ترامب على خط “سد النهضة”.. هل يبحث عن حل أم عن تحالف؟


بقلم: خليل حمد
بين أزمة مُفتعلة وأخرى، كما في غرينلاند وفنزويلا، يبدو وكأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسابق الزمن في فتح الملفات التي تشهد خلافات على مستوى العالم. وما بين افتعال المواجهة وطرح الوساطة، يكمن تناقض واضح في الممارسات يجعل من الصعب فهم حقيقة ما يريده ترامب.
الإشكالية التي دخل ترامب على خطها مؤخراً هي ملف سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، العالق منذ 15 عاماً، والغريب أن الطرح الذي قدمه الرئيس الأمريكي يطابق ما كانت طرحته مصر لسنوات في المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود: ضمان ضخ إمدادات مياه متوقعة خلال فترات الجفاف لمصر والسودان، مقابل السماح لإثيوبيا بتوليد كميات كبيرة من الكهرباء.
الطرح نال ترحيباً مصرياً وسودانياً، وقوبل بالصمت الإثيوبي، لكن التعليق المصري ربط العمل مع واشنطن بالوصول إلى حل “نهائي ومسؤول”، يقوم على مبادئ القانون الدولي، واشتركت القاهرة مع الخرطوم في طموح تحقيق مصالح الجميع دون إضرار بأي طرف.
سنوات من تعثر المفاوضات سابقاً لم تحُل دون استكمال بناء السد، ومن ثم افتتاحه في حفل دعت إليه أديس أبابا كلاً من القاهرة والخرطوم، ومن ثم ملئه والبدء بتشغيله دون التوصل إلى اتفاق نهائي مع مصر والسودان، وعلى الرغم من كل اعتراضاتهما. يتلخص الموقف الرئيسي للقاهرة والخرطوم بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم لتشغيل السد لأنهما تشتركان في اعتبار الخطوة تهديداً وجودياً وانتهاكاً للمعاهدات الدولية، بالمقابل تعتبر أديس أبابا أن السد ركيزة أساسية لطموحاتها الاقتصادية.
شيطان التفاصيل يمكن في الاتفاقيات التاريخية السابقة التي تم التوصل إليها بخصوص مياه نهر النيل، لأن هذه الاتفاقيات لم تكن واضحة فيما يتعلق بحصة إثيوبيا من المياه، وحملت عبارة فضفاضة تتعلق بـ “عدم الإضرار” بمصالح الطرف الآخر فيما يخص مياه النيل. تفسير معنى “الإضرار بالمصالح” يخضع لتفسيرات عديدة زادت المفاوضات الحالية تعقيداً، بدل أن تسهم في حلها.
ودون الخوض في التفاصيل الشائكة، يجب على المراقب أن يطرح سؤالَين مهمَّين متعلقَين بالطرح الأمريكي، أولهما: هل يملك ترامب أوراق قوة للضغط على إثيوبيا كي توقع اتفاقاً؟ وثانيهما يتعلق بالتوقيت، خصوصاً وأن الطرح الذي قدمته واشنطن يتطابق مع الطرح المصري.
في الإجابة على السؤال الأول، تبرز مفاوضات العام 2020، إبان الولاية الأولى لترامب، والتي جمعت ممثلين عن مصر والسودان والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية لعدة أسابيع، وفعلاً تم التوصل إلى مسودة اتفاق تنظم تشغيل السد وتضمن عدم حصول أي أضرار محتملة على مصر والسودان. لكن وبعد توقيع مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، قررت إثيوبيا الانسحاب من المفاوضات، معتبرة أن بعض البنود لم تحترم مصالحها في التحكم بمياه النيل الأزرق واستغلالها لمشاريعها الوطنية، خاصة توليد الكهرباء.
فشل هذه التجربة يعني أن الملف أكثر تعقيداً وتشابكاً مما يمكن أن يتم حله بالبساطة التي يطرحها ترامب، وبالنظر إلى المعطيات السياسية وتحليلات المراقبين الأمريكيين، فإن ترامب لا يملك أي أوراق قوة للضغط محددة على أديس أبابا، عدا عن إجراءاته الاقتصادية التي يمارسها للضغط على أي دولة ترفض الرؤية الأمريكية الترامبية تحديداً.
يعزز هذه الرؤية أن ترامب وجه نسخاً من خطابه إلى قادة السعودية والإمارات، وهي خطوة غير مألوفة ديبلوماسياً نظراً لأن الدولتين غير معنيَّتين مباشرة بمياه النيل. هذا قد يعني ربما أن ترامب يريد من الدولتَين العربيَّتين الأغنى في المنطقة ضخ استثمارات في إثيوبيا لتسهيل الاتفاق، وإغراء أديس أبابا قبل الانتقال إلى مرحلة الضغط الاقتصادي المتوقعة. التوصل مع الرياض وأبو ظبي قد يعني أيضاً أن الاتفاق المطروح بخصوص سد النهضة يتعلق بطموحات إثيوبية لم يُخفِها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، قد يكون طرح ترامب متعلقاً بالوصول إلى اتفاقيات أوسع وأشمل حول ملف البحر الأحمر وخطوط التجارة فيه.
هذه القراءة هي أحد معاني التوقيت. المعنى الآخر عكسه ترامب نفسه عندما “شكر مصر” على دورها في التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، وفي التحديات الإنسانية والسياسية التي تواجه القطاع. كلمة مفتاحية تشير ربما وفق محللين إلى أن ترامب يريد أن يكسب دعم مصر، أو يستميلها على الأقل، في ملفات إقليمية أخرى أبرزها القضية الفلسطينية. تدرس مصر حالياً دعوة تلقتها من واشنطن للانضمام إلى ما يُسمى “مجلس السلام” الذي يعتزم ترامب إنشاءه لحل ملف غزة، ومن ثم الانطلاق لحل قضايا أخرى عالمياً. الإمارات التي وجه لها ترامب رسالته بخصوص ملف “سد النهضة” ستكون مشاركة في “مجلس السلام” الترامبي أيضاً!
الخشية تكمن هنا من أن العرض الترامبي في ملف النهضة قد تكون محاولة لإغراء مصر للانخراط بشكل أوسع في الرؤية الترامبية للملفات الإقليمية، وإلا فإن الضغط قد يتحول من أديس أبابا إلى القاهرة، خصوصاً وأن ترامب سبق واستخدم نفس الأسلوب في ملفات عديدة (طرح صفقات مغرية على الدول مقابل تنازلات في ملفات أخرى تُعتبر أقرب إلى رأس قائمة اهتمامات الولايات المتحدة حالياً). يبدو أن مصر تقرأ هذا الخيار جيداً، فقد أبدت القاهرة “ترحيباً” بالمبادرة الأمريكية دون الالتزام بها، وهذا يمنحها هامشاً لا بأس به من المناورة في حال تكشفت تفاصيل الخطة عما لا يرضي مصر، خصوصاً وأن الخطر الأكبر المتمثل بملء السد قد تم تجاوزه.
في الخلاصة، لا يُقدم ترامب على خطوة دون أن تحمل الكثير من “المساومات” والتساؤلات عن الثمن المطلوب لتحقيق الوعود الوردية التي يطرحها في خطاباته. يحق للمتابع أن يسأل عن مساومات ترامب والأثمان التي يريدها، وعن قدرة الدول المستهدفة على تنفيذها. كما يحق للجميع أن يتساءل ما إذا كانت خطوة ترامب المفاجئة هذه تهدف –مع خطوات أخرى ربما– إلى إعادة ترتيب البيئة السياسة في عموم منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لتتجاوز ملف حل سد النهضة إلى تحالف استراتيجي أوسع وأشمل يكرس سطرة واشنطن على خطوط التجارة العالمية عبر قناة السويس، وعموم المناطق الاستراتيجية في المنطقة. الأيام القادمة ستكشف مزيداً من التفاصيل حول رؤية ترامب وأهدافه، وقدرة مصر وبقية دول الإقليم على الانخراط فيها.