أقلام وآراء

حول مسودة «الدستور المؤقت لدولة فلسطين»

 

فتحي كليب/ عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية

(1)

موقعية الدستور في الدولة ونظامها السياسي

■ تتحدد أهمية الدستور في كونه المرجعية الأسمى، والوثيقة القانونية الأعلى التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وتنظم العلاقة بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبين السلطات ومواطني الدولة، حيث تبين الخطوط العامة لحقوقهم وواجباتهم؛ وبالتالي، فهو التعبير الأرقى عن الإرادة الشعبية الحرة لمواطني الدولة، وتطبيقه عملياً، يكون في دولة مستقلة تمارس سيادتها على أرضها وحدودها ومرافقها العامة.

غير أن الحالة الفلسطينية تطرح إشكالية تتمثل بكونها ما زالت ترزح تحت الإحتلال والإستعمار الإستيطاني، ما يحد بشكل كبير من قدرتها على إدارة الشؤون الداخلية بشكل مستقل، بما فيه غياب التحكم في سجل السكان والمعابر. هذا فضلاً عن تعطيل أعمال المجلس التشريعي إثر حله بقرار تعسفي، وعدم وجود هيئة بديلة تعمل على إقرار تشريعات وقوانين تدير أوضاع المواطنين وعلاقتهم بالإطار الدولتي، والإنقسام السياسي والمؤسسي وتعدد مراكز القرار والتمثيل السياسي؛ كلها عوامل تجعل من الصعب إنتاج دستور يعكس الإرادة الشعبية الفلسطينية.

■ في ضوء هذه المعطيات، يثير إعتماد دستور مؤقت مخاطر سياسية وقانونية، أبرزها تكريس واقع غير طبيعي يكتسي شرعية ضمنية، يحوِّل الصراع من مشروع تحرر وطني إلى إدارة شكلية لحالة قائمة، بما قد يؤدي إلى تراجع أولوية إنهاء الإحتلال؛ كما قد يساهم ذلك في خلق إزدواجية في المرجعيات السياسية وتهميش دور م.ت.ف بوصفها الممثل الوطني الجامع للشعب الفلسطيني. ويزداد تعقيد المشهد السياسي الفلسطيني نتيجة الطبيعة المركبة للنظام السياسي، الذي ما زال يجمع بين شرعية ثورية تمثلها المنظمة، وشرعية قانونية/إنتخابية ما زالت – رغم تآكلها – تعبر عنها السلطة الفلسطينية، دون وجود فصل واضح بينهما. وقد أدى هذا التداخل إلى نشوء بنية سياسية هجينة، إنعكست على كل تفاصيل العلاقة اليومية بين السلطة والمنظمة..

■ لهذا، فالنقاش الداخلي لمشروع الدستور – على أهميته – لا يدور حول نصوص قانونية بمعزل عن الغاية المراد الوصول اليها بعد إنجازه: هل هو التعايش مع الإحتلال، بما يضفي نوع من المشروعية الفلسطينية على الواقع الإحتلالي القائم، خاصة في ظل مخطط الضم القائم وما يعكسه من تداعيات على مختلف المستويات؛ أم هو خطوة دستورية وقانونية تساهم في الجهد الوطني الشامل نحو دولة تمارس سيادتها على أرضها وشعبها ومرافقها العامة بدون إحتلال وبدون أي تدخل خارجي.. وفي هذا تكمن حقيقة الخلاف والتباين بين إتجاه يُغَلِّب المنطق القانون والدستوري، بغض النظر عن الظروف المحيطة، وإتجاه آخر يعطي الأولوية للتصدي لقضايا سياسية من شأنها أن تشكل عقبة أمام ترجمة الدستور واقعاً على الأرض■

 (2)

في الخلفية العامة

■ تثير مسألة صياغة «دستور مؤقت لدولة فلسطين»، جملة من التساؤلات التي تمتزج فيها الأبعاد القانونية والدستورية بالسياسية، ويغلب عليها، في واقعنا الفلسطيني، طابع الحذر والقلق بشأن توقيت طرح الموضوع للنقاش العام، في ظل تغول المشروع الصهيوني وازدياد حدة الضغوط الدولية على الشعب الفلسطيني. ولا ينحصر هذا القلق في مسألة إمكانية التوصل إلى توافق فلسطيني، سياسياً وشعبياً، حول نص دستوري بعينه، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً وجوهرية: هل تعد مسألة صياغة دستور في هذه المرحلة أولوية وطنية، في ظل تحديات وجودية تواجه قضيتنا الوطنية، التي تتقدم على مسألة إعداد دستور في الوقت الراهن؟ دون أن يعني ذلك للحظة عدم حاجتنا الى دستور متوافق عليه، عندما ينعقد شرطه، أي عندما تستدعيه الحاجة.

في هذا السياق، برزت مواقف قوى سياسية وشعبية فلسطينية، أبدت تحفظات واضحة على طرح فكرة الدستور في ظل إستمرار الإحتلال، ومن بينها الجبهة الديمقراطية التي قدمت رؤية متكاملة حذرت فيها من المخاطر السياسية والقانونية المترتبة على الخوض في هذه العملية قبل التقدم في إنجاز مهام التحرر الوطني، أو بأقله إتضاح صورة المشهد السياسي. وقد أشارت الجبهة في موقفها إلى «أن أي مسار دستوري في ظل واقع غير سيادي سيكرس قيود الإحتلال بدلاً من تجاوزها، أو أنه سيفضي إلى تثبيت وقائع معينة على حساب الحقوق التاريخية الفلسطينية..».

في المقابل، يرى إتجاه آخر، أن صياغة دستور، حتى في ظل الإحتلال، أمر ممكن من الناحية النظرية والعملية، وهذا الرأي يستند إلى تجارب دولية تاريخية، شهدت إعداد دساتيرها في ظروف إستثنائية أو خلال مراحل إنتقالية لم تكتمل فيها عناصر السيادة الوطنية، وإلى نماذج لدول صاغت أطرها الدستورية في ظل الإحتلال والهيمنة الخارجية، وأن الدستور، في هذه الحالة، قد يشكل أداة لتعزيز الهوية الوطنية، وتنظيم الحياة السياسية، حتى قبل الإستقلال الناجز.

■ بين هذين الإتجاهين، يبقى النقاش مفتوحاً حول جدوى وأولوية صياغة دستور فلسطيني في هذه المرحلة، بين من يراه خطوة إستباقية ضرورية لبناء الدولة، ومن يعتبره خطوة سابقة لأوانها قد تترتب عليها تداعيات سياسية غير محسوبة في ظل إستمرار الإحتلال وتعقيدات الواقع الفلسطيني.

رغم ذلك، ليست المرة الاولى التي تطرح مسودة الدستور الفلسطيني على النقاش العام، بل أن الشعب الفلسطيني وقواه المختلفة قطعوا شوطاً مهماً في النقاشات السياسية والقانونية لمختلف المواد الدستورية. فمنذ نهاية التسعينات، وحتى الآن، تم تقديم عدد من المسودات للدستور، لكن النسخة الأساس هي نسخة عام 1999، وما تبعها كانت عبارة عن إضافات وتعديلات على النسخة الأولى صدرت في الأعوام 2001، 2003، 2015 وآخرها النسخة الأخيرة لعام 2025؛ وبالتالي فنحن لسنا بحاجة إلى إعادة نقاش مواد الدستور، خاصة مسلماته، بل ما نحتاجه هو حسم المواد التي تحمل بعداً سياسياً تُجحف بالحقوق الوطنية.

■ في هذا السياق لا يمكننا تجاهل الخلفيات السياسية لطرح مسودات الدستور للنقاش العام في مراحل سابقة، فمع إنتهاء المرحلة الإنتقالية لإتفاق أوسلو عام 1999، واجهت م.ت.ف خيار الإستمرار ضمن الأطر التي أفرزتها الإتفاقات الموقعة مع اسرائيل، لجهة إعلان بسط سيادة دولة فلسطين على كامل أراضيها المحتلة بعدوان 1967، إنطلاقاً من إنقضاء مدة المرحلة الإنتقالية؛ فأتى الرد على يد المجلس المركزي في دورة إنعقاده بتاريخ 29/4/1999 (أي قبل 5 أيام من إنقضاء الفترة الزمنية المحددة لإنتهاء المرحلة الإنتقالية)، الذي – وإن تجاهل الإعلان عن التمديد الرسمي للمرحلة الإنتقالية، فقد أبقى على دورة المجلس المركزي في حالة إنعقاد حتى شهر حزيران (يونيو) 1999، ما عنى عملياً التمديد بالأمر الواقع لهذه المرحلة؛ وقرر المجلس تشكيل عدد من اللجان من بينها لجنة إعداد دستور الدولة بالتعاون مع الجامعة العربية وأمينها العام.

■ إن الإمتناع عن إعلان بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها المحتلة عام 67، كان هدفه بشكل رئيسي الرهان على وعود واشنطن وغيرها بالضغط على إسرائيل لاستئناف مسار مفاوضات الوضع الدائم وصولاً إلى خواتيمها في غضون عام؛ ومن هنا أتى رفض النص الصريح على إنتهاء المرحلة الإنتقالية بادعاء أنه سوف يترتب عليه نشوء فراغ بانتهاء ولاية مؤسسات السلطة التي أنتجتها المرحلة الإنتقالية، وبخاصة المجلس التشريعي، في وقت لا يتمتع فيه الوضع الفلسطيني بالجاهزية المطلوبة لمواجهة هذا الوضع. هذا الإدعاء وغيره من الدعاوى كان يسهل دحضه باعتبار أن رئيس اللجنة التنفيذية ( وهو رئيس السلطة الفلسطينية) يملك صلاحية التمديد للمجلس التشريعي إلى حين وضع دستور الدولة ومؤسساتها.

من هنا يتضح أن مسألة صياغة الدستور هي مسألة سياسية بالأساس تندرج في سياق نشوء ظرف يستدعيها أو غير ذلك، الأمر الذي يوضح تعدد المحطات (وتباعدها في آن معاً)، التي شهدت تقديم مشاريع للدستور على امتداد فترة زمنية ممتدة شارفت عامها الـ 27(!) في الحالة الماثلة.

■ عاد مشروع الدستور إلى واجهة النقاش السياسي من جديد عام 2003، مع رؤية دولية لإدراك «حل الدولتين الدائم للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني»، رؤية مرتبطة بالواقع السياسي في ذلك الوقت، الذي شهد إطلاق خطة «خارطة الطريق» ومن ضمنها بند نص على «وضع مسودة دستور للدولة الفلسطينية»، ما أثار إعتراضات أو تحفظات من قوى سياسية رئيسية، تراوحت بين الإعتراض السياسي على خارطة «الطريق» نفسها، وإفتقاد لجنة صياغة الدستور إلى التمثيل السياسي والمجتمعي الشامل.

■ إن النقاش حول مشروع الدستور، يكتسي ضرورته من زاوية تحديد ملامح الدولة المستقبلية، سواء من حيث شكلها، أو نظامها السياسي، أو طبيعة العلاقة فيما بين مكوناتها ومع المواطن. إلا أن هذا النقاش لا يخلو من مخاطر، إذ قد يفتح ملفات حساسة تتعلق بتوصيف مرحلة النضال الفلسطيني، وبعلاقة منظمة التحرير بالدولة، وبالهوية، وقضية اللاجئين وغير ذلك من عناوين سياسية هامة ودقيقة. من هنا أهمية إدارة حوار مسؤول حول مشروع الدستور إنطلاقاً من أهميته لبناء دولة تكون لجميع الفلسطينيين، إنما دون الإنتقاص من أولوية إنهاء الإحتلال وموقعيتها على أجندة العمل الوطني.

إنطلاقا من هذا المنطلق، يبرز الواجب الوطني في دعم الدعوة إلى إطلاق حوار وطني مسؤول حول مشروع الدستور(ديباجة، و13 باباً، و162 مادة)، باعتباره مسألة مطروحة ضمن جدول الأعمال، ولكن دون منحه صدارة الإهتمام أو السماح له بتشتيت الجهد الذي يجب أن يتركز على مواجهة التحديات التي يفرضها المخطط الإسرائيلي على كافة المستويات■

(3)

هل نحن بحاجة الآن إلى «دستور مؤقت»؟

■ في نقاش الموقف الذي عبرت عنه «الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، وسلمته إلى لجنة صياغة الدستور، بشأن مدى الحاجة الفعلية الى دستور في ظل الإحتلال، برزت ملاحظات من قامات سياسية وقانونية أشارت إلى نماذج تاريخية لدول أقرت دساتيرها في ظل الإحتلال، أو عشية الخلاص منه. وهنا لا بد من توضيح هذه المسألة، مستعرضين حيثيات تلك النماذج ومقارنتها بواقعنا الفلسطيني.

صحيح أن هناك دولاً وضعت دساتيرها خلال أو بعد مرحلة التحرر بوقت قصير، كالهند مثلاً، التي أقرت دستورها عام 1950 بعد نهاية الإستعمار البريطاني – 1947، لكن النموذج الهندي يوضح أن إقرار الدستور حصل خلال فترة إنتقالية كانت فيها الدولة تمارس سيادتها بشكل فعلي على أرضها وشعبها ومرافقها وحدودها، إضافة إلى وجود سلطة مركزية موحدة وإعتراف دولي بالهند كشعب ودولة؛ والدستور الجزائري صدر بعد الإستقلال عن فرنسا – 1962، في ظل دولة كانت موحدة سياسياً وتملك السيطرة على إقليمها وشعبها ومرافقها. أما في جنوب أفريقيا، فقد تم إعتماد دستور إنتقالي بعد الإنتهاء نظام الفصل العنصري، ثم تحول إلى دستور دائم، في ظل سيادة حقيقية على الأرض.

الملاحظ في الحالات الواردة ذكرها، أن الدساتير وضعت بعد السيطرة على الأرض أو خلال عملية إنتقالية سبقتها، في ظل قيادة سياسية موحدة، وحدود واضحة أو قابلة للتحديد، وإعتراف دولي واسع؛ أي أن الدساتير في تجارب التحرر الوطني جاءت نتيجة إحدى حالتين: إما بعد الإستقلال (الجزائر، ناميبيا)، أو خلال عملية إنتقالية نحو إسقاط نظام الفصل العنصري وتأسيس سيادة الشعب، لكل الشعب، دونما تمييز على مقدرات البلاد (جنوب أفريقيا). أما في فلسطين، فإن الواقع مختلف بشكل كامل لكونها ما تزال تحت الإحتلال والإستعمار الإستيطاني، وتعاني إنقساما خطيراً في ظل عدم وجود سيطرة، لا على إقليمها ولا على شعبها، ولا على مرافقها العامة، إضافة إلى عدد من العناوين التي ما زالت غير محسومة سياسياً كالحدود وعودة اللاجئين وغير ذلك من عناوين أجملتها الإتفاقيات الموقعة مع اسرائيل بعنوان «قضايا الوضع النهائي»■

(4)

مرجعية الدستور

■ لا بد من الإشارة بداية إلى أن هذه المسألة يجب أن لا تكون موضع نقاش أو تباين بين مكونات الشعب الفلسطيني، كون المرجعية الدستورية والقانونية والسياسية مكرسة في «وثيقة الإستقلال» الصادرة عن الدورة 19 للمجلس الوطني الفلسطيني – 15/11/1988. وهذا ما حمله نص المادة 25 من مسودة الدستور الحالي: «تشكل وثيقة إعلان الإستقلال والدستور بجميع مكوناته وحدة واحدة لا تتجزأ، وتفسر مكوناته وتؤول على أنها وحدة عضوية متماسكة»، الأمر الذي ينسجم مع ما نص عليه صراحة حكم المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية – 2/3/2018، في معرض شرح موقع ومكانة وثيقة «إعلان الاستقلال» داخل النظام القانوني والدستوري الفلسطيني. وقد إعتبرت المحكمة أن تلك الوثيقة ليست مجرد بيان سياسي، بل هي وثيقة قانونية تسمو على جميع التشريعات العادية وتأتي في مرتبة مساوية للقانون الأساسي الفلسطيني (دستور السلطة الوطنية الفلسطينية)، لا بل تعتبر مرجعية له. وأوضحت المحكمة أن الوثيقة تشكل «العقد الإجتماعي» للشعب الفلسطيني وتحدد المباديء العليا للدولة، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من النظام الدستوري، الذي لا تجوز مخالفته أو الخروج عن مبادئه الأساسية.

■ لذلك، فعند بلورة الموقف من القضايا المرتبطة بصياغة الدستور، لا بد من الإنطلاق من أسس رئيسية تشكل الإطار الناظم لهذا المسار. في مقدمة هذه الأسس ثابتين يجب النص عليهما بشكل واضح ومباشر دون مواربة: الأول، هو توصيف الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، باعتباره شعب تحت الإحتلال والإستعمار الإستيطاني، وأن الحركة الوطنية هي حركة تحرر وطني تناضل من أجل التحرر والإستقلال الوطني الناجز؛ والثاني، هو التمسك بإعلان الإستقلال باعتباره وثيقة تعكس إجماعاً وطنياً، والدستور يجب أن يقع في إمتداده، وأن يكون ترجمة أمينة له، لا بديلاً عنه، كما يبرز ضرورة الإلتزام بالثوابت الوطنية بوصف إبرام الدستور محطة  مفصلية من محطات مسيرة التحرر، لا نهايتها.

وإلى جانب ذلك، يشكل تكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان ركيزة أساسية في بناء الدستور، إنسجاماً مع روح وثيقة «إعلان الإستقلال» ومتطلبات الدولة العصرية، فالدستور ينبغي أن يؤسس لنظام سياسي ديمقراطي قائم على الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، وتعزيز المشاركة الشعبية؛ كما يجب أن يتضمن ضمانات فعالة لحماية الحقوق والحريات العامة، بما في ذلك حرية الرأي والتعبير، والمساواة أمام القانون، وإستقلال القضاء، وترسيخ مباديء الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، بما يعزز ثقة المواطن بمؤسساته الوطنية■

(5)

قضايا ذات مدلول سياسي

[ ما يدعم الإستنتاج السابق، هو واقع التلاقي بين مختلف القوى السياسية والتيارات الشعبية الفلسطينية على ضرورة جلاء أي لبس بشأن النصوص التي تحتاج إلى تفسير، كون الحالة الفلسطينية – راهناً ومستقبلاً – لا تحتمل أية إجتهادات، حتى لو توفرت مؤسسات القضاء المؤهلة للحسم في هذه المسألة أو تلك الواردة في مواد الدستور. من هنا أهمية أقصى ما يمكن من وضوح في صياغة نصوص لا تنطوي على أكثر من تفسير، أو تأويل، الخ.. وفي هذا السياق لن نتوقف عند مصطلحات ذات طابع صياغي، تسهل معالجتها، بل أمام تلك التي تنطوي على مدلول سياسي فائق الأهمية وهما مسألتي الحدود وشكل النظام السياسي:]

1- الحدود

■ رغم أن حدود الدولة تبدو، ظاهرياً، قضية خلافية على مستوى الرؤية الإستراتيجية لحل «المسألة الفلسطينية»، إلا أن هناك إجماعاً سياسياً فلسطينياً على اعتبار أن حدود الضفة الغربية وقطاع غزه والقدس هي حدودها الجغرافية، وفقا لبرنامج الإجماع الوطني. وتبرز الحاجة أكثر في ظل مخطط الضم الإسرائيلي الذي يطرح ضم مساحات واسعة جداً من أراضي الدولة الفلسطينية؛ وحتى لو كانت هناك إعتبارات معينة لدى البعض بعدم ذكر الحدود، فإن الحدود المعتمدة ضمنياً هي حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967.

وفي ظل الحديث عن دولة بحدود مؤقتة وعن حلول إنتقالية طويلة الأمد ترجيء الإعتراف بالدولة إلى مراحل زمنية لاحقة ، فإن النص على حدود الرابع من حزيران يصبح أكثر ضماناً للتمسك بأول وأهم الثوابت الوطنية،  على أن ذلك لا يجب أن يشكل إجحافاً، بأي شكل من الأشكال، بالحقوق التي تضمنتها سائر القرارات الدولية الخاصة بقضية فلسطين. وما يدعم هذا الأمر هو مرجعيات دولية راسخة، ومحددة بقرارات الأمم المتحدة والإعتراف الدولي بدولة فلسطين على حدود 1967. لكن ما يثير عدم الإرتياح هو أن المسودة الحالية للدستور قد أسقطت النص الصريح على حدود الدولة، على الضد من مسودة  الدستور لعام 2003، التي أشارت بوضوح في مادتها الأولى إلى أن «فلسطين دولة مستقلة ذات سيادة، نظامها جمهوري، وإقليمها وحدة لا تتجزأ بحدودها عشية 4 حزيران (يونيو) 1967 دون إخلال بالحقوق التي أكدتها القرارات الدولية الخاصة بفلسطين..».

ورغم أن وثيقة «إعلان الاستقلال» لم تُشِرْ نصاً إلى حدود الرابع من حزيران 1967، إلا أن الإشارة جاءت بشكل أشمل لجهة الإستناد إلى قرار التقسيم الرقم 181 – 1947، الذي أكد على «أن الدولة الفلسطينية تقوم إستناداً إلى الحق التاريخي والقانوني للشعب الفلسطيني، ومن قوة الشرعية الدولية التي تجسدها قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1947». وفي هذا الإطار لا بد من التأكيد على أن النص المرتبط بحدود عام 1967، يعتبر عنصراً أساسياً في حماية الموقف السياسي الفلسطيني، إذ يرسم خطاً قاطعاً بوضوحه يمنع أي عبث مستقبلي طائش بالحقوق الوطنية. ومع ذلك، يبقى الجدل قائماً حول هذا النص، نظراً لأن مسار المفاوضات قد يفرض تغييرات على الواقع السياسي، ما يفتح المجال أمام تفسيرات وتعديلات محتملة. ومن هنا، يتجلى التباين المشروع بين الحاجة إلى المرونة السياسية التي تتيح التعامل مع المتغيرات، وبين ضرورة التمسك بالنص الدستوري، الذي يحفظ الثوابت ويمنع التفريط بها إن بالتنازل أو المناقصة■

2- شكل النظام

■ رغم أن المادة الاولى من مسودة الدستور المؤقت قد تبنت نصاً واضحاً يشير إلى أن «فلسطين دولة عربية مستقلة ذات سيادة، وهي وحدة لا تتجزأ، وشعبها جزء من الأمة العربية، ونظام الحكم فيها ديمقراطي نيابي»، إلا أن لجنة الصياغة تبنت النظام المختلط، الذي يزاوج بين النظامين الرئاسي والبرلماني، وهناك الكثير من المواد التي تشير إلى هذا الأمر (من المادة 73 صعوداً)، ما يشكل مخالفة ذات وجهين: الأول، هو تجاوز وثيقة «إعلان الإستقلال» التي وضعتها المحكمة الدستورية الفلسطينية العليا عام 2018 في مرتبة سامية، في معرض تفسير مكانتها في النظام القانوني والدستوري الفلسطيني، مشيرة إلى أنها ليست مجرد وثيقة سياسية عادية، بل مرجعية دستورية عليا، وهو تفسير ملزم لجميع سلطات «الدولة»؛ وبالتالي، فإن عدم الإلتزام بحكم المحكمة يعتبر جريمة يعاقب عليها بالحبس، والعزل من الوظيفة، لأن الأحكام القضائية واجبة التنفيذ، والإمتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها على أي نحو يعد جريمة وفقا لنص المادة 106 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، وهذا تأكيد على سمو وثيقة إعلان الإستقلال في سلم النظام القضائي والقانوني الفلسطيني.

اما الوجه الثاني، فهو مخالفة المرسوم الرئاسي رقم (4) لسنة 2025 المتعلق بتشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت، والذي إنطلق من خلفية أن نظام الحكم في فلسطين هو ديمقراطي قائم على أساس الفصل بين السلطات، حيث نص بما حرفيته في مادته الأولى على أن «تشكل لجنة وطنية تسمى «لجنة صياغة الدستور المؤقت» للإنتقال من السلطة إلى الدولة، تتولى إعداد مشروع دستور مؤقت، وبما ينسجم مع وثيقة إعلان الإستقلال ومباديء القانون الدولي.. ويرسي الأسس الدستورية لنظام حكم ديمقراطي قائم على سيادة القانون والفصل بين السلطات..»■

(6)

في العلاقة مع منظمة التحرير

■ شكلت م.ت.ف تاريخياً الإطار الجامع والمعترف به عربياً ودولياً كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده؛ غير أن مسار التسوية السياسية، ولا سيما بعد إتفاقيات أوسلو، أحدث تحولاً هجيناً في بنية النظام السياسي الفلسطيني، فانتقل مركز الثقل من «المنظمة» كإطار إئتلافي جامع، وبوصفها حركة تحرر وطني تعبيء طاقات الشعب داخل فلسطين وخارجها، إلى «السلطة الفلسطينية» ككيان إداري – سياسي محكوم بقيود الإتفاقيات الموقعة مع إسرائيل. وقد أدى هذا التحول إلى تراجع الدور التمثيلي لمؤسسات المنظمة، التي أخذت تفقد بشكل تدريجي حيويتها، بعد أن تحولت إلى إطار يغلب عليه اللون السياسي الواحد، وغياب قوى ذات تمثيل شعبي واسع عن المشاركة في أطرها ومؤسساتها، وهذا ما ساهم بدوره في إضعاف حيثيتها التمثيلية وأفقدها قدرتها على استيعاب التحولات والمتغيرات الداخلية والخارجية.

ترافقت هذه المتغيرات مع ممارسات داخلية مدعومة على المستويين الإقليمي والدولي، قادت إلى تكريس نظام حكم يتسم بمركزية شديدة، بعد أن تم دمج المناصب القيادية العليا على مستوى المنظمة والسلطة والحزب الحاكم ببعضها البعض، الأمر الذي نتج عنه إختلال واضح في مبدأ هام من مباديء العمل المؤسساتي، وهو الفصل بين السلطات وتعطيل آليات الرقابة والمساءلة، فتحولت مؤسسات المنظمة من أطر توافقية على مستوى إتخاذ القرار، إلى هياكل يغلب عليها الطابع الفردي. وفي ظل غياب إنتخابات دورية حرة ومباشرة، سواء على مستوى مؤسسات المنظمة أو السلطة، تفاقمت أزمة التفويض الشعبي، وأصبح النظام السياسي أقرب إلى نموذج رئاسي مفرط المركزية، مصحوباً مع تراجع فعالية المجلس التشريعي الذي تحول إلى هيئة محدودة التأثير، قبل أن يتم حله بقرار تعسفي من رأس السلطة، دون أي تشاور مع القوى السياسية ومختلف تيارات الشعب الفلسطيني.

■ رغم أن منظمة التحرير، على المستوى النظري، هي المرجعية العليا التي تستمد منها كافة الهيئات الفلسطينية شرعيتها، إلا أن الواقع العملي أظهر إنقلاباً، غير مبرر، في هذه العلاقة، حيث طغت الوظائف الإدارية اليومية للسلطة على الدور الإستراتيجي للمنظمة. وطرح هذا الأمر إشكالية عميقة، مع مسار التحول نحو دولة مستقلة، وبروز خطر التمثيل المزدوج: فالإعتراف العالمي بالدولة قد يهمش المنظمة على المستوى الدولي، تاركاً فجوة تمثيلية لملايين الفلسطينيين في الشتات، الذين قد لا تندرج أحوالهم ضمن «مواطنة» الدولة الناشئة جغرافياً وقانونياً.

كما أن «التحول نحو الدولة» فرض معضلة قانونية وسياسية تتعلق بمصير منظمة التحرير ووظيفتها، فالدولة، بحكم طبيعتها، مقيدة بحدود وسيادة وإلتزامات دولية، بينما تظل المنظمة إطاراً تحررياً أوسع، يعبر عن الهوية الوطنية الشاملة ويحتفظ بالولاية السياسية على القضايا المصيرية، وفي مقدمتها حق العودة والقدس والحدود. لذلك، فقيام دولة فلسطينية لا يجب أن يلغي، بأي حال من الأحوال، الحاجة إلى منظمة التحرير، بل ينبغي أن يعيد تعريف دورها ضمن معادلة أكثر عمقاً تتداخل فيها وتتوازى دواعي السيادة الوطنية في نطاق الدولة المستقلة مع إعتبارات تتصل بالإنتشار الجغرافي في بلدان الهجرة وأقطار اللجوء، فضلاً عن ثوابت الحقوق التاريخية. لذلك، فالحفاظ على المنظمة وتطويرها كإطار إئتلافي جامع، إلى جانب بناء مؤسسات دولة فاعلة، يشكلان معاً شرطاً ضرورياً لضمان تمثيل مستدام وشامل للشعب الفلسطيني، وصون حقوقه غير القابلة للتصرف.

هنا، تطرح نفسها مسألة العلاقة بين «الفلسطيني كلاجيء» و«الفلسطيني كمواطن» تحدياً قانونياً جديداً يستدعي مقاربة مرنة تفصل بين الهوية، كمفهوم وطني أصلاني لأبناء شعبنا في كل مكان؛ وبين الجنسية، كتعبير قانوني ودستوري. ويمكن اللجوء إلى خيارات مرنة تتبنى حل يتيح منح جنسية دولة فلسطين لكل فلسطيني كحق أصيل وإختياري، دون أن يقود ذلك إلى إسقاط المكانة السياسية والقانونية لصفة اللجوء، أو الإنتقاص من الحقوق السياسية، وعلى رأسها حق العودة والتعويض؛ في المقابل، تبقى الهوية الوطنية إطاراً جامعاً تتولاه المنظمة، وتشكل الجنسية أداة قانونية توفرها الدولة ضمن صلاحياتها السيادية؛ مع ضرورة تحصين حق العودة وإبقائه ضمن الولاية السياسية لمنظمة التحرير لتجنب إخضاعه لمساومات دولية.

■ إن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، تفرض صيغة ممكنة في «التكامل الوظيفي» بين أطر الدولة وهيئات ومؤسسات منظمة التحرير، حيث تتولى الأولى إدارة الشأن الداخلي وتقديم الخدمات السيادية والقنصلية لمواطنيها، في حين تواصل الثانية مهمتها كمرجعية تمثل «الكل الفلسطيني» وتدير القضايا الوطنية العامة، التي تتعلق بالشعب الفلسطيني في كافة أماكن إنتشاره. ويقتضي هذا النموذج إقرار فصل دستوري ومؤسسي واضح بين الكيانين، بما يضمن عدم التضارب في الصلاحيات ويحافظ على التخصص الوظيفي لكل منهما.

إن الوصول إلى ترجمة ما سبق يتطلب تجاوز الأزمة الراهنة بعقد مؤتمر وطني تأسيسي يضم مختلف القوى والفئات المجتمعية في الوطن ومختلف مناطق الإنتشار الفلسطيني، بهدف إعادة تفعيل هيئات ومؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، وتحديث آلياتها الإنتخابية بما يشمل الداخل والشتات. كما يمكن تطوير نماذج تمثيل حديثة للفلسطينيين في الخارج، لتعزيز إرتباطهم بالمؤسسة الوطنية الأم. وقد قطعت اللجنة الخاصة بنقاش مسألة إنتخابات المجلس الوطني شوطاً في هذا الإطار، ويتطلب الأمر – إلى جانب إستكماله – طرحه على النقاش السياسي والفصائلي والشعبي قبل إعتماده بشكل رسمي، وقبل الأخذ بالملاحظات التي قدمتها فصائل وشخصيات إلى اللجنة المعنية■

(7)

الموقف من مسألة مشروع الدستور

■ إن قيام دولة فلسطينية لا يمثل نهاية المسار التحرري، والحفاظ على منظمة التحرير كإطار جامع، وتطويرها ليس مجرد نقاش سياسي ودستوري فحسب، بل ضرورة إستراتيجية لضمان تمثيل الشعب الفلسطيني بكل تنوعه الجغرافي والسياسي، وحماية حقوقه التاريخية غير القابلة للتصرف. ولا يتحقق هذا الإنتقال إلا بشفافية مؤسسية، ومشاركة شعبية حقيقية، وفصل واضح بين مهام الدولة السيادية وأدوار المنظمة التشاركية والتمثيلية الجامعة.

ما سبق، لا يختصر عديد الملاحظات المطروحة من قبل فصائل وقوى سياسية ومؤسسات حقوقية وقانونية، والتي قدمت للجنة إعداد الدستور وتتمحور على شكل النظام السياسي على المستويات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، العلاقة بين السلطات، وضعية المواطن، الجنسية وحق العودة، الحدود، هوية الدولة، الحريات العامة وحقوق الإنسان، وضعية المرأة، التعددية السياسية والحزبية، نمط مرجعية التشريع، الحريات الديمقراطية وتعديل الدستور وحدود الرقابة على السلطة التنفيذية أو حالات الطواريء وحدودها والجهة المخولة بإعلانها، أو مدتها، أو آليات الرقابة عليها.. وكلها عناوين لقضايا هامة جدا تتطلب إجابات واضحة، لنكون كشعب وسلطة ومنظمة جاهزين لاستقبال أي إستحقاق وطني مستقبلي له علاقة بإنجاز الدولة بمختلف تفاصيلها..

[ وبعيداً عن الملاحظات المطروحة على مضمون مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين، بمواده وأبوابه وخلفياته ومرجعيته، فقد حددت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين موقفها من مسألة الدستور، كقضية مبدأية في وثيقتين: 1- في بيان للمكتب السياسي تعليقاً على «الدعوة إلى تجسيد دولة فلسطين عبر الإعلان الدستوري (أيلول 2024)، وتحويل المجلس المركزي لمنظمة التحرير إلى البرلمان المؤقت للدولة»؛ 2- رسالة بعثت بها الدائرة القانونية في الجبهة إلى لجنة صياغة «الدستور المؤقت» لدولة فلسطين حول الموقف من إصدار دستور في ظل الإحتلال، نورد فيما يلي نصهما الكامل:]

الوثيقة الأولى

حول الدعوة لإصدار «إعلان دستوري»

أولاً- يرى المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية أن الشعوب والدول تلجأ إلى الإعلان الدستوري، إما عندما تكون على عتبة الإستقلال، والخلاص من الإستعمار والإحتلال، أو عند وقوع حدث سياسي مفصلي، يتطلب صدور مثل هذا الإعلان، تمهيداً لتعديل الدستور القائم.

في هذا السياق، لا يرى المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية أن الحالة الوطنية الفلسطينية تقف عند أيٍ من هاتين المحطتين، فلسنا، كما هو معروف للجميع، على عتبة الإستقلال، بل ما زلنا في خضم معركة مفتوحة لمواجهة حرب الإبادة الهمجية التي تجتاح قطاع غزة، والتي إنتقلت عملياً إلى الضفة الغربية، بدءاً من مخيمات شمالها ومدنه.

كما يرى المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية أننا لسنا أمام مفصل سياسي، يتطلب الإستجابة لاستحقاقاته بإعلان دستوري، وبالتالي فإن الدعوة لإعلان دستوري في سياق توفير شروط تجسيد دولة فلسطين، لا تتوفر شروط الإجماع عليه، ولا يندرج – في اللحظة السياسية الراهنة – في أية ضرورة وطنية ملحة، بل هو يشكل تهرباً من الأولويات الماثلة أمام مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والقيادة الرسمية، والتي عنوانها «توحيد الحالة الوطنية، وتوحيد المؤسسات الوطنية، وتأطير الحالة النضالية في مقاومة شاملة»، تتصدى للإحتلال والعدوان وحرب الإبادة، بكل أشكال المقاومة، في إطار إستراتيجية وطنية كفاحية جامعة، لكسر شوكة العدوان، وصون الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وصون الأرض المهددة بالضم المتسارع، وإحباط مشروع تقويض أسس قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

ثانياً- يرى المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية أن الدعوة إلى تحويل المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى البرلمان المؤقت للدولة، ينطوي على غموض مؤسساتي وسياسي، لا يرسم الحد الفاصل بين نشوء مؤسسات الدولة وتجسيدها، من حيث موقعها التمثيلي في إطار الدولة وحدود ولايتها الجغرافية، إلخ … وبين الموقع التمثيلي الشامل لـ م. ت. ف، ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعبنا في كافة مناطق تواجده، على قاعدة برنامج سياسي جامع، يعبر عن المصالح الوطنية العليا لعموم الشعب الفلسطيني. ويرى المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية أن التسرع في تحويل المجلس المركزي، بتكوينه الحالي، إلى برلمان مؤقت، إنما يحمل في طياته مخاطر تضييع حلقة الربط مع منظمة التحرير، الأمر الذي يتطلب إعتماد صيغة واضحة في إطار الحوار الوطني الشامل، الذي يفترض أن يسبق عملية التعديل هذه.

ثالثاً- في السياق نفسه، يرى المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية أن المجلس المركزي المقترح ليكون البرلمان المؤقت لدولة فلسطين، حتى مع التسليم بشرعيته القانونية كمؤسسة ذات مرجعية وطنية عليا، إلا أنه في الوقت نفسه، يفتقد – كما هو معروف – إلى الحيثية التمثيلية لعموم الحالة الفلسطينية، حيث ما زالت خارج عضويته قوى ذات ثقل سياسي وجماهيري وكفاحي وازن بكل المقاييس، الأمر الذي يجعل من بقاء هذه القوى خارج النطاق التمثيلي للمجلس المركزي، ثغرة سياسية لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن التقليل من تأثيرها السلبي، ولا تؤسس لوحدة في الموقف السياسي، فضلاً عن ثلمها للموقع التمثيلي للمجلس المركزي، سواء بقي بصفته الحالية، أو تحول إلى برلمان مؤقت للدولة.

رابعاً- يرى المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية أن الدعوة إلى تجسيد دولة فلسطين، عبر خطوتي الإعلان الدستوري وتحويل المجلس المركزي إلى البرلمان المؤقت للدولة، تأتي في لحظة سياسية فاصلة، تؤكد فيها المعطيات كافة، أن الأولوية الملحة الملقاة على عاتق الحالة الوطنية الفلسطينية هي في العمل الجاد لإنهاء الإنقسام المؤسساتي، وتعميق الوحدة الميدانية في مواجهة الإحتلال ومشاريعه، الأمر الذي تترجمه مخرجات «إعلان بكين» في خطوتين رئيسيتين: الإنعقاد الفوري للإطار القيادي الموحد والمؤقت، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني لإدارة الشأن العام في قطاع غزة والضفة الغربية، وقطع الطريق على محاولات ومشاريع فصل القطاع عن الضفة، وتفتيت أرض الدولة الفلسطينية، وإجهاض المشروع الوطني الفلسطيني.

خامساً- إن الدعوة إلى تجسيد دولة فلسطين، من خلال تحويل المجلس المركزي إلى برلمان مؤقت يصدر عنه إعلان دستوري، يتسبب بإثارة فوضى في ترتيب الأولويات الوطنية، ويقود إلى تهميش «إعلان بكين»، ما يُبقي الحالة الوطنية تدور في الفراغ، بحثاً عن الحل، بينما الحل الذي توافق عليه 14 فصيلاً في بكين، يشكل المعبر الإلزامي، لإخراج الحالة الوطنية من دورانها في الحلقة المفرغة.

إن المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، وفي ظل التطورات المتلاحقة، والتصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، يؤكد مرة أخرى على ضرورة الدعوة العاجلة لعقد الإطار القيادي الموحد والمؤقت، ليضطلع بمسؤولياته الوطنية أمام الإستحقاقات الكبرى، بما في ذلك تشكيل حكومة الوفاق الوطني من الفعاليات والكفاءات، لتتولى مهامها في ضمان وحدة أراضي الدولة الفلسطينية بين قطاع غزة والضفة الغربية، والقدس المحتلة، عاصمة دولة فلسطين■

المكتب السياسي – 29/8/2024

الوثيقة الثانية

حول مسودة «الدستور المؤقت»

■ كمساهمة في الحوار الدائر بهذا الشأن نود أن نوضح أن الجبهة الديمقراطية لا ترى في هذه المرحلة ضرورة لاعتماد «دستور مؤقت» لدولة فلسطين، ولا فائدة ترتجى من ذلك، بل أن الإقدام على هذه الخطوة، في هذه الظروف، قد يلحق أضراراً بمسيرة النضال الوطني الفلسطيني ويزرع في طريقها عقبات وتحديات لا مبرر لها وبخاصة في ظل غياب إطار تشريعي منتخب، بل وفي غياب أي إطار متفق عليه لتأمين توافق وإجماع وطني شامل للكل الفلسطيني.

إن دستور الدولة، أية دولة، سواء كان مؤقتاً أو دائماً هو الوثيقة التي تحدد كيفية ممارسة الشعب حقه في السيادة على وطنه؛ وفي غياب إمكانية ممارسة السيادة، بفعل واقع الإحتلال، يصبح الحديث عن «دستور» مجرد ترف نظري يساهم في صرف الأنظار عن الحاجة إلى إستراتيجية وطنية موحدة لمقاومة الإحتلال حتى تتم إزالته وإنهاؤه. إن عملية إنهاء الإحتلال هي عملية كفاحية معقدة لا يمكن الإلتفاف على تحدياتها باللجوء إلى إصطناع مؤسسات وفبركة تسميات.

■ إننا نحذر، بشكل خاص، من المقولة التي تزعم الحاجة إلى «دستور مؤقت» يتناسب مع وضع «الدولة تحت الإحتلال». إن الدستور، في أية دولة، هو منبع الشرعية القانونية، واعتماده في وضع «الدولة تحت الإحتلال» هو شرعنة لواقع غير شرعي. إن وضع «الدولة تحت الإحتلال» هو وضع شاذ وغير طبيعي لا يمكن حل تناقضاته إلا بإزالة الإحتلال، وأي محاولة لترسيمه بدستور هي محاولة لتطبيعه وتشجيع على التعايش مع واقع الإحتلال بدل مقاومته.

■ كذلك ينبغي الحذر من المقولة التي تدعي الحاجة إلى «دستور مؤقت» لتنظيم عملية «الإنتقال من السلطة إلى الدولة». إن «الإنتقال من السلطة إلى الدولة» هو عملية كفاحية تهدف بالأساس إلى إنهاء الإحتلال، وهي عملية لا يمكن إختزالها بمجرد إعادة تنظيم للمؤسسات أو إستبدال لمسمياتها.

إن «الإنتقال من السلطة إلى الدولة» هو فصل محدد من فصول مرحلة التحرر الوطني في حالتنا الفلسطينية. والواقع أن هذه هي الحقيقة الجوهرية التي يجري تغييبها في الحوار الدائر حول موضوع الدستور، وهي أننا لا نزال نمر في مرحلة تحرر وطني تحكمها قوانين الصراع بين الشعب وبين إستعمار كولونيالي إستيطاني عنصري يسعى إلى محو وجودنا الوطني وتبديده؛ وأن الأولوية، في هذه الحالة، تكمن في توحيد شعبنا في إطار م.ت.ف لمواصلة النضال من أجل الخلاص من الإحتلال واستعادة الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا.

■ ونود أن نعيد التذكير هنا بأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 19/67 لعام 2012 لا يزال يشكل الأساس القانوني للإعترافات الدولية الواسعة بدولة فلسطين، والتي شملت حتى الآن 159 دولة؛ وأن أحد بنود هذا القرار يعترف بمؤسسات م.ت.ف باعتبارها المؤسسات القيادية والتشريعية لدولة فلسطين، والتي تتولى تمثيلها في الأمم المتحدة. ولذلك، فإن إقحام عنصر جديد متمثل في دستور يصطنع مؤسسات أخرى للدولة يمكن أن يشكل حالة إرباك يضعف الإعتراف الدولي بفلسطين، و/أو يضعف ويهمش منظمة التحرير الفلسطينية وشخصيتها القانونية المعترف بها دولياً كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

■ ثمة مشكلة أخرى قد تبدو محض عملية، ولكنها في الواقع جوهرية تماماً: إن وثيقة «اعلان الإستقلال» تعلن دولة فلسطين «دولة لجميع الفلسطينيين أينما كانوا». ولكن في ظل واقع الإحتلال الذي يُغَيِّب القدرة على السيطرة على المعابر والحدود، كما يُغَيِّب إمكانية السيطرة على سجل السكان، الذي هو سجل الإثبات القانوني للمواطنة، كيف يمكن لمواطني الدولة من فلسطينيي الشتات أن يمارسوا الحقوق التي يكفلها لهم «الدستور المؤقت» العتيد. وما الجدوى من «دستور» لدولة لا يتمكن نصف مواطنيها أو أكثر من ممارسة حقوقهم بموجبه؟

■ نحن بلا شك نعاني من فراغ دستوري. ولكن ثمة سبيلاً آخر أكثر واقعية لسد هذا الفراغ. هذا السبيل هو إعادة الإعتبار لوثيقة «إعلان الاستقلال» التي تحظى بالإجماع الوطني، والتي هي وثيقة إبداعية تشكل الديباجة الأمثل لأي دستور فلسطيني؛ أما بشأن حقوق المواطن وصلاحيات السلطات والعلاقة بينها، فيمكن ضمانها بإعادة تفعيل «أحكام القانون الأساسي المعدل» للسلطة الفلسطينية، الذي هو للأسف معطل بفعل غياب الإطار التشريعي المنتخب والتجاوز الخطير لمبدأ الإستقلال والفصل بين السلطات■

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

الدائرة القانونية – 5/4/2026

زر الذهاب إلى الأعلى