حين يصبح السلام قضية عدالة


بقلم: محمد علوش
في عالم تتسع فيه الحروب، ويتراجع فيه القانون الدولي أمام منطق القوة، لم يعد السلام بالنسبة لي مجرد كلمة تستعاد في المناسبات، بل سؤالاً عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه: من يضع القواعد؟ ومن يملك القدرة على فرضها أو تجاوزها؟
من هذه الزاوية قرأت كلمة الرفيق والصديق ليو هايشنغ، وزير دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، خلال افتتاح فعاليات اليوم الدولي للسلام في مدينة ووهان بمقاطعة هوبي، وما استوقفني فيها أنها لم تتعامل مع السلام باعتباره غياباً للحرب فقط، بل ربطته بالإنسان والتنمية والسيادة والحوار، أي بالشروط التي تجعل الاستقرار قابلاً للحياة.
المشكلة في النظام الدولي، في تقديري، ليست نقص المواثيق، وإنما الفجوة بين النص والتطبيق، فحين يطبق القانون بمعايير مختلفة، يصبح الحق خاضعاً لموازين القوة، وتتراجع ثقة الشعوب بمنظومة يفترض أن تكون مرجعاً مشتركاً، ولا أستطيع قراءة هذه المسألة باعتبارها نقاشاً نظرياً، فنحن نعرف معنى أن يكون الحق واضحاً في الوثائق، بينما يبقى بعيداً عن الواقع، ولذلك يظل السؤال قائماً: ماذا يبقى من القانون إذا لم يجد إرادة تحميه؟
ولعل أكثر ما لفتني في كلمة ليو هايشنغ وضع الإنسان في مركز الرؤية، فالحروب تقرأ في البيانات بلغة الجغرافيا والمصالح، لكنها تعاش في حياة الناس: بيت يهدم، مدينة تتغير، عائلة تقتلع، ومستقبل يصبح مجهولاً، لذلك لا أفهم الأمن بوصفه مسألة عسكرية فقط، بل قدرة الإنسان على أن يعيش بكرامة وأن يمتلك فرصة حقيقية لبناء مستقبله.
ومن هنا أفهم الربط بين الإنسان والتنمية والسيادة، فالتنمية ليست أرقاماً اقتصادية وحسب، وإنما قدرة على امتلاك المستقبل واتخاذ القرار، ولهذا أرى فرقاً جوهرياً بين التعاون الذي يفتح إمكانات أمام الشعوب، والعلاقة التي تجعل الحاجة مدخلاً للتأثير في خياراتها، أما الحوار الذي أكد عليه ليو هايشنغ، فقيمته أنه يتيح إدارة الاختلاف قبل أن يتحول إلى صدام، لكنه يفقد معناه إذا كان أحد الأطراف يملك وحده شروط التفاوض ونتائجه، وهذا يقود إلى السؤال الأوسع: كيف يمكن إدارة عالم تتغير فيه موازين القوة من دون إعادة إنتاج منطق الهيمنة؟
لقد ظهرت مراكز اقتصادية وسياسية جديدة، وتغيرت خرائط الإنتاج والتجارة والتكنولوجيا، وأصبحت دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أكثر حضوراً في المشهد الدولي، لكن انتقال القوة لا يعني بالضرورة تغير قواعد اللعبة، والقيمة الحقيقية لهذا التحول تبدأ حين تتسع المشاركة في صناعة القرار، وتصبح القواعد أكثر اتساقاً، ولا تتحول قوة الدولة إلى معيار لقيمة حقوقها، وهذا ليس شأناً سياسياً مجرداً، فقضايا المناخ والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والتنمية تفرض تعاوناً يتجاوز حدود الدولة، لكنها تحتاج إلى شراكة تحترم اختلاف التجارب، لا إلى نموذج واحد يفرض على الجميع.
وبالنسبة إلينا نحن الفلسطينيين، فإن هذه الأسئلة تمس جوهر قضيتنا، ففلسطين تكشف بوضوح المسافة بين المبادئ المعلنة والواقع، فحق تقرير المصير معروف، وقرارات الشرعية الدولية قائمة، لكن استمرار الاحتلال يطرح السؤال عن قدرة النظام الدولي على تحويل مبادئه إلى واقع، لهذا قرأت حديث ليو هايشنغ عن السيادة وحق الشعوب في اختيار طريقها من موقع فلسطيني واضح، فحين يطلب من شعب انتظار العدالة بينما تستمر الوقائع التي تنتقص من حقوقه، يصبح الحديث عن الاستقرار منفصلاً عن جذور المشكلة.
القضية الفلسطينية، في جوهرها، هي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، وتجسيد دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومن هذه الزاوية أجد أن الرؤية الصينية تستحق الاهتمام، لا بوصفها وصفة مكتملة، وإنما لأنها تطرح صلة بين التنمية والاستقلال والحوار وإدارة العلاقات الدولية، وما يهمني هو أن تقاس هذه الأفكار بما تنتجه من سياسات وممارسات، لا باللغة السياسية وحدها.
لقد تغير العالم، وستتغير معه خرائط النفوذ، لكن قيمة هذا التحول لا تكمن في استبدال مركز قوة بآخر، وإنما في إمكان بناء علاقات أكثر توازناً وقواعد لا تتغير بتغير أصحاب القوة، وهذا هو السؤال الذي بقي معي بعد قراءة كلمة ليو هايشنغ: هل نستطيع أن نبني نظاماً دولياً يعالج أسباب الصراع، لا نتائجه فقط؟ فبالنسبة لي، يبدأ المعنى الحقيقي للسلام حين تصبح العدالة جزءاً من شروط الاستقرار، لا فكرة نبحث عنها بعد اندلاع الحرب.