اللاجئ الفلسطيني في لبنان..بين الانتظار وغياب التشريعات


بقلم: د. فريد اسماعيل
كالباحث عن الشمس في الظلام والمنتظر خيوط ضوء مع فجر يطول انتظاره، هكذا ينتظر اللاجئ الفلسطيني في لبنان رفع قيود تأسر حقه في العمل، وتحاصر أحلامه بحياة يستحقها بعد عناء سنوات طوال من العلم والتخصص في مختلف المجالات المهنية والاكاديمية ليجد نفسه في قفص المنع والحرمان، ولتتحول شهاداته الى صور على الحائط أو ملف في الدرج، وأيامه الى كفاح يومي من أجل لقمة العيش. هذا هو حال اللاجئ الفلسطيني في لبنان الذي سئم الوعود المتكررة ببزوغ الفجر ويكاد لا يصدق أن للشمس ضوء.
على مدى العقود الماضية، شهدت العلاقات الفلسطينية اللبنانية محطات متعددة من الحوار خاصة فيما يتعلق بحقوق اللاجئين الفلسطينيين المدنية والإنسانية، لكنها اصطدمت بعوائق كانت تمنع تحقيق أي تقدم حقيقي يخفف من ثقل القيود المفروضة على هذا اللاجئ وتنصفه ولو بشكل جزئي. فغالبا ما كانت الأبعاد الأمنية والسياسية تطغى على الحوار خاصة بعد الحرب الأهلية اللبنانية، كما أن محاولات تحسين أوضاع اللاجئين التي بدأت في تسعينيات القرن الماضي اصطدمت بمخاوف لبنانية من التوطين، وهو هاجس تستخدمه العديد من القوى اللبنانية بحجة أن منح الفلسطينيين المقيمين في لبنان هذه الحقوق تعني اندماجهم في المجتمع اللبناني مما يشكل مدخلا للتوطين الذي سيخل بشكل جذري بالواقع الديمغرافي والطائفي، وبالتالي بصيغة النظام في لبنان. ومع بدايات هذا القرن تأسست لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بموجب قرار من مجلس الوزراء، حيث حملت في البداية اسم “فريق عمل معالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين ” ثم تطورت لتحمل الاسم الحالي. وقد بدأت هذه اللجنة بإعداد تقارير وتوصيات لتحسين أوضاع اللاجئين، إلا أنها لا تملك حق اتخاذ القرار الذي يبقى بيد الحكومة والمجلس النيابي. وبذلك بقيت المراوحة سيدة الموقف حتى انتخاب الرئيس جوزيف عون وزيارة الرئيس أبو مازن إلى لبنان حيث شهدت المحادثات دفعا جديدا لا سيما فيما يتعلق بحق العمل والتملك وإدارة المخيمات.
لكن لماذا يستمر التمييز القانوني والاجتماعي بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان رغم كل هذا الجهد ورغم التوصيات الدولية المتكررة للبنان بتحسين أوضاعهم.
حقائق جديرة بالتوقف عندها بجدية كشف عنها رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني السابق الدكتور حسن منيمنة المعروف بدوره الفكري والوطني المميز خلال لقاء حواري نهاية شهر سبتمبر من هذا العام بعنوان ” الفلسطينيون في لبنان ” ازاح خلاله اللثام عن جملة من التعقيدات التي حالت دون وضع نقطة النهاية في موضوع الحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والتي يمكن الاستنتاج بمحصلتها أن كل ما مان يجري خلال العقود الماضية لم يكن إلا إدارة للأزمة من الجانب اللبناني.
أشار الدكتور منيمنة الى أنه فيما يخص الموضوع الفلسطيني، هناك غياب للتشريع اللبناني، فلا يوجد تشريعات تنظم علاقة الدولة باللاجئ الفلسطيني إذ ان التشريع هو من يحدد الحقوق والواجبات للمواطنين والمقيمين كما للدولة. وفي لبنان، الدولة اصدرت تشريعين فقط في هذا المجال. الأول بعد النكبة حيث أنشأت الحكومة لجنة للاهتمام بالقادمين الفلسطينيين من فلسطين، ولم تذكر كلمة ” لاجئين “، اما التشريع الآخر فكان يتعلق باتفاق القاهرة. الخطير في هذا الموضوع أنه لا ذكر لمصطلح اللاجئ الفلسطيني في التشريع اللبناني، فهو اما يدرج تحت خانة الأجانب أو خانة العرب. وفي الفترة اللاحقة صار يعرف عنه بتعبير حامل جنسية دولة غير معترف بها، مما يعني قطعا عدم القدرة على منحه أي شيء لأنه يعني توطينه. هذا الإطار أدى إلى سحب بعض الحقوق التقليدية خصوصًا في مجال التملك الذي كان سابقا مسموحا تحت خانة حصة العرب من التملك، لكن تعديلات قانونية أدخلت عام ٢٠٠٠ قيدت هذه القدرة ووصلت الى حد المنع. وطالما أن المعضلة تكمن في “غياب التشريع”، فإن الحلول الجذرية التي من شأنها نقل هذه الاشكالية من مرحلة الإدارة إلى مرحلة الحسم، فملعبها المجلس النيابي الغير مستعد للانتقال إلى هذه الحالة بسبب مواقف ومخاوف المكونات السياسية والطائفية.
يرى منيمنة أن الدولة اللبنانية يعنيها موضوع اللاجئين فقط في حال حدوث اشكالات أمنية، وتفضل أن يعيش الفلسطينيون على هامش القانون دون أن تقنن حقهم في العمل أو التملك أو غيرها من القطاعات، ولذلك فإن كل ما ينظم حياة الفلسطينيين وعلاقتهم مع الدولة يصدر عبر طريقتين رئيسيتين: المراسيم الوزارية وقرارات الوزراء. والطريقتان قابلتان للتعديل مع كل حكومة جديدة استنادا الى اهواء سياساتها وانتماءها وانتماء وزرائها. فإذا ما أخذنا وزارة العمل كمثال، فإن كل وزير جديد يقوم بتغيير عدد المهن المسموح للفلسطينيين العمل بها بحيث يوسع أو يضيق المجال الحياتي أمام الفلسطينيين وفق رؤيته وتوجه حكومته.
الدكتور منيمنة كشف عن معلومات غير متوقعة حول مواقف القوى السياسية اللبنانية المتعاطفة والمؤيدة للقضية الفلسطينية، إذ أكد أن هذا التعاطف لا ينعكس في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين سواء في مجلس النواب أو في الحكومة والوزارات والمرافق العامة، علما بأن هذه الفئة تمثل الأغلبية داخل مجلس النواب والحكومة. وتحدث عن مجموعة من التوصيات والتفاهمات كان قد تم التوافق عليها مع المعنيين في رأس الهرم السياسي أبرزها توصية تتعلق بالعمل، إلا أنه عند عرض الوثيقة على مجلس الوزراء لإقرارها، تم سحب اليد منها والتنصل من مضامينها علما ان ذات الوزراء كانوا قد وقعوا عليها سابقا.
ما تم ذكره يعكس حال من الازدواجية والنفاق لدى بعض القوى التي تؤيد وتدعم قضايانا في الشارع وامام الإعلام، في نفس الوقت الذي تسحب فيه يدها من أي موضوع متعلق بحقوق اللاجئ في الغرف المغلقة وداخل الاطر الرسمية السيادية صاحبة القرار.
من المعروف أنه عندما لا تذكر تشريعات الدول أو قوانينها أمرا معينا، فإنها تستند إلى التشريعات الدولية مثل شرعة حقوق الإنسان وغيرها من القوانين الدولية. فقد صدرت اتفاقية اللاجئين العالمية في العام ١٩٥١ واعقبها بروتوكول العام ١٩٦٧ التابع لها. والجدير بالذكر أن لبنان لم يوقع على هاتين الوثيقتين المتعلقتين باللاجئين وحقوقهم في بلد اللجوء، وبالتالي فإنه يعتبر نفسه متحررا من أي التزامات تجاههم كلاجئين، وليس لديه أي إطار قانوني شامل يرعاهم. كذلك صدر بروتوكول وافقت عليه كل الدول العربية في كازابلانكا عام ١٩٦٥ يمنح اللاجئين حقوقهم المدنية في الدول المضيفة، لكن لبنان أيضا لم يوقع عليه. وبالمحصلة فإن الدولة اللبنانية لم تشرع حقوق اللاجئين الفلسطينيين عمليا ولم تلتزم كذلك بالقرارات العربية والدولية كونها عارضتها ولم توقع عليها.
وبذلك يصبح واضحا لماذا عملت الحكومات المتعاقبة في لبنان على ادارة الأزمة وليس حلها جذريا. لكن يبقى اللاجئ هو الضحية بانتظار قرارات حكومية ومراسيم تمنحه بعضا من حقوقه وتخفف من معاناته.