أقلام وآراء

ما علاقة فلسطين بأزمة الهجرة؟ هل تدفع حكومة سانشيز ثمن مواقفها؟

 

 بقلم: خليل حمد

ليس نوعاً من الشك بـ “مؤامرات غربية” أن نربط بين ما حدث في منطقة سبتة في أقصى الشمال المغربي والتي تسيطر عليها إسبانيا من موجات هجرة عطَّلت فاعلية حرس الحدود الإسباني، وبين مواقف مدريد إلى جانب القضية الفلسطينية منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية التي تشنها “إسرائيل” على قطاع غزة. فمنذ أن قررت مدريد كسر حالة التردد الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية، وجدت نفسها في موقع سياسي مختلف داخل الاتحاد الأوروبي، ليس لأنها خرجت عن “الإجماع” بل لأنها حاولت إعادة تعريف المبادئ التي قام عليها هذا الاتحاد أساساً، وعلى رأسها “حقوق الإنسان”.

إن تدفُّق آلاف من اليافعين والقاصرين في توقيت واحد، وكأن إيعازاً ما جاءهم من غيبٍ، يثير تساؤلات عميقة أبعد من اعتبار الأمر مجرد “مصادفة”. في التفاصيل، توقيت ودوافع وأهداف وخلفيات، وأيضاً سؤال عمَّن يقف وراءَ ما حدث يكشف عن إجابته تقاطع كل الإجابات السابقة. المنطقة سياحية بامتياز، تقع بين الغابة والبحر وتطل على مضيق جبل طارق، ولم يسبق أن شهدت تدفقاً جماعياً لطالبي الهجرة، بل حالات فردية كان يتم التعامل معها بتعاون ما بين حرس الحدود الإسباني والمغربي، فلماذا؟

في الشكل العام، معظم طالبي الهجرة في هذا التدفق كانوا من القاصرين أو اليافعين، ما يضيف مسؤولية قانونية أصعب على الحكومة الإسبانية أثناء التصدي لهم، هذا أحد الأفخاخ التي تكمن فيما حدث، في الشكل أيضاً ما فرضته الجغرافيا، فالمغرب بلد عربي كما فلسطين، وما صدَّرته وسائل التواصل الاجتماعي عن طريقة التعامل الإسبانية مع المهاجرين تم وصفه بالقسوة وسوء المعاملة والتجويع، من شأن هذا أن يثير حفيظة الرأي العام، ويضرب “المصداقية” الإسبانية في فكرة “الدفاع عن حقوق الإنسان”.

ولأنه في السياسة، نادراً من تُدفع الفواتير فوراً، بل تصل غالباً في توقيت مختلف، فالتوقيت هنا يرتبط ربما بمواقف إسبانيا الأخيرة في ملفات أخرى، والتي لا تنال الرضا الغربي الكامل، وتقف بشكل حازم في قضايا حساسة بوجه واشنطن. الموقف من فلسطين أحدها، كذلك من الحرب على إيران. إسبانيا لم تكن أول دولة تنتقد حرب الإبادة الجماعية على غزة، وموقف واشنطن الداعم لتل أبيب، لكنها كانت من أوائل الدول الكبرى أوروبيا التي ترجمت مواقفها إلى خطوات سياسية واضحة، بدءاً من الاعتراف بدولة فلسطين، مروراً بالدعوة إلى احترام القانون الدولي، وصولاً إلى المطالبة بمراجعة علاقات الاتحاد الأوروبي مع “إسرائيل”.

انتقال مدريد هذا من موقع المراقب و”الملتزم بالإجماع الغربي” الذي شغلته لسنوات، إلى موقع المبادر الذي يقود حراكاً هاماً لإعادة الاتحاد إلى مبادئه الأساسية، هو بلا شك انتقال لا يخلو من تكلفة سياسية. تعزز هذه الفرضية “سرعة ونوعية” ردود الأفعال الأوروبية والأمريكية. في واشنطن، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاتهام حكومة مدريد بالمسؤولية عن الأزمة لأنها شرَّعت قانوناً يمنع إعادة المهاجرين القادمين من البحر، بإيعاز من الأحزاب اليسارية. في الأمر هنا عصفوران أراد ترامب أن يصيبهما، حكومة بيدرو سانشيز في مدريد، والأحزاب اليسارية في أوروبا عموماً، بالقول إن “ويلات” اختلال التوازن الأوروبي تأتي عبر وصول هذه الأحزاب إلى مواقع القرار.

أوروبياً، سارعت فرنسا لتشديد الرقابة على طول حدودها مع إسبانيا على طول سلسلة جبال البيرينيه، فيما طالبت الحكومة الإيطالية بتعليق عضوية إسبانيا في معاهدة شينغن إلى حين تسوية أزمة النازحين، خشية من “انتقالهم إلى دول مجاورة”.

تدرك مدريد كمية الألغام التي تكمن خلف هذا الملف، وتعلم جيداً في نفس الوقت ثقلها الاقتصادي والسياسي في الاتحاد الأوروبي. التصرف الإسباني يندرج في إطار هذا الفهم، فقد دعا سانشيز إلى اجتماع عاجل لوزراء داخلية دول الاتحاد لمعالجة أزمة الهجرة، لكنه في الوقت ذاته أعرب عن قلقه البالغ جراء ردود أفعال بعض الحكومات الأوروبية في أعقاب ما حدث، واصفاً التصريحات الغربية بـ “الردود الأنانية والاستقطاب غير القانوني”، مشيداً في الوقت ذاته بالتنسيق الوثيق مع السلطات المغربية.

تفكيك الألغام بدأ باجماع وزراء الداخلية الأوروبيين في بيان ختامي لاجتماعهم الطارئ عبر تقنية الفيديو على التعبير عن “تضامنهم القوي مع إسبانيا”، وإشادتهم بالجهود السريعة والفعالة التي بذلتها السلطات الإسبانية في التعامل مع الوضع، كما أقروا حزمة إجراءات من بينها أنه عرض على إسبانيا مساعدة مالية عاجلة لتعزيز الحراسات في المنطقة التي شهدت العبور، وهذا ما دفع مدريد لوصف الاجتماع بأنه “بناء”. الاتحاد نسب ما جرى بتنظيم غريب إلى شبكات تهريب إجرامية ومعلومات مضللة جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في إجابة ليست محسومة المصداقية على سؤال محقٍّ حول المحرِّض.

في الخلاصة، ورغم أنه لا دليل فعلياً يربط بين الضغوط التي تتعرض لها إسبانيا سواء من أوروبا أو من الولايات المتحدة وبين موقفها من فلسطين، إلا أن السياسة تحتمل كل التحليلات. وانطلاقاً من إدراك إسباني عميق لهذه الوقائع، فإن المؤشرات لا توحي بأن مدريد ستتراجع عن أي من مواقفها المتمايزة عن المواقف الاوروبية، فالحكومة الإسبانية تعلم جيداً أن سياستها الخارجية أصبحت جزءاً من هويتها السياسية، وأن أي تراجع في هذا التوقيت بالذات قد يُفسر بوصفه رضوخاً للضغوط أكثر منه مراجعة للمواقف.

كما تعلم مدريد أيضاً أن خروجها من المنطقة الرمادية التي حكمت أوروبا على نفسها بالبقاء فيها أمر مكلف، والحكم على التجربة الإسبانية لا يكون بمقدار الضغوط التي تواجهها مدريد اليوم، بل بقدرتها على الحفاظ على اتساق مواقفها، على إقناع شركائها الأوروبيين بأن حقوق الإنسان ليست شعاراً أجوفَ تستخدمه الدول عندما يتوافق مع مصالحها فقط، وأن القانون الدولي واحد، لا يتغير بتغير الجغرافيا أو هوية الضحية.

زر الذهاب إلى الأعلى