

في اطار عدائها السافر للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، هددت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بإلغاء تأشيرات أعضاء الوفد الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، إذا لم يسحب السفير رياض منصور، ترشحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة تعكس ضغوطًا أميركية متواصلة لمنع توسيع الحضور الفلسطيني داخل مؤسسات الأمم المتحدة.
وبحسب ما أوردته وكالة “رويترز” والإذاعة الوطنية العامة الأميركية (NPR)، فإن برقية داخلية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، وُجهت إلى دبلوماسيين أميركيين في القدس، طالبت بممارسة ضغوط على مسؤولين فلسطينيين لسحب ترشح منصور، ملوحة بعواقب تشمل إعادة فرض قيود على التأشيرات الخاصة بأعضاء البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة.
وجاء في البرقية، المؤرخة بتاريخ 19 أيار/ مايو الجاري، أن ترشح منصور “يؤجج التوتر” ويهدد بتقويض خطة ترامب المتعلقة بقطاع غزة، فيما اعتبرت أن منح المندوب الفلسطيني “منصة بهذا الحجم” قد يضر بالعلاقات الأميركية مع السلطة الفلسطينية.
وأضافت البرقية: “لنكن واضحين، سنحمّل السلطة الفلسطينية المسؤولية إذا لم يسحب الوفد الفلسطيني ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة”، مشيرة إلى أن الكونغرس الأميركي “سيتعامل مع المسألة بجدية بالغة”.
كما لوّحت البرقية بإمكانية التراجع عن قرار اتخذته وزارة الخارجية الأميركية في أيلول/ سبتمبر 2025، قضى بإلغاء عقوبات وقيود تأشيرات كانت مفروضة على مسؤولين فلسطينيين يعملون ضمن البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة في نيويورك.
وجاء في البرقية: “سيكون من المؤسف الاضطرار إلى إعادة النظر في أي خيارات متاحة”، في إشارة إلى احتمال إعادة فرض العقوبات أو سحب التأشيرات.
وامتنعت الرئاسة الفلسطينية والبعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة عن التعقيب على ما ورد في التقريرين، فيما قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها “تتعامل بجدية مع التزاماتها بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة”، من دون أن تنفِ مضمون البرقية أو تؤكده.
وسبق أن رفضت إدارة ترامب، قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، منح تأشيرات لمسؤولين فلسطينيين كبار، بينهم الرئيس محمود عباس، لكنها لم تسحب حينها تأشيرات أعضاء البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة.
وبحسب التقرير، فإن منصور كان قد سحب، في شباط/ فبراير الماضي، ترشحه لمنصب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد ضغوط أميركية مماثلة.
إلا أن البرقية الأميركية حذرت من أن انتخابه نائبًا لرئيس الجمعية العامة، رغم أن المنصب أقل أهمية، قد يتيح له ترؤس جلسات أممية رفيعة المستوى خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة.
وجاء في البرقية أن “أسوأ السيناريوهات” بالنسبة لواشنطن يتمثل في أن يترأس مسؤول فلسطيني جلسات تتعلق بالشرق الأوسط أو بالحرب على غزة خلال الاجتماعات السنوية رفيعة المستوى للأمم المتحدة.
وذكرت “رويترز” أن انتخابات مناصب نواب رئيس الجمعية العامة ستجري في الثاني من حزيران/ يونيو المقبل، فيما يواصل المسؤولون الأميركيون ضغوطهم لمنع خوض البعثة الفلسطينية السباق.
وأشار التقرير إلى أن اسم منصور مدرج ضمن قائمة مرشحي مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، إلى جانب مرشحين من أفغانستان والعراق ومنغوليا.
ونقلت NPR عن هادي عمرو، الذي شغل سابقًا منصب مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية خلال إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، قوله إن استخدام التهديد بسحب التأشيرات ضد دبلوماسيين “أمر نادر للغاية”، باستثناء قضايا تتعلق بالتجسس أو التدخل في الانتخابات.
وأضاف عمرو أن “طرد الدبلوماسيين يضر بقدرتهم على حل الأزمات، كما يضر بقدرة الولايات المتحدة نفسها”، معتبرًا أن هذه السياسة “قد تأتي بنتائج عكسية”.
وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة عارضت لعقود محاولات الفلسطينيين توسيع تمثيلهم داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، معتبرة أنها “خطوات أحادية” تقوض مسار التسوية مع إسرائيل.
ولفتت NPR إلى أن منصور حظي خلال الأشهر الأخيرة باهتمام واسع داخل الأمم المتحدة بسبب خطاباته العاطفية بشأن الحرب على غزة، وخصوصًا خلال كلمة ألقاها في أيار/ مايو 2025، تأثر خلالها أثناء حديثه عن الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا في الغارات الإسرائيلية.
وقال منصور حينها: “هؤلاء أطفال… أطفال”، مضيفًا: “مشاهد الأمهات وهن يحتضنن أجساد أطفالهن بلا حراك، ويمسحن على شعرهم ويعتذرن لهم… أمر لا يحتمل”، قبل أن يجهش بالبكاء خلال الجلسة.
ومن المقرر إجراء انتخابات نواب رئيس الجمعية العامة في الثاني من حزيران المقبل، حيث تضم قائمة المرشحين عن مجموعة آسيا والمحيط الهادئ دولاً عدة بينها أفغانستان والعراق ومنغوليا وفلسطين.
وتخشى واشنطن، بحسب البرقية، من “سيناريو أسوأ” يتمثل في تكليف مسؤول فلسطيني بإدارة جلسات أممية رفيعة المستوى تتناول الحرب في غزة أو السياسات الإسرائيلية.
وبرز اسم رياض منصور بقوة خلال الشهور الماضية بسبب خطابه العاطفي داخل الأمم المتحدة، خصوصاً عندما انهار باكياً خلال جلسة في أيار 2025 وهو يتحدث عن الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا في الغارات الإسرائيلية على غزة.
وقال حينها: “هؤلاء أطفال… أطفال”، بينما كان يطرق الطاولة بقبضته متأثراً بمشاهد الأمهات وهن يحتضنّ أبناءهن القتلى.
كما دعا في آب 2025 إلى وقف إطلاق النار باعتباره “الطريق الوحيد لإنقاذ الإسرائيليين والفلسطينيين معاً”، مؤكداً أن استمرار القتل “ليس قدراً محتوماً”.
ويرى مراقبون أن هذه الخطابات ساهمت في إحراج إسرائيل دبلوماسياً، خاصة مع تزايد الاتهامات الدولية بشأن الانتهاكات الإنسانية السافرة في غزة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يفسر الحساسية الأميركية والإسرائيلية تجاه أي دور أممي أوسع لمنصور.
وتكشف الضغوط الأميركية على البعثة الفلسطينية عن تناقض واضح بين الخطاب الأميركي حول حرية العمل الدبلوماسي وبين الممارسة الفعلية عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. فواشنطن التي تدافع باستمرار عن “النظام الدولي القائم على القواعد” تبدو مستعدة لاستخدام أدوات الهجرة والتأشيرات لمعاقبة ممثلين دبلوماسيين بسبب مواقف سياسية داخل الأمم المتحدة. هذا السلوك لا يضعف فقط صورة الولايات المتحدة كوسيط دولي، بل يعزز أيضاً الانطباع السائد عالمياً بأن الإدارة الأميركية تتعامل مع المؤسسات الدولية باعتبارها ساحة لحماية إسرائيل سياسياً، لا فضاءً مستقلاً للنقاش والتمثيل الدبلوماسي المتوازن.
ويعكس القلق الإسرائيلي والأميركي من صعود الحضور الفلسطيني في الأمم المتحدة إدراكاً متزايداً بأن المعركة الحقيقية لم تعد عسكرية فقط، بل أخلاقية وإعلامية أيضاً. فخطابات رياض منصور المؤثرة، وخاصة المتعلقة بالأطفال والضحايا المدنيين، نجحت في نقل المأساة الفلسطينية إلى الرأي العام العالمي بلغة إنسانية مباشرة يصعب احتواؤها بالدعاية التقليدية. ولهذا تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تقليص مساحة هذا الصوت داخل المنابر الدولية، خشية أن يتحول التعاطف الشعبي العالمي إلى ضغط سياسي وقانوني متزايد على إسرائيل في المحافل الدولية.
كما تعكس هذه الأزمة أيضاً هشاشة العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإدارة ترمب، التي أعادت منذ عودتها إلى البيت الأبيض تبني سياسة الضغط القصوى على الفلسطينيين سياسياً ودبلوماسياً. فبدلاً من الدفع نحو عملية سياسية حقيقية أو وقف الحرب في غزة، تبدو الأولوية الأميركية منصبة على ضبط الخطاب الفلسطيني ومنع أي تحرك قد يمنح الفلسطينيين زخماً رمزياً داخل الأمم المتحدة. غير أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تمنح الدبلوماسية الفلسطينية مزيداً من التعاطف الدولي، وتُظهر الفلسطينيين كطرف يتعرض للعقاب حتى داخل المؤسسات متعددة الأطراف المفترض أنها تمثل المجتمع الدولي بأسره.