الأدباء الفلسطينيون يجسدون الهوية موقفا وانتماء


بقلم: عائدة عم علي
يخطئ من يظن بأنّ الهوية الوطنية الفلسطينية لم تعد بوهجها بسبب تشرذم أبنائها وتشتّتهم في شتى بقاع الأرض فالفلسطيني يحمل قضيته على كاهله، ويساهم في تأصيل الهوية وترسيخها، وثباتها على موقف المقاومة بكلّ أشكالها، وصراعها الدائم مع المشروع الصهيوني.
فتعريف الهوية لا يقتصر على اللغة والثقافة والدين ولا ينحصر فيه، اذ أن العنصر الحاسم الذي يعيد تعريف هذه العناصر في بوتقة خاصة، هو التجربة الطويلة دفاعًا عن هذه الهوية التي لم ينفك الاحتلال يومًا عن محاولة سرقتها ونسبتها إليه منذ بدء هيمنته على أرض فلسطين، فتشتّت أبناء فلسطين خارج أرضهم، وتشرذمهم داخل وطنهم بفعل الاحتلال، يجعلان سؤال الهوية، وما يدور حوله من تجلّيات، صعبًا ومرتبطًا بتجارب التهجير والمنفى والنضال من أجل العودة أو الصمود على الأرض تحت هيمنة الاحتلال وما يضفيه من اضطهاد وقهر.
من هنا يأتي دور الكتاب الفلسطينيون الذي يلعب دوراً جوهرياً في حراسة الذاكرة الوطنية، توثيق الهوية، ومواجهة محاولات الطمس والتهويد. من خلال الرواية، الشعر، والنقد حيث شكّلوا صوتاً للمقاومة ونقلاً لمعاناة الشعب وتطلعاته للحرية إلى المحافل العربية والعالمية. وعلى الرغم من اللجوء القسري منذ النكبة الا أن هؤلاء الكتاب لم يتخلوا يوما عن الثقافة الوطنية الفلسطينية بوصفها موقفاً ورسالة وانتماء، جاعلين من الكتابة وسيلة للحفاظ على الهوية الوطنية، وتوثيقا للذاكرة والمعاناة ومسيرة كفاح الشعب الفلسطيني وثورته من أجل العودة والخلاص من الاحتلال.
ومنذ تأسيس اتحاد الكتّاب والصحافيين الفلسطينيين عام 1966، وانعقاد مؤتمره الأول عام 1972، ساهم الكتّاب الفلسطينيون في الساحات العربية من خلال الصحافة والشعر والرواية والأبحاث والدراسات، في بناء ذاكرة جماعية للشعب الفلسطيني، وأثروا بإبداعهم الحياة الثقافية والفنية لاسيما دول الشتات حيث اثبت الكتاب الفلسطينيون مكانة بارزة في تاريخ الثقافة الفلسطينية المعاصرة،
ولا سيما بين عامي 1970 و1982، مستندين إلى إرث قامات كبيرة مثل غسان كنفاني ومحمود درويش والقائمة تطول.
الأدب الفلسطيني لعب دورا جوهريا بمساراته المتعددة في الحفاظ على الثقافة الفلسطينية وتعزيز الانتماء الوطني وإثبات الهوية الفلسطينية، ساعيا إلى الارتقاء بالمجتمع الفلسطيني وبناء القيم والأخلاق
النبيلة على مدار تاريخه رغم كل محاولات الاحتلال لطمس هذه الهوية بطرق شتى. حيث تهتم الشعوب بإبراز مكوناتها الثقافية والأدبية والحضارية والتراثية، لأنها جزء أساسي من بناء هويتها
الوطنية، والشعب الفلسطيني مثل باقي الشعوب، بل الأكثر اهتماماً في بلورة هويته الوطنية ومكوناتها الحضارية والثقافية وذلك لكونه تحت الاحتلال فيما تحول الأديب والمفكر الفلسطيني إلى مقاوم يحمل القلم ويدافع عن قضيته وشعبه مثلما المقاتل في الميدان وأصبح مطاردا ومطلوبا لقوات الاحتلال التي اغتالت عددا منهم لعلمها بخطورة هذه القامات على مشروعها الاستيطاني , ناهيك عن
ملاحقة الاحتلال الرواية الفلسطينية التي كانت أحد أسلحة هذا الأدب للدفاع عن الهوية الفلسطينية لاسيما بعد نكبة عام 1948 والتي اعتبرت من أكثر الحقول الأدبية اهتماماً ودراسة، لما تحمله من فضاء أوسع في تناول الحياة الاجتماعية ومكوناتها. وما عرفت بالرواية “الجنينية”.
وعلى الرغم من تهجيره واقتلاعه من أرضه التي شملت كل جوانب حياته، وبدلت استقراره إلى هجرة ومنافي، فكان لدى الفلسطينيين الإصرار والتحدي على إثبات هويتهم وجذورهم في المكان، امام
الرواية الزائفة التي يروجها العدو الإسرائيلي، لذلك اهتم الكتاب ومؤرخو الأدب في البحث عن الجذور في التراث الثقافي ـ الأدبي الفلسطيني قبل عام النكبة من خلال البحث والاشارة الى أن وجود 33
رواية نشرت قبل عام 1948، تحديداً منذ عام 1885م وحتى عام 1947.
المتتبع للأدب العربي الفلسطيني منذ صدور البدايات الجنينية الأولى للرواية عام 1885م، وتبلورها بشكل جاد في عام 1920م بصدور رواية “الوارث” لخليل بيدس، وحتى آخر رواية صدرت في عام 2020، أي ما يزيد على التسعمائة رواية فلسطينية؛ يستطيع أن يلمس بوضوح تجارب هذا الأدب الروائي مع التحديات الكبرى التي فرضتها التراكمات السياسية والاجتماعية التي مرت بها القضية الفلسطينية، ومرافقتها لمسيرة هذا الشعب وتفاعلها معه في حركة النضال الوطني ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، وصولا إلى الكفاح والنضال ضد الاحتلال وواكبت الرواية
مسيرة الشعب الفلسطيني في بلدان المنفى والشتات، ورصدت أحوال اللاجئين والمتغيرات التي واكبت حياتهم في المخيمات، بالإضافة إلى رصدها لمتغيرات الواقع الاجتماعي حيث اختطت الرواية الفلسطينية لنفسها مساراً واضحاً يقوم بدور كبير في تعميق الإحساس بالقضية الفلسطينية وبلورة الهوية والانتماء لدى الشعب الفلسطيني.
لذلك مرت الرواية الفلسطينية بعدة مراحل تاريخية ارتبطت بالقضية الفلسطينية نفسها، حيث مثلت فضاء مكانياً مغايراً لفضاءات المكان في الرواية العربية، بمعنى أن مكانها متعدد ومتغير بحسب الظروف والأوضاع والأحوال التي يعيشها الكاتب الفلسطيني الذي تحول من شعب مستقر إلى شعب لاجئ يحمل تاريخه في كل مكان استقر فيه حيث لم تعد فلسطين وحدها هي مكانه الجغرافي لنشر إبداعاته، بل أصبحت أماكن استقراره هي مركز النشر والإبداع، فأصبحت عمان، وبيروت، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، وطرابلس، هذا على مستوى المكان العربي، أما على مستوى المكان الغربي فنجد: لندن، وباريس، والولايات المتحدة، واستراليا، والمجر، وأمريكا الجنوبية.
لا شك أن الكاتب والأديب الفلسطيني هو جزء من شعبه ويحمل هموم مجتمعه والكاتب هو ابن بيئته حيث إن القضية الفلسطينية تسكن في داخل كل إنسان فلسطيني. مهما تغيرت الظروف أو تغير مكان السكن يبقى الفلسطيني أينما وجد هو حامل لرسالة عظيمة يعبر عنها بكل الطرق لا سيما الكتابة الروائية التي تبقى وسيلة الاتصال بيننا وبين العالم للتعبير عن واقع ومعاناة الشعب الفلسطيني
واقع المعاناة اليومية للمواطن الفلسطيني تحت الاحتلال عزز الأدب تمسك الفلسطيني بقضاياه وبحقوقه المشروعة في إقامة الدولة وتقرير المصير وبناء حضارته وزرع الثقة بين الشعب الفلسطيني وقيادته.