، وتعمل على التفاوض مع ايران، فالغاية لديهم تبرر الوسيلة.

ومنذ ايام، كشف آدم بوهلر مبعوث الرئيس الأمريكي لشؤون الرهائن أن حركة حماس عرضت خلال محادثات مباشرة مع واشنطن مقترحا لاتفاق شامل وجدته واشنطن ليس سيئا واستنادا إلى المصدر، قدمت خلاله حماس العروض السخية أبرزها استعدادها نزع سلاحها في تناقض كامل مع ما كان صرح به القيادي أسامة حمدان من على منصة التضليل “الجزيرة” أن سلاح المقاومة خارج النقاش في أي مفاوضات تتعلق بوقف الحرب في قطاع غزة. وخارج النقاش تعني أنه غير خاضع للمساومة، إلا أن ما كان مرفوضا تقديمه كورقة قوية للعرب والقيادة الفلسطينية مباحا للأمريكان، عسى ان يقتنع السيد الأمريكي ويرضى اليوم بوجودها، وغدا ربما بديلا عن المنظمة.

يبحثون في الزواريب والأزقة الضيقة عن وسيلة للبقاء في القطاع. ولا ضير لديهم في القفز على المشروع العربي وتصعيد الانقسام طالما أن هذا الزقاق يحمل الهوية الأمريكية. والحقيقة أن الأمريكي يفاوضهم على الرهائن وليس على الدور. انها طريق الأوهام والابتعاد عن الواقع، ذات الطريق التي ساهمت في النكبات وتدمير القطاع وكل ما وصلنا اليه في فلسطين والمنطقة.

يبحثون في الزقاق الضيق، بينما تتوسع دولة الاحتلال في الفضاء العربي الواسع وتتمدد على مربعات الشطرنج لتشمل مساحات واسعة من لبنان وسوريا ولا تنوي التوقف. ففي لبنان، وبعد أن تمكنت إسرائيل وبمساندة حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية فرض وقائع جديدة على الأرض، تحاول اليوم دفع لبنان إلى مفاوضات مباشرة تفضي إلى اتفاق وتطبيع.  وهي تماطل في مسألة الانسحاب من خمس مواقع في الجنوب اللبناني تعتبرها استراتيجية ومهمة للحفاظ على أمن مستوطناتها في الشمال.  ولذلك تقوم بمحاولة وضعها ضمن قائمة الثلاثة عشر نقطة الغير متوافق عليها ضمن الخط الأزرق الذي تم ترسيمه بعد حرب العام ٢٠٠٦، وبذلك لا تنسحب منها إلا في إطار مفاوضات مباشرة يتم خلالها ترسيم الحدود البرية وبالتالي اتفاق كامل، بينما يسعى لبنان إلى إلزام إسرائيل الانسحاب من المواقع الخمس تطبيقا للقرار ١٧٠١ كما الانسحاب من باقي النقاط التزاما باتفاق الهدنة عام ١٩٤٩. وهذا هو الاختبار الأصعب للبنان وقدرته على الصمود في وجه العواصف الإسرائيلية الأمريكية العاتية.

كذلك في سوريا. فدولة الاحتلال تستثمر في الظروف والفرص المؤاتية ليس حماية للأقليات كما تدعي، وإنما محاولة لتحقيق حلم تاريخي صهيوني قديم وهو ممر داود الممتد من الساحل الفلسطيني عبر الجولان ودرعا والسويداء ليشمل الخط الشرقي من سوريا مرورا بشرق حمص ودير الزور والحسكة قاطعا شمال شرق سوريا ونهر الفرات وصولا إلى الشمال العراقي.  ولذلك عمدت إسرائيل إلى نسج العلاقات مع جهات كردية وأخرى درزية بغض النظر عن حجم القوى المتعاونة، وحملت راية زائفة عنوانها الدفاع عن الأقليات.  لكن حقيقة الأمر أن مناطق هذه الاقليات تقع في صلب ممر داود. وإذا ما ربطنا هذا المشروع بالمشروع الصهيوني جنوبا وهو مشروع قناة بن غوريون، تكتمل الصورة لتصبح لوحة الشطرنج “إسرائيل الكبرى “.

 

لا تبحثوا في الأزقة الضيقة، فبإمكان الأمريكيين والإسرائيليين إغلاقها بلحظة واحدة.  اما المشاريع الصهيونية الاستراتيجية الكبرى والمدعومة أمريكيا، فمواجهتها تحتاج إلى جبهة فلسطينية عربية دولية موحدة.  فما كان الرئيس الأمريكي ليتراجع خطوة إلى الوراء لولا الموقف الجامع والخطة العربية لإعادة إعمار غزة والتي تحظى بدعم دولي والتي شكلت فرصة حقيقية للمواجهة الفاعلة. إنها خطوة أولى، ومسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى