أقلام وآراء

الولايات المتحدة – ايران والتخادم في المصالح

 

 بقلم: د. فريد اسماعيل

الولايات المتحدة الأمريكية تمتنع عن تقديم الدعم للسعودية في مواجهة الحوثيين، ببنما تسمح لهذه الذراع الإيرانية بالتمدد والسيطرة على أكثر المناطق استراتيجية في اليمن. كذلك ترحب بالرئيس الايراني والوفد المرافق للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ويبدي ترامب استعداده للقاء بزشكيان، بينما تمتنع عن إعطاء تأشيرات دخول للرئيس الفلسطيني أبو مازن والوفد الفلسطيني في محاولة لحجب كلمة فلسطين عن العالم، متجاوزة بذلك وللسنة الثانية على التوالي اتفاقية المقر المبرمة عام ١٩٤٧ والتي تنص على عدم فرض الولايات المتحدة عوائق أمام سفر ممثلي البعثات والمشاركين في أعمال المنظمة الدولية الى منطقة المقر، مع أحكام تتعلق بمنح التأشيرات. فالرئيس الفلسطيني لم يكن يسعى لزيارة الولايات المتحدة باعتباره ضيفا سياسيا، بل للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث القضية الفلسطينية واحدة من القضايا المركزية على جدول الأعمال. ولذلك فإن منع الرئيس من الوصول إلى نيويورك لا يحمل مؤشرا متعلقا بالعلاقات الامريكية الفلسطينية فقط، وإنما يحمل معنى رمزيا يتعلق بموقع فلسطين داخل النظام الدولي، وهو ما تحاول واشنطن محاصرته وتقليص امتدادات تأثيره على الساحة الدولية.

وبالعودة قليلا الى الوراء، فقد امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية خلال جولتين من الحرب عن استهداف أي من مصادر الطاقة في إيران، كما منعت إسرائيل من فعل ذلك، في الوقت الذي اكتفت فيه بالصمت حين قامت إيران عبر أذرعها من اليمن والعراق بضرب مصادر الطاقة في السعودية واستهداف منشآت ارامكو وخط شرق -غرب وميناء ينبع، وامتنعت عن تقديم أي دعم.

وفي مراجعة بسيطة لتاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يتضح حجم التباين بين الخطاب الامريكي الإعلامي والتعبوي الذي لطالما اعتبر إيران “رأس محور الشر”، وبين الواقع الفعلي الذي تتعاون فيه الولايات المتحدة مع إيران في إطار التخادم في المصالح.

كذلك، فإن إيران والتي منذ نشأة الجمهورية الإسلامية فيها اعتمدت في تعبئتها للجماهير داخل إيران وفي تمددها في المنطقة العربية على شعار ” أمريكا-الشيطان الأكبر “، تخادمت مع امريكا في معظم الملفات المفصلية في المنطقة، وهي ملفات شرذمة العالم العربي واضعفته الى المستوى الذي هو عليه اليوم.

واشنطن كانت من أهم داعمي نظام محمد رضا شاه بهلوي سياسيا وعسكريا خصوصا بعد انقلاب ١٩٥٣، لكن بعد تفاقم الأزمات في إيران، كان للولايات المتحدة دور في مسار الثورة الإيرانية من خلال إضعاف موقف الشاه وإدارة انهيار النظام رغم أنها لم تكن صانعة الثورة ولم تتعمد أو تخطط لإنجاح الثورة أو إيصال الخميني الى السلطة. لكن المنطقة الأكثر اثارة للجدل هي أنه في نفس الوقت الذي غادر فيه الشاه إيران في كانون الثاني ١٩٧٩، ظهر الجنرال الامريكي روبرت هويزر في طهران وأجرى اتصالات مع القيادة العسكرية الإيرانية، وبقي في إيران حتى الفترة التي سبقت عودة الخميني في الأول من شباط. وقد أثرت السياسة الأمريكية، ولا سيما طريقة تعامل ادارة كارتر مع الشاه والجيش والمعارضة خلال تلك الأشهر الأخيرة، بصورة مهمة في البيئة التي انتهت بسقوط النظام الملكي، فقد أكدت الوثائق الأمريكية التي رفعت عنها السرية لاحقا بأن واشنطن كانت طرفا مؤثرا في الأزمة، وهذا يفتح الباب امام سؤال أكثر اثارة: هل كان هناك تفاهم امريكي سري مع الخميني قبل عودته الى إيران، وما حقيقة الرسائل التي تبادلتها واشنطن مع ممثليه في باريس؟ وعلى الرغم من أنه ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، تبدو العلاقة بين طهران وواشنطن للوهلة الأولى وكأنها علاقة عداء دائم، إلا ان قراءة عقود عدة من العلاقة تكشف صورة أكثر تعقيدا، إذ أن هذا العداء الظاهر لم يمنع في مراحل مختلفة من وجود تقاطع مصالح او اتصالات مباشرة وغير مباشرة أو تفاهمات خدمت أهداف الطرفين. ومن هنا برزت فكرة “التخادم”، أي أن طرفين قد يبدوان متصارعين لكن سلوك كل منهما قد يؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة الى خدمة جزء من أهداف الطرف الآخر تحت ذريعة تقاطع مصالح تحكمه البراغماتية والمصلحة القومية. وربما تمثل فضيحة ” ايران_كونترا” أشهر مثال على كسر قواعد العداء وعلى التناقض بين الخطاب والممارسة. ففي عهد الرئيس رونالد ريغان، اقامت الادارة الأمريكية وهي ” الشيطان الأكبر ” اتصالات سرية مع مسؤولين ايرانيين وهم ” محور الشر “، وتم بيع أسلحة لإيران رغم وجود سياسة امريكية معلنة تمنع ذلك. فالولايات المتحدة كانت تعلن مواجهة إيران، لكنها في الوقت ذاته تفاوضت معها سرا وقدمت لها السلاح، ولعبت دورا في تسهيل وصول السلاح من إسرائيل الى إيران. وفي فترة لاحقة بعد هجمات ١١ سبتمبر ٢٠٠١، اقامت إدارة جورج بوش قناة خلفية مع إيران للمساعدة في مواجهة طالبان. وقد لعبت إيران دورا دبلوماسيا في مؤتمر بون الذي ساهم في تشكيل النظام السياسي الأفغاني بعد سقوط طالبان آنذاك.

أما أكثر الأحداث التي انتجت تقاطعا استراتيجيا بين المصالح الأمريكية والايرانية، كان الغزو الامريكي للعراق وسقوط نظام الرئيس صدام حسين عام ٢٠٠٣، إذ قامت الولايات المتحدة بالإطاحة بنظام كان عدوا تاريخيا لإيران، والنتيجة تمدد جيوسياسي ايراني وسيطرة القوى العراقية القريبة لإيران على مفاصل الحكم في العراق. وكانت إيران قد قدمت قبل الغزو وأثناءه وبعده اشكالا من التعاون والتنسيق الذي سهل على الولايات المتحدة تحقيق بعض أهدافها، بينما وسعت إيران نفوذها في العراق. فقد ذكر محمد علي ابطحي نائب الرئيس الايراني الأسبق في عهد خاتمي خلال مؤتمر في دبي عام ٢٠٠٤ بأنه لولا التعاون الايراني لما سقطت بغداد وكابول.

العداء بين الولايات المتحدة وإيران هو حقيقة واقعة، لكنه ليس عداء وجوديا، ومساحة التقاطعات في الأهداف غالبا ما تؤدي إلى تعاون في إطار التخادم في المصالح، والذي يشكل السلوك الامريكي اليوم تجاه الحوثي والسعودية جزءًا منه. وإذا ما نظرنا إلى طبيعة السياسة الأمريكية وامتدادات النفوذ الإيراني، لا يعود من الصعب الاستنتاج بأن ما حصل ويحصل، إنما هو على حساب المنطقة العربية وشعوبها.

زر الذهاب إلى الأعلى