أقلام وآراء

الغرب يضع تسعيرة للبشر ضمن منظومة قيمه

 

بقلم: حسني شيلو

لماذا لا نسعى لتطوير النقد الإيجابي؟ ولماذا ما زلنا نحلل ما حولنا من سياسات خارجية تجاه قضيتنا الفلسطينية من منظور تقليدي؟ ربما لاعتبار أن ذلك التحليل يقدم لصانع السياسية الخارجية فرصة للتحرك  الصحيح ، لكنه في الواقع فإنه يدور في حلقة مفرغة حول ذاته ، ولا يقدم جديدا لأن مدارسه انطلقت من صلب الآباء المؤسسين لفكرة الاستعمار والإمبريالية التي ترى بقيمها ونموذجها الغربي اصل الحكاية ،  وعلى سبيل المثال فإن سياسية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية بالمنظور التقليدي قائمة على العلاقات المصلحية وضغط اللوبي الصهيوني،  لكن من منظور نقدي فهي أعمق من ذلك ، وأن فكرة تفوق الأبيض صاحب القيم وتحالف المسيحية مع الصهيونية وترابط الفكر والثقافة أقوى من المصلحة فهي ثابتة ومتأصلة ولن تتغير.

من هنا تبرز حاجتنا للتفكير النقدي في الأسس التي تربط بين الشعوب والدول ، فمن قال أن الاستعمار قد رحل عن العديد من البلدان عليه مراجعة ذلك ، فالبنى مازالت قائمة والعلاقات متشابكة، أن شبكة المصالح قد تتغير تبعا لمصلحة الدولة من قضية معينة أو لتغير صانع قرارها السياسي ، لكن شبكة الروابط المتعلقة بالحضارة والقيم والتي تعززها سياسيات ما بعد الاستعمار ثابتة ، وهذا قد يفسر  ويجيب على سؤال لماذا بعد كل هذا العدوان على غزة مكتمل الأركان لم و لن نسمع إلا أصواتا قليلة من الغرب تنادي بوقفه ، ولا نرى تحركا عربيا واسعا ، وغياب اسلامي ، في الأولى فانمن يقوم بالمذبحة هو صاحب القيم العالية حسب نظرهم المدافع أيضا عن منظومة أخلاقية وقيمية غريية، وهي من تضع تسعيرا للبشر، في الثانية فإن الاستقلال للدول العربية والإسلامية لم يجلب معه انتهاء الاستعمار بل مما زالت جذوره راسخه في البنى.

فدولة مثل جنوب أفريقيا تحركت لنصرة غزة بكامل عتادها القانوني وفتحت معركة قانونية في محكمة العدل الدولية لتضع المحكمة أولا أمام اختبار جدي فهل تكون قادرة على تجاوز قضية العرق وإصدار قرارا على “قيم غربية” تمثل النموذج وليس فقط على أشخاص كما أن تحركها نابع من الشعور الوطني والهوية المشتركة بمحاربة الاستعمار والابرتهايد الذي اكتوت بناره.

وفي المضمار الرحب حيث التعلم من المهد إلى اللحد فإننا ونحن تتلمذ على أيدي أساتذة العلوم السياسية من الرؤية النقدية أمثال د.اميرة ابو سمرة ود. سماح عبد الصبور في جامعة القاهرة ونأخذ من العلم السياسي، كما نأخذ من الأخلاق والقيم التي ايضا تغيب عن عالم السياسة الغربي طالما أنها لا تتوافق مع قيمه، كما هو الحال من محاولة صنع عدو قادم تروج له أمريكا ومنظومتها الغربية تحت شعار (هل سيكون الصعود الصيني سلميا؟ ، يتجذر الإدراك الفعلي للرؤية النقدية بتعمق باتجاه دراسة السياسة الخارجية بعيدا عن الرؤى التقليدية التي تجعلك كمن يتناول الوجبة السريعة الأمريكية فلا تغني ولا تسمن من جوع، بل وتضر بصحة اكلها.

فالدراسات النقدية بمثابة العدسة التي تسلط الضوء للكشف عن التحيزات والممارسات العنصرية في السياسية الخارجية ، ما يعني أن تشجيع الدراسات النقدية ضرورة ليست في السياسة فقط بل بكافة جوانب الفكر بات أمرا لا بد من العناية به في الحقل الأكاديمي ونقله بنجاح إلى الواقع العملي في عالم يموج بالنفاق والرياء ونحت المصطلحات وإلصاق الصفات المضللة والخادعة ضم حرب (المصطلحات ولغة الخطاب) ، ومن ضمنها ما يتردد عن تسميته “حرب غزة ” ،فهي ليست بحرب بل عدوان يستهدف الأبرياء الذين تسعرهم منظومة الغرب بأقل ثمن ضمن إبادة جماعية وجعلهم حقل تجارب لأسلحته الفتاكة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى