أقلام وآراء

توقفت المعركة فهل انتهت الحرب؟

 

توقفت المعركة فهل انتهت الحرب؟ ولصالح مَن انحسار النفوذ الأمريكي؟!

 بقلم: خليل حمد

لا شك أن أي اختبار حقيقي للأسلحة يتم في ميدان المعركة، ذلك أن تجريب السلاح ودراسة نتائجه لا تكون لناحية فعاليته العسكرية التدميرية فقط، بل أيضاً تأثيره على العدو وقدرته على تحقيق خسائر غير مباشرة. بهذا المعنى فإن الولايات المتحدة الأمريكية أو “إسرائيل” لم تكونا بحاجة إلى شن حرب على إيران إلا لاختبار تأثير هذه الحرب بمفهومها العام على قدرة طهران على الصمود. بالمقابل اختبرت إيران ما كانت تريده من خلال هذه المعركة.

ومما لا شك فيه أنه في اللحظة التي توقفت عندها الحرب، ولو بشكل مؤقت، لم تعد القوى التي دخلت المعركة بنفس أحجامها التي كانت عليها سابقاً. تموضع كل فريق في مكان جديد فرضته معادلات القوة والتأثير. هذا التوزيع الجديد للقوة يشكل جزءاً من تغيير أوسع على نطاق العالم وليس المنطقة فحسب، ولهذا فإن التسليم به سيكون أمراً صعباً ومعقداً، خصوصاً بالنسبة للقوى التي خسرت نفوذاً أو تراجعاً في القدرة، أو لم تطابق حسابات حقلها على حسابات بيدرها. أحد أدلة رفض التعاطي مع مواقع القوى الجديدة هو وصول المفاوضات في باكستان بين الأمريكي والإيراني إلى طريق مسدود. كل طرف يرفع سقوفه، مستفيداً من الوقت المستقطع قبل أن تستقر القوى في مواضعها الجديدة وتصبح أمراً واقعاً، سواء تقدمت تلك القوى في المكانة أم تراجعت.

عدم التسليم بالنتائج الجديدة يقتضي في أحد احتمالاته أن تتجدد المواجهة في وقتٍ ما، وبشكلٍ ما، وعليه فإن المعركة التي بدأتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران لمَّا تنتهِ بعد، وتوقفها المؤقت لا يعني بشكل من الأشكال أن هذه الجولة ستغلق أبوابها على النتائج الحالية.

مضيق هرمز لا يزال نقطة إشكالية، ودليلاً على الجهة التي تقلص نفوذها في المنطقة وخسرت اختباراتها. فالمضيق الذي كان مفتوحاً للجميع قبل الحرب أصبح فتحه مشروطاً بالنسبة لإيران ومرتبطاً برسوم تريد طهران فرضها على السفن المارَّة.

في المقابل، ترى واشنطن وتل أبيب أن هناك فرصة لفصل إيران عن محيطها الإقليمي، بعد أن تزعزعت ولو قليلاً العلاقات مع دول الجوار بفعل القصف الإيراني للقواعد والمنشآت الأمريكية في دول الخليج العربي. نقطة التباين المتعلقة بوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان تدلل بوضوح على أن واشنطن تريد فصل الملفَّين، وكأن الولايات المتحدة و”إسرائيل” بدأتا الحربَ منفصلتين، وليس كتحالف أو سيد وأداة بمعنى أدق. تعتبر تل أبيب نفسها خارج تفاصيل شروط المفاوضات فيما يتعلق بالعدوان على لبنان، وهي بهذا إما تُحرج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو تنفِّذ الأجندة المتفق عليها سابقاً.

إحراج إدارة ترامب احتمال وارد، خصوصاً في ظل الضعف غير المبرر الذي يبديه ساكن البيت الأبيض تجاه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، والذي تجسد في أوضح صوره من خلال بدء الحرب على إيران دون أي مصلحة أمريكية مباشرة وفقاً للرأي العام الأمريكي الداخلي، والعالمي أيضاً. وهذا الإحراج قد يقود إلى إرباك ملف المفاوضات برمته في ظل إصرار طهران على أن تشمل الشروط المسبقة للمفاوضات موضوع وقف العدوان على دول المنطقة جميعها، أي لبنان.

الاحتمال الآخر هو أن نتنياهو ينفذ أجندة واضحة متفق عليها مسبقاً، كحيلة للخروج من الحرب العبثية بخسائر أقل بالنسبة لواشنطن وتل أبيب. إخراج إيران من سياقها الإقليمي وارتباطاتها في المنطقة عن طريق تحقيق أعلى مستوى للضغط على النظام والشعب في إيران، ومن ثم التلويح بتحقيق شروط مهمة لصالح فك ارتباطات إيران الإقليمية، وبالتالي “تقليم أظافر” إيران وتقليص نفوذها تدريجياً. ربما لا يخفى هذا الأمر على طهران، لكن المعرفة بالحقائق لا تعني بالضرورة القدرة على التغلب عليها، فخيارات اللحظة تختلف كثيراً عن القدرة على الحفاظ على الاستراتيجية الكبرى. ولنا في اللحظة التي أوصلت واشنطن للتفاوض مع الإيرانيين بعد الحديث عن “إسقاط النظام” أو “محو حضارة بأكملها”، خير وأقرب مثال.

وسواء استُؤنفت المعركة عاجلاً أم آجلاً، فإن النفوذ الأمريكي في المنطقة برمتها أصبح في عين العاصفة، فأيام الحرب الأربعون رسخت حقائق كثيرة أبرزها أن تحقيق نصر عسكري ساحق وسريع بالمعنى الذي أرادته واشنطن وتل أبيب ليس ممكناً، وأن الانتصار الناجز في معارك من هذا النوع غير ممكن وغير منطقي، وهذا الأمر لا يعيب إيران التي كان مطلوباً منها أن تصمد وترد، وهذا ما فعلته، بل يعني الطرفَين الآخرَين أكثر، وللمفاجأة بانعكاسات متباينة!

تقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة يعني أن هناك من سيحاول مدَّ نفوذه فيها لتغطية فراغ القوة الحاصل، وقد لا تكون إيران هي المستفيد كما يأمل البعض أو يتوقعون، وربما لا تكون البدائل قوى عظمى كالصين أو روسيا ، أو تركيا التي كان كثيرون يتوقعون أن تبادر هي لتقريب وجهات النظر على أقل تقدير، أو أن تلعب دوراً أوسع في خفض التصعيد. انحسار النفوذ الأمريكي في المنطقة قد يكون لصالح القوة التي لا تزال تعتدي في ظل “التهدئة” المفترضة، أو التي لا تزال تلوح صراحة بأن أهدافها في إيران لم تتحقق بعد، وأعني “إسرائيل”.

ربما تدرك تل أبيب أن واشنطن في ورطة حقيقية، ليس لأن نتنياهو وجماعته استطاعوا تحقيق أهدافهم المعلنة من العدوان، بل لأن الولايات المتحدة هي القوة العظمى التي كان يُفترض بها أن تضرب وتحسم، وربما كان نتنياهو شخصياً هو مَن أراد أن يورِّط ترامب في هذه الحرب بحيث يستفيد في كل الحالات: هزيمة إيران وانهيارها يعني إزاحة قوة كانت تشكل منغصاً لتوسيع “إسرائيل” نفوذها الإقليمي، وانحسار النفوذ الأمريكي يعني فرصة سانحة لتوسيع تل أبيب نفوذها في دول المنطقة التي عانت نتائج الحرب دون أن يكون لها يد فيها، وعلى رأسها دول الخليج العربي.

هذه القراءة لا تعني بأي شكل من الأشكال أن الخطة الإسرائيلية، إذا كانت حقيقة، ستنجح في تحقيق أهدافها، لكنها تعني بكل تأكيد أن معركة الوعي للمصالح والبحث عن الخيارات الذاتية بالنسبة لدول الإقليم، العربية منها تحديداً، أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى، وإدراك أن الخطر الحقيقي المباشر هو الطموحات الإسرائيلية التوسعية، إضافة إلى غياب المشروع العربي المشترك لمواجهة تغيرات القوة في المنطقة والعالم.

في الخلاصة، ومهما تكن مآلات ونتائج المعركة الحالية، فإن الحرب لا تزال مستمرة طالما فلسطين محتلة. والوقت لا يرحم المنتظرين في منطقة تجتاحها العواصف من كل حدب وصوب.

زر الذهاب إلى الأعلى