أمريكا والتغيير من الداخل


أمريكا والتغيير من الداخل.. فوز ممداني يثير الغضب الإسرائيلي
بقلم: خليل حمد
ليس حدثاً عادياً أن يفوز شاب مسلم أمريكي الجنسية نصفه أفريقي ونصفه آسيوي هو زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، مركز المال والاقتصاد في الولايات المتحدة، بل وأشهر مدنها الكبرى. الشاب البالغ من العمر 34 عاماً فاز كمنهج وليس كفرد، وإن كان يملك كاريزما أهلته كي يقدم مبادئه وخطته لتطوير المدينة إلى جمهور الناخبين فحظي بأصواتهم. التي تجاوزت المليون، في نتيجة لم يسبقه إليها إلا جون ليندساي عام 1969.
شعارات ممداني، التي تحولت إلى خطة عمل، عكست مواقف واضحة في القضايا الخدمية، وهي ما يعني الجمهور بشكل مباشر، وفي القضايا السياسية الخارجية الكبرى، وهي ما كان يمكن أن يؤثر على نسبة التصويت واحتمالات النجاح، لكن الإعلانَ الصريح عنها من قبل ممداني أكد شجاعة الرجل، وفوزَه رغم مجاهرته بمواقف لا تتوافق والسياسة الأمريكية الرسمية التقليدية يعكس مؤشرات عن تغير في طريقة تفكير الشباب الأمريكي اليوم.
في الشق الاقتصادي، قدم ممداني شعارات تنقلب على الرأسمالية الأمريكية التي تحكم الداخل وتتحكم بالشعب، وهو الشاب المهاجر الذي وُلد خارج الأراضي الأمريكية (ولهذه المعلومة دلالاتها في ظل حملة ترامب ضد المهاجرين) ولا شك أنه عانى ما يعانيه الوافدون إلى أمريكا من أزمات اقتصادية شخصية صعبة. أعلن الرجل أنه يؤيد التوزيع العادل للثروة، عن طريق زيادة في الضرائب على أغنى سكان المدينة، لأجل توفير الأموال لتحسين الخدمات للطبقة المتوسطة.
في جدول أعماله جعل حافلات النقل العام مجانية وزيادة سرعتها، وتجميد إيجارات الشقق التي تستهلك نسبة كبيرة من دخول العاملين في المدينة، وبرفع الحد الأدنى للأجور تدريجياً إلى 30 دولاراً للساعة بحلول عام 2030، وتأسيس متاجر تابعة للمدينة توفر الأمن الغذائي لسكان المدينة، وتوفير رعاية كاملة للأطفال.
خطة عمل “اشتراكية” بنكهة الهموم اليومية للمواطنين الذين تم تخديرهم بشعارات الرئيس دونالد ترامب حول “أمريكا أولاً”، و”لنجعل أمريكا عظيمة من جديد”. شعارات فارغة بلا مضمون، على عكس ما قدمه ممداني من تفاصيل ملموسة تعني الحياة اليومية للمواطن الأمريكي البسيط المُستنزف من كل الممارسات الرأسمالية التي تعمقها سياسات ترامب، ومنها رفع الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية للأمريكيين عموماً.
بهذا المعنى، يمثل ممداني كل ما يعاديه اليمين الأمريكي الرأسمالي المتطرف. الرجل الذي أنبتت نجاحَه آلامُ المواطنين، وصرختهم “الشعب يريد إسقاط ول ستريت”. صرخة لم تتعامل معها الطبقة الحاكمة سياسياً ومالياً في الولايات المتحدة بالجدية الكافية، فكمنت تحت الرماد وانفجرت في وجه ليس فقط في انتخاب ممداني، بل بفوز 38 مرشحاً بمناصب متنوعة في الانتخابات البلدية الأخيرة. فوز شمل أيضاً أعضاء مجالس تشريعية ونواب حكام ولايات، كـ غزالة هاشمي التي فازت بمنصب نائب حاكم ولاية فرجينيا. وفقًا لتقرير مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)، هذا “إنجاز تاريخي غير مسبوق”.
الفكرة ليست في فوز مسلمين فقط (رغم أن العقلية الرأسمالية الأمريكية كانت تعزز البروباغاندا التي تعتبر المسلمين والآسيويين وأصحاب البشرة السمراء غير أمريكيين ودخلاء على المجتمع في الولايات المتحدة). المؤشر يُقرأ من شعارات الفائزين التي يحملونها. ارتدت راما دوجي زوجة ممداني أثناء تنصيب زوجها عمدة لنيويورك، ثوباً أسود مزيناً بتطريز فلسطيني، في رسالة واضحة تُضاف إلى الفن الذي تقيمه والذي يحمل إشارات واضحة لدعم فلسطين، وهو ما أثار الغضب في “إسرائيل”.
لكن الخوف الإسرائيلي ليس وليد لحظة التتويج، بل بدأ منذ أن أعلن ممداني مواقفه في السياسة الخارجية بشكل واضح. قال الرجل إن نيويورك (التي تستضيف المقر الرئيسي للأمم المتحدة) تلتزم بالقانون الدولي، وبالتالي فإنها ستعتقل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنامين نتنياهو إذا زارها، تطبيقاً لقرار محكمة الجنايات الدولية الصادر بحقه.
كان هذا أول مؤشر جدي للاحتلال أنه يجب أن يخشى التغيير في المزاج العام الأمريكي الذي يعكسه فوز ممداني الكاسح.
الرجل نال تأييد أكثر من مليون صوت، صوتوا لصالح كل تفاصيل حملته الانتخابية، بما فيها مواقفه العلنية المؤيدة للفلسطينيين والرافضة للاحتلال الإسرائيلي، والتي تصف العدوان الإسرائيلي على غزة بـ “الإبادة الجماعية”. حصوله على دعم حوالي ثلث الناخبين اليهود في نيويورك دق ناقوس الخطر بالنسبة للمحللين والسياسيين الإسرائيليين، كونه يشكل سابقة نادرة في الساحة السياسية الأميركية. سابقة دفعت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي شارين هاسكل للقول إن “انتخاب ممداني مقلق للغاية”، اعتبر وزير ما يسمى “الأمن القومي” الإسرائيلي إيتمار بن غفير بأن انتخاب ممداني “سيُذكرنا إلى الأبد بالعار” لفوز شخص “كاره لإسرائيل، ومعادٍ صريح للسامية” إلى هذا المنصب.
لكن الخطورة التي لم تعكسها تصريحات المسؤولين الإسرائيليين هي التحول الجذري في المزاج السياسي لجيل الشباب الأمريكيين، وفي أوساط اليهود تحديداً، تحول يؤكد أن القضية الفلسطينية أصبحت مسألة انتخابية داخلية في أمريكا، وربما في دول أوروبية عديدة، مع التركيز على دلالات مدينة نيويورك بالنسبة لتمركز الثروة الصهيونية ولوبيات الضغط في الساحة الأمريكية. تجاوز ممداني كل ذلك بفضل تغير قناعات الأمريكيين قبل كل شيء.
وأبرز القناعات التي تغيرت بحسب مجلة “تيارات يهودية”، هي الفكرة التي كانت سائدة أن “إسرائيل كيان مقدس” لا يُمكن أن يسمَّه أحد في الولايات المتحدة ولو حتى بالتصريحات. سقطت هذه الفكرة في نيويورك، المدينة التي تحوي مواطنين يهوداً أكثر من القدس نفسها التي يزعم الاحتلال أنها عاصمة كيانه. فاز مع ممداني اليسار المخالف لكل ما تعتبره السياسة الأمريكية “نموذج المجتمع الأمريكي”. اليسار الذي يجاهر بالاشتراكية وهي إحدى الكبائر، وبالإسلام وهو أحد الكبائر الأخرى، وبإدانة “إسرائيل”.
الحدث الجلل في نجاح ممداني تعكسه أيضاً كمية الأموال التي أنفقها منافسه أندرو كومو، السياسي العتيق والذي شغل سابقاً منصب العمدة كما شغله والده من قبله. أنفق كومو نحو 40 مليون دولار، تلقى معظمها من تحالف المليونيرات الذي عمل على إسقاط ممداني.
الهزيمة طالت أيضاً ترامب نفسه، الذي دعا الناخبين الموالين للحزب الجمهوري للتصويت لصالح كومو، كما شنت وسائل الدعاية المرتبطة باللوبي الإسرائيلي وبزعماء السياسة الأمريكية التقليدية حملات لتشويه صورته، وصولاً إلى وصفه بـ “الجهادي” و”الإرهابي!”، لكن ممداني تمكن من تجاوز هذه الافتراءات بإرسال أكثر من مئة متطوع إلى بيوت الناس لتقديم برنامجه الانتخابي، بل وتمكن من الانتصار حتى على حزبه الديمقراطي الذي رفض دعمه بشكل واضح.
في الخلاصة، أثبت العمدة الشاب أن الإرادة لا تُهزم، ولو كان البحث عن النصر يجري في فم التنين، وهو درس مهم ويجب أن يكون ملهماً للمناضلين في كل مكان، وفي الوطن العربي تحديداً. لا شيء يمكن أن يقف في وجه الإرادة الحرة، والشعوب مهما كانت الغشاوة على عيونها كبيرة لا بد وأن ترى النور والحقيقة يوماً ما. إذا كان ممداني تمكن من هزيمة الدعاية والتحريض في معقل اللوبي الإسرائيلي والرأسمالي، فيمكن لأي كان أن يهزمها في أي مكان في العالم إذا توفرت الإرادة والإيمان. ورغم يقيننا بأن “ممداني” العربي لم يظهر بعد، إلا أن جزءاً من إيماننا بالقضية يجب أن تكون قناعتنا بأن التغيير قادم لا محالة، والنصر يصنعه الصبر والإرادة، والإعداد الجيد.