أقلام وآراء

خطة بلير لليوم التالي: بين وثيقة نيويورك و”ريفيرا” ترامب

 

بقلم: سيلفيا لبو لبن

في ظل العدوان الهمجي غير المسبوق وحشية المتواصل على قطاع غزة، لم يعد النقاش الدولي محصورًا في مشاهد الدمار والأزمة الإنسانية، بل تحوّل سريعًا إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا بعد؟ كيف ستُدار غزة في “اليوم التالي” للحرب، ومن يملك الشرعية لقيادتها؟

في هذا السياق تبلورت ثلاثة مسارات رئيسية:

  1. وثيقة نيويورك التي أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعادت الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كإطار شرعي ووحيد.
  2. خطة توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، والتي تقترح إنشاء هيئة دولية انتقالية تدير غزة مؤقتًا.
  3. مشروع “الريفيرا” الذي طرحه دونالد ترمب، وهو تصور قائم على الوصاية والتهجير وتحويل غزة إلى مشروع استثماري.

بين هذه المسارات تتأرجح إسرائيل بمواقف متناقضة، بينما يقف الفلسطينيون والعالم أمام مفترق طرق حاسم.

وثيقة نيويورك: إعادة تثبيت الشرعية الفلسطينية

وثيقة نيويورك، التي تبنتها الأمم المتحدة بأغلبية ساحقة في أيلول/سبتمبر 2025، صاغت معالم واضحة لليوم التالي ابرزها:

  • غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية.
  • الحوكمة والأمن يجب أن يكونا حصريًا بيد السلطة الفلسطينية.
  • تشكيل لجنة انتقالية تعمل تحت مظلة السلطة فور وقف النار.
  • نشر بعثة استقرار دولية مؤقتة لدعم الانتقال وضمان الأمن.

بهذا أعادت الوثيقة تثبيت السلطة الوطنية الفلسطينية كإطار شرعي لوحيد لتوحيد الضفة وغزة، وأعطت المجتمع الدولي خارطة طريق قائمة على الشرعية، بعيدًا عن المشاريع المؤقتة أو الحلول الملتبسة.

لكن إسرائيل رفضت الوثيقة علنًا، ووصفتها حكومة نتنياهو بأنها “مسرحية أممية سياسية”، معتبرة أنها لا تذكر حماس بوضوح كمنظمة إرهابية ولا توفر ضمانات كافية لأمنها.

خطة بلير: بين الواقعية والوصاية

خطة توني بلير تمثل محاولة لإيجاد صيغة انتقالية أكثر مرونة، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا للوصاية الدولية. فيما جوهر الخطة يقوم على:

  • إنشاء الهيئة الدولية الانتقالية لغزة (GITA)، كسلطة عليا مؤقتة تضم 7–10 أعضاء دوليين وفلسطينيًا واحدًا.
  • هذه الهيئة تملك السلطة السياسية والقانونية العليا في غزة خلال المرحلة الانتقالية.
  • تشكيل هيئة تنفيذية فلسطينية (PEA) من التكنوقراط لإدارة الشأن اليومي.
  • ربط تسليم الصلاحيات بمسار “أداء” مشروط بإصلاحات في السلطة الفلسطينية.
  • إنشاء وحدة لحماية القيادة بإسهام عربي ودولي.

الميزة البارزة في خطة بلير أنها ترفض التهجير رفضًا قاطعًا. فالنصوص المعلنة تقول بوضوح: “غزة للغزيين”، مع ضرورة حماية حقوق الملكية ومنع أي تغيير ديموغرافي.

لكن الخطة تثير إشكالية جوهرية: فهي تمنح هيئة دولية عليا سلطة فوق السلطة الفلسطينية نفسها. بينما وثيقة نيويورك أكدت أن الحوكمة يجب أن تكون حصريًا بيد السلطة، تأتي خطة بلير لتضع السلطة في موقع “التابع” للوصاية الدولية حتى إشعار آخر .

مشروع “الريفيرا”: وهم التهجير والاستثمار

على النقيض من ذلك، يقدّم دونالد ترمب مشروعه المسمى “الريفيرا”، الذي يبني على فكرة تحويل غزة إلى منطقة استثمارية شبيهة بموناكو. لكن خلف هذه الصورة اللامعة تختبئ معالم مقلقة:

  • وصاية أميركية لعشر سنوات على غزة.
  • إعادة توطين واسعة للفلسطينيين خارج القطاع، تحت غطاء “طوعي” وبحوافز مالية ورموز رقمية.
  • بناء مدن ذكية على أنقاض المخيمات.

وثائق واشنطن بوست كشفت عن مخطط بعنوان GREAT Trust، أعدته شركات استشارية، يقترح وصاية أميركية مع تحويل السكان إلى “لاجئين مُعاد توطينهم” في مناطق أخرى. هذا المشروع قوبل برفض عربي ودولي قاطع، وخاصة من السعودية التي أكدت أن أي إعادة إعمار مشروطة بمسار دولة فلسطينية، لا بمخططات تهجير.

إسرائيل: بين الرفض العلني والمناورة الخفية

الموقف الإسرائيلي يتسم بازدواجية واضحة، ففي العلن رفضت وثيقة نيويورك وهاجمتها بوصفها منفصلة عن الواقع. لكنها في الكواليس تابعت خطة بلير بجدية، لأنها تستبعد حماس وتمنحها فرصة للمناورة الأمنية والسياسية.

وزراء من اليمين المتطرف، مثل بتسلئيل سموتريتش، تحدثوا عن غزة كـ “فرصة عقارية”، ما يعكس ذهنية ترى في الدمار مشروعًا استثماريًا بدل أن تراه أرضًا لشعب تحت الاحتلال. في المقابل، صرح مسؤولون مثل رون دَرمَر بأن إسرائيل لا تريد احتلال غزة ولا تهجير سكانها، لكنها تريد ضمانات أمنية صارمة قبل أي انتقال سياسي.

أوروبا والعالم: دعم الشرعية وتوجس من بلير

الاتحاد الأوروبي رحّب بوثيقة نيويورك باعتبارها المسار الواقعي الوحيد، وأكد أن أي دعم مالي أو إعادة إعمار مشروط بعودة السلطة الفلسطينية. في المقابل، يُنظر إلى خطة بلير بتوجس: صحيح أنها ترفض التهجير وتقدم آلية انتقالية، لكنها تُطيل أمد الوصاية الدولية وقد تُضعف شرعية السلطة بدل أن تعززها.

أما الولايات المتحدة، فبينما تبارك خطة بلير وتمنحه تفويضًا غير رسمي، فإنها لم تُظهر حتى الآن استعدادًا لممارسة ضغط جدي على حكومة نتنياهو للقبول بالوثيقة الأممية.

مقارنة جوهرية بين المسارات الثلاثة

  • وثيقة نيويورك: شرعية واضحة، عودة السلطة الفلسطينية، بعثة استقرار دولية مؤقتة.
  • خطة بلير: وصاية دولية عليا مؤقتة، تسليم مشروط بالأداء، رفض التهجير.
  • مشروع الريفيرا: وصاية طويلة الأمد، إعادة توطين، تغيير ديموغرافي مرفوض.

المساران الأول والثاني قد يلتقيان إذا تم تعديل خطة بلير لتعمل تحت مظلة السلطة الفلسطينية لا فوقها. أما المسار الثالث، فهو خارج القانون الدولي والإجماع العالمي.

وصاية أم شرعية؟

اليوم تقف غزة أمام مفترق طرق تاريخي. إما أن يُعاد الاعتبار للسلطة الفلسطينية وفق وثيقة نيويورك، كإطار شرعي ووحيد، مدعوم بقرار دولي ملزم، أو أن تُدفع نحو مسار وصاية جديدة عبر خطة بلير، أو حتى نحو وهم خطير باسم “الريفيرا”.

إن مستقبل غزة لن يُبنى على وصايات جديدة ولا على أحلام استثمارية مشبوهة، بل على وحدة الأرض والشعب تحت سلطة فلسطينية شرعية، مدعومة بإرادة دولية حقيقية. فغزة للغزيين، وفلسطين لأبنائها، وأي طريق آخر ليس إلا وصفة لإطالة المأساة وتأجيل الحل.

زر الذهاب إلى الأعلى