أقلام وآراء

طريق الحرير الجديد والمواجهة الهندية الباكستانية!

 

بقلم: خليل حمد

لم ينزع اتفاق “وقف إطلاق النار” بين الهند وباكستان فتيل التوتر في المنطقة الآسيوية، المشتعل منذ استقلال البلدين عن بريطانيا عام 1947، لكنه أنهى جولة من القتال، وأنذر في نفس الوقت بأن الجمر تحت الرماد جاهزٌ للاشتعال من جديد في أي وقت يريده “أصحاب مصالح اللعب بالنار” في تلك الجغرافيا الحساسة، والتي صُممت لتبقى “حساسة” بيد البريطانيين الذين تركوا نواة التدخل الاستعماري في كل مكان احتلوه، ولنا نحن العرب في “سايكس – بيكو” خير دليل.

التصعيد الأخير بين باكستان والهند بدأ بـ “مبررات” أمام الرأي العام. هجوم على موقع سياحي شهير في الجزء الهندي من كشمير في أواخر نيسان/ أبريل الماضي، أسفر عن مقتل 26 مدنياً، واتهمت الهند جارتها النووية باكستان بالتورط فيه، وجاء الرد الهندي باستهداف الأراضي الباكستانية، فقتل 31 شخصاً وإصابة 57 آخرين. لكن الأمور تطورت عندما دخلت الأسلحة الثقيلة في المعركة، تزايدت الخسائر البشرية والمادية للطرفين.

استشعرت الصين خطر النزاع الملتهب فوراً، فشددت خارجيتها على “ضرورة إعطاء الأولوية للسلام والاستقرار والمحافظة على الهدوء وضبط النفس والعودة إلى مسار التسوية السياسية بالطرق السلمية وتجنّب القيام بأي تحرّكات تؤدي إلى تصعيد التوتر أكثر”. الحديث عن ضرورة ضبط النفس ورد في دعوة لمجموعة الدول السبع “إلى التهدئة الفورية ونشجع البلدين على الانخراط في حوار مباشر للتوصل إلى حل سلمي”.

ثلاثون دولة دخلت على خط الوساطة، من بينها المملكة العربية السعودية وتركيا، لكن الأخطر كان الدور الأمريكي في التوصل للاتفاق. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحدث مع رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، و”عرض المساعدة الأميركية في بدء محادثات بناءة” لتجنب أي صراعات مستقبلية. لا يبدو مشبوهاً في الأمر إلا أن الدور في وقف إطلاق النار جاء أمريكياً، ومن يعرف التاريخ الأمريكي يُدرك تماماً أنه ليس غريباً على واشنطن أن تفتعل حروباً أو معارك كي تزيد مستوى تدخلاتها في المنطقة بذريعة “إخماد المعركة”.

الإعلان “المفاجئ” عن وقف النار في ذروة احتدام الصراع العسكري بين الجانبين، يشير بالتأكيد إلى مستوى النفوذ الأمريكي لدى الجانبين، ورغم تقليل الهند من دور الوساطة الأمريكية، إلا أن شكر رئيس الوزراء الباكستاني للرئيس ترامب وإدارته أوضح حقيقة الدور الأمريكي. رسالة من واشنطن إلى الصين تؤكد السيطرة على أحد الخطوط الرئيسية في مشروع “الحزام والطريق” نجحت واشنطن إذا في إيصال هذه الرسالة.

الشكر الباكستاني الصريح لإدارة ترامب له دلالاته أيضاً. تسعى واشنطن إلى استعادة دورها ونفوذها في باكستان بعد تجربة مريرة عاشتها تلك المنطقة الآسيوية بعد احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان، ما سحب البساط تدريجياً وجزئياً من تحت الأقدام الأمريكية لصالح النفوذ الصيني في باكستان تحديداً، التي تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً جعل منها إحدى الدول الأساسية المشاركة في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، من خلال ممر اقتصادي يهدف إلى ربط البلدين (الصين وباكستان) عبر مشاريع بنى تحتية متعددة أبرزها طريق بري يربط مدينة كاشغر في الصين بميناء كوادار في باكستان.

العامل العسكري كان مهماً أيضاً في مقاربة الأمريكي وسرعته في الضغط لأجل الاتفاق. يكفي أن نعلم أن باكستان تمكنت باستخدام طائرات “جي 10 سي” المقاتلة الصينية من إسقاط طائرات مقاتلة هندية من بينها “رافال” الفرنسية الصنع. فهم الأمريكي تماماً أن السماح لباكستان بتحقيق إنجازات عسكرية باستخدام أسلحة صينية سيؤدي إلى تعميق علاقات التجارة التسليحية بين بكين وإسلام أباد، وبالتالي زيادة النفوذ الصيني في باكستان، وهو ما لا تريده واشنطن بوضوح، كما أنه سيؤدي إلى التسويق للمقاتلات الصينية في العالم أجمع، وهو أحد الكوابيس الأمريكية التي كان يجب أن تتوقف.

الأمر لم يقتصر على ذلك، بل إن المصادر تشير إلى موافقة واشنطن على منح إسلام أباد قرضاً من صندوق النقد الدولي مقابل موافقتها على وقف إطلاق النار، وذلك يبرر الترحيب الباكستاني الحار بالوساطة الأمريكية في مقابل البرود الهندي إزاء هذا الدور، لكنه يعكس أيضاً مستوى القلق الأمريكي من تزايد النفوذ الصيني الروسي في باكستان التي تتميز بموقع جغرافي استراتيجي وعوامل قوة أكبر مما يعرفه البعض.

زرعت واشنطن من جديد في اتفاق وقف النار هذا حصان طروادتها المسمى “المساعدة الأميركية في بدء محادثات بناءة” بين الجارتين النوويتين. لكن محاذير الأمر بدأت بالظهور عبر البرود الهندي في التعاطي مع الفكرة، رغم العلاقات المتقاربة بين الهند والولايات المتحدة. تصر نيودلهي على أن أي محادثات حول القضايا المتنازع عليها بين البلدين الجارَين يجب أن تُحل بحوار مباشر بينهما، ودون وساطات. ربما تخشى الدولة الأقوى في شبه القارة الآسيوية الجنوبية، والعملاق الاقتصادي المتنافس مع الصين، أن تخرج مفاتيح الأوضاع في جامو وكشمير (المناطق المتنازع عليها والمرشحة للاشتعال) من أيدي صاحبَي العلاقة، وهي في ذلك محقة بالتأكيد، لكن السؤال: هل تكفي الإرادة الهندية لكبح جماح التدخل الدولي، الأمريكي تحديداً؟

عام 1971 تعرضت باكستان لأكبر “خيانة” غربية في تاريخها، عندما دعم الغرب انفصال بنغلاديش (الجناح الشرقي لباكستان والتي تحوي نحو 60% من تعداد السكان وقتها)، حينها غيرت باكستان كثيراً في طريقة تعاطيها مع الصراعات المحيطة بها، وأدت بها الأمور إلى امتلاك القنبلة النووية.

في العام 2025 تبدو الصورة مقلوبة، ففيما تسعى باكستان لتعزيز تحالفاتها التي لا تروق كثيراً للغرب، وللاستفادة إلى الحد الأقصى من موقعها الجغرافي والاستراتيجي، يبدو أن الغرب والولايات المتحدة تحديداً لن تترك هذه المنطقة مستقرة لوقت طويل، أقله لن تسحب فتيل الأزمة دون أن تحصل على “مكاسبها” في مواجهة الصين.

الكرة اليوم في ملعب دول شبه القارة الهندية كي تثبت وتثبِّت استقلالها وقدرتها على حل أزمات صعبة ومعقدة وجوهرية، أبرزها الأرض وموارد المياه عبر نهر السند وفروعه أزمات اسمها المتداول “كشمير”.

زر الذهاب إلى الأعلى