أقلام وآراء

مشروع قرار ترامب لـ «مجلس السلام»

 

 

مشروع قرار ترامب لـ «مجلس السلام»:

فصل غزة وصاية دولية وتصفية حل الدولتين

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

بخطوة متزامنة مع التوقيع على ميثاق «مجلس السلام الدولي» على هامش منتدى دافوس الاقتصادي الدولي، قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مشروع القرار رقم (1) لعام 2026، ليصدر عن مجلس السلام بشأن الوضع في قطاع غزة، وينشئ بموجبه سلطة حكم خارجية على القطاع، تتمتع بكامل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية والأمنية والمالية، إلى جانب آليات عمل لهياكل بيروقراطية متعددة تتقاطع مهامها وتفتقر إلى معايير الحوكمة والرقابة والمساءلة.

ولا يقود هذا القرار إلى مرحلة انتقالية تفضي إلى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بل يؤسس عملياً لنظام وصاية دولية مفتوحة، تعلَّق بموجبها السيادة الفلسطينية على قطاع غزة، ويهمش التمثيل الوطني الفلسطيني المعترف به دولياً، مع مخاطر جدية بتكريس فصل دائم بين قطاع غزة وبقية الأرض الفلسطينية، وعليه، يمكن تسجيل الاستنتاجات الرئيسية التالية بعد مراجعة هذا القرار المشؤوم:

أولاً: إلغاء السيادة الفلسطينية على قطاع غزة

ينقل القرار جميع سلطات الحكم في غزة إلى هيئة دولية ملتبسة التشكيل، بما في ذلك سلطة سنّ القوانين والتشريعات، الأمر الذي يلغي فعلياً أي سيطرة للسلطة الوطنية الفلسطينية على إدارة شؤون القطاع، ويشكّل انتهاكاً مباشراً للاتفاقيات المنشئة للسلطة الوطنية، ولمبدأ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ولمبدأ وحدة الإقليم الفلسطيني، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

ثانياً: تغييب الشرعية السياسية الفلسطينية

لا يمنح القرار أي دور للمؤسسات الفلسطينية المنتخبة، ولا للسلطة الوطنية أو لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وصاحبة الولاية السياسية والقانونية والجغرافية على الأرض الفلسطينية، كما لا يرد ذكر السلطة بأي صفة كانت، وتستمد منظومة الحكم المقترحة شرعيتها حصرياً من أطراف خارجية.

ثالثاً: تركيز الصلاحيات المطلقة بيد الممثل السامي لغزة

يمنح القرار رقم (1/2026) الممثل السامي صلاحيات شاملة تشمل التشريع، وإصدار الأنظمة والأوامر، والإشراف على الأمن والشرطة، وإدارة القضاء، والتحكم بالمساعدات وتسييسها، وتعيين وعزل المسؤولين، بمن فيهم أعضاء اللجنة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، فضلاً عن إدارة الموارد المالية، دون أي رقابة أو مساءلة فلسطينية داخلية، ما يكرّس نموذج «الحاكم الدولي» فعلياً، بتفويض وشرعية ملتبسين.

رابعاً: تكريس الانفصال السياسي والجغرافي والقانوني

لا يحدّد القرار مدة المرحلة الانتقالية، ولا يضع سقفاً زمنياً واضحاً للإدارة الخارجية، رغم الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم (2803)، وعليه، يؤسس القرار لإطار حوكمة وأمن واقتصاد منفصل لقطاع غزة، بما يعمّق الانقسام الفلسطيني، ويهدد بإدامة فصل غزة عن الضفة الغربية ضمن بنية مؤسسية دائمة.

خامساً: تسييس المساعدات الإنسانية وربطها بشروط سياسية

يربط القرار المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار بمعايير سياسية وأمنية خارجية، ما يحوّل المساعدات من حق إنساني أصيل إلى أداة ضغط سياسي، ويقوّض مبدأ الحياد الإنساني المعتمد دولياً.

سادساً: دور إداري محدود للجنة الفلسطينية لإدارة غزة

تفتقر اللجنة الفلسطينية المنشأة بموجب القرار إلى الاستقلالية القانونية والمالية والأمنية، وتعمل كجهاز تنفيذي خدمي تابع لسلطة خارجية، دون تفويض من المؤسسات الشرعية الفلسطينية.

سابعاً: تجاهل خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين وقرار مجلس الأمن (2803)

يتجاهل القرار أي مسار سياسي نهائي، بما في ذلك الالتزام أو الإشارة إلى انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة، أو مسألة السيطرة على الحدود والمعابر، ولا يحدّد آليات رسمية تنظم الدخول إلى القطاع والخروج منه.

ثامناً: الغموض المحيط بقوة الاستقرار الدولية (ISF)

ينص القرار على تشكيل «قوة الاستقرار الدولية» دون تحديد واضح لصلاحياتها أو ولايتها أو سلطات إنفاذها، مع غياب أي تصور واضح للسيادة الأمنية الفلسطينية، ما يخلق غموضاً قانونياً وأمنياً خطيراً.

التداعيات الاستراتيجية على مستقبل الدولة الفلسطينية

  • تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة دولية أمنية –إنسانية طويلة الأمد.
  • تطبيع نموذج الحكم بلا سيادة، بما يقوّض فرص قيام دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة.
  • خلق سابقة دولية لتجاوز التمثيل والإرادة الفلسطينية في ترتيبات «ما بعد النزاع».

وانطلاقاً من هذه المخاطر الاستراتيجية التي تهدد مستقبل شعبنا وقضيتنا، والمنجزات الوطنية المتحققة بعد مسيرة طويلة حافلة بالتضحيات، فإن المسؤولية تفرض على القيادة الفلسطينية الرسمية، وعلى مجمل الحركة الوطنية، التحرك على المستويات التالية:

أولاً: دعوة المجتمع الدولي، والدول الشقيقة والصديقة، إلى:

  • الالتزام بخطة الرئيس ترامب وقرار مجلس الأمن رقم (2803)، الذي حدّد بوضوح طبيعة ودور وصلاحيات «مجلس السلام»، وحدود المرحلة الانتقالية ومدتها.
  • تعديل الإطار الحالي للقرار بما يضمن الاعتراف بالسيادة الفلسطينية ووحدة الأرض الفلسطينية، في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
  • تحديد جدول زمني ملزم لإنهاء أي إدارة انتقالية خارجية، كما ورد في قرار مجلس الأمن.
  • ربط أي دور دولي بالمؤسسات الوطنية الفلسطينية الشرعية.
  • ضمان حياد المساعدات الإنسانية وفصلها الكامل عن الشروط السياسية والأمنية.
  • معالجة قضايا الحدود والمعابر والانسحاب العسكري باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أي ترتيب انتقالي.

ثانياً: على المستوى الوطني الداخلي:

  • تعزيز الصمود الوطني، ورفع مستوى الجهوزية السياسية، وتطوير أشكال وأساليب المقاومة الشعبية السلمية.
  • تحصين وحدة النظام السياسي الفلسطيني، والتأكيد على مركزية منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية وطنية وحيدة.
  • تسريع الحوار الوطني داخل أطر وقوى منظمة التحرير الفلسطينية، والانفتاح الجاد على القوى الوطنية خارجها، وصولاً إلى صيغة وطنية جامعة، على قاعدة الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي والوطني.
  • تفعيل دور الأطر التنظيمية في توعية الجماهير، وربط النضال اليومي بالأهداف الوطنية الكبرى.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى