الانتخابات العامة طريق تطوير وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني


بقلم: د. أحمد مجدلاني
لا خيار أمامنا سوى الاحتكام إلى الشعب وصناديق الاقتراع من أجل ديمقراطية حقيقية، وتطوير النظام السياسي الفلسطيني وإصلاحه، باعتبار ذلك حاجة وطنية ملحّة تفرضها حالة التآكل التي أصابت النظام السياسي القائم، وتقادم آلياته وأشكال تمثيله، في ظل التحول الطبيعي للحركة الوطنية الفلسطينية وانتقالها من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة.
إنّ التحول الدولاني له خصوصياته وآلياته المختلفة، فهو يقوم على أسس جديدة للتمثيل السياسي، وينتقل من شرعيةٍ ثوريةٍ نضاليةٍ كانت قد كرّست نظام “الكوتا” الفصائلي، إلى شرعية ديمقراطية مؤسساتية تمثّل مختلف المكونات المجتمعية الفلسطينية ضمن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وقد تميّزت التجربة الفلسطينية الديمقراطية منذ أن سيطرت قوى الثورة الفلسطينية المعاصرة على منظمة التحرير وقيادتها خلال العقود الستة الماضية.
ورغم ما تحقق من إنجازاتٍ كبيرةٍ خلال تلك المرحلة النضالية، بدءاً من انتزاع حقّ التمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، مروراً بإعلان الاستقلال، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية كأول كيان سياسيّ على الأرض الفلسطينية بموجب الاتفاقيات الانتقالية، ووصولاً إلى تزايد الاعتراف الدولي بعد حصول دولة فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، ورفع مكانتها في ترتيب الجلوس حسب الأحرف الأبجدية وتمتعها بمعظم امتيازات الدول الأعضاء باستثناء حقّ التصويت، فإنّ هذه الإنجازات لم تكن لتتحقق لولا نضال الشعب الفلسطيني وتضحياته على المستويات كافة، إلى جانب السياسة الواقعية والحكيمة للقيادة الفلسطينية التي أبقت القضية الفلسطينية حاضرةً على الأجندة الدولية، واكتسبت مصداقية عالية بتمسكها بالقانون الدولي والشرعية الدولية، ووضعت “إسرائيل” أمام مساءلة المجتمع الدولي بسبب سياساتها التنصلية من الاتفاقات الموقعة، ورفضها الالتزام بقرارات الشرعية الدولية كأساس لحلّ الدولتين المتوافق عليه دولياً، وصولاً إلى ارتكابها جرائم الإبادة والتجويع والتطهير العرقي خلال حرب السنتين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
وقد شكّلت الموجة الأخيرة من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، والتي جاءت نتاجاً للمؤتمر الدولي للسلام وحلّ الدولتين المنعقد في نيويورك هذا العام بجولتين برئاسة مشتركة سعودية – فرنسية في شهري تموز وأيلول الماضيين، خطوةً نوعيةً مفصلية، إذ شكّل إعلان نيويورك القاطرة الدافعة لهذه الموجة من الاعترافات النوعية ذات الثقل، من دول وازنة مثل فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وكندا وأستراليا وغيرها، لتتوّج بتصويتٍ كاسحٍ في الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الثمانين في أيلول/سبتمبر الماضي، الذي مثّل اعترافاً دولياً واضحاً بحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
إنّ هذه التراكمات والإنجازات نقلت القضية الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق في تعزيز مكانة دولة فلسطين الدولية، وبات لزاماً على القيادة الفلسطينية تثمير هذه الاعترافات عبر خطوات عملية ملموسة لتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، استناداً إلى الحقّ التاريخي، والقانون الدولي، والاعترافات الأممية الواسعة، من خلال مسار سياسيٍّ وقانونيّ يطوي صفحة المرحلة الانتقالية التي تنصّل منها الاحتلال وانقضت مدّتها القانونية، والتي التزمنا بها بحكم الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، جاء مرسوم السيد الرئيس بتشكيل لجنة التحضير للانتخابات العامة الفلسطينية، إلى جانب لجنة إعداد الدستور المؤقت، في إطار الربط بين المسارين السياسي والقانوني لتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، فالدستور المؤقت، الذي أصبحت مسودته الأولى جاهزةً لطرحه للنقاش المجتمعي، سيكون الأساس الذي تُجرى بموجبه الانتخابات العامة لرئيس الدولة ومجلس النواب، لا انتخابات مجلس تشريعيّ ورئيس للسلطة الوطنية فحسب، ومع انتهاء وقف إطلاق النار وتثبيته، ستبدأ فعلياً المرحلة التحضيرية للانتخابات العامة، بالتوازي مع ما يجري في قطاع غزة من محاولات إسرائيلية للهيمنة الأمنية، وسعي حركة حماس لضمان استعادة سيطرتها على القطاع وفق معادلات تقبل عملياً بفصله عن الضفة الغربية وتقسيمه، كما عكس ذلك بيانها الأخير وبعض المكونات السياسية المتحالفة معها.
لقد استكملت الترتيبات اللوجستية لإجراء الانتخابات على أساس التمثيل النسبي الكامل، وبنسبة حسم 1% من الأصوات الصحيحة، مع خفض سن الترشح إلى 21 عاماً لإتاحة الفرصة أمام الشباب، وضمان “كوتا نسوية” ملزمة بنسبة 30% في القوائم الحزبية، وبالتوازي مع إقرار قانون الانتخابات، سيُقرّ كذلك قانون الأحزاب السياسية لتنظيم المشاركة الديمقراطية في الانتخابات والحياة السياسية والمجتمعية في الدولة الفلسطينية المرتقبة، وسيتم انتخاب مجلس نواب دولة فلسطين المكوَّن من 200 عضو بالاقتراع المباشر، ليمارس صلاحياته التشريعية والرقابية الكاملة، بما في ذلك منح الثقة للحكومة أو حجبها، مع إجراء انتخابات موازية في أماكن وجود الفلسطينيين في الشتات حيثما أمكن، أو اعتماد التوافق الوطني في الأماكن التي يتعذر فيها ذلك، بواقع 150 عضواً، وبذلك يتشكل المجلس الوطني الفلسطيني من غرفتين: الأولى برلمان الدولة، والثانية لتمثيل فلسطينيي الشتات، بحيث يشكل اجتماعهما معاً الهيئة الوطنية الجامعة لكل مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والمهجر، وإنّ نجاح التحول الديمقراطي وتجديد النظام السياسي الفلسطيني يتطلب، إلى جانب الإجراءات الجادة التي تباشرها القيادة الفلسطينية، تحركاً سياسياً نشطاً لتحميل المجتمع الدولي، وخاصة الاتحاد الأوروبي، مسؤوليته في الضغط على حكومة الاحتلال للسماح بإجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية.
حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة تسعى منذ سنوات إلى تدمير الكيان السياسي الفلسطيني وإفشال مشروع الدولة المستقلة، وقد أعلن نتنياهو بوضوح رفضه لحل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، ماضياً في تنفيذ استراتيجية الحسم بالضمّ والترحيل والتطهير العرقي، وهو ما يجعله يسعى إلى تعطيل العملية الانتخابية في الضفة والقدس والقطاع.
إنّ المجتمع الدولي، الذي لا يتوقف عن الحديث حول ضرورة إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، عليه أن يدرك أنّ الإصلاح والتجديد لا يكونان بالإملاءات الخارجية أو بسياسات الإقصاء والتهميش ودعم الانقلابين وتمكينهم من التقسيم والانفصال، بل عبر صناديق الاقتراع وبالطرق الديمقراطية التي تضمن وحدة الشعب الفلسطيني وتجديد شرعياته الوطنية، فطريق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة يمر عبر قيام دولة فلسطينية مدنية ديمقراطية وتعددية، تحترم الشرعية الدولية والقانون الدولي، وتسهم – كما سائر دول العالم – في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
نضال الشعب