من أوروبا وبروكسل إلى بكين: المستقبل لفلسطين

بقلم: د.فريد اسماعيل
مع استمرار الحرب العدوانية الصهيونية على شعبنا الفلسطيني، وانكشاف زيف السرديات الصهيونية لروايتهم المختلقة ، وخلعهم عن عرش ” الضحية” الذي احتلوه لعقود طويلة ليصطفوا في مقدمة الجلادين والقتلة، نتيجة انقلاب الرأي العام العالمي عليهم جراء ادراك العالم هول المجازر التي يرتكبونها بشكل يومي في غزة والضفة والقدس، والتي لم تستطع تحملها حتى أكثر الشعوب دعما وإسنادا لدولة الاحتلال ، بدأ العالم يتغير، وعادت فلسطين لتحتل الصدارة في اهتمامات دول العالم لا سيما تلك المؤثرة عالميا، ولكل منها بالطبع حساباتها الأيديولوجية والجيوسياسية والاقتصادية.
اليوم ونحن على مشارف الشهر التاسع لهذه الحرب الهمجية، لم نعد في مرحلة بداية التحول العالمي تجاه فلسطين، بل نحن في قلب هذه العاصفة. فقد بدأت التطورات والمتغيرات لصالح فلسطين تتسارع مع كل يوم وساعة.
من هذه التطورات خلال الأيام القليلة الماضية هو الاجتماع الأوروبي العربي في بروكسل الاثنين الماضي، الذي بحث واقع الحرب ومستقبل السلام بالتزامن مع اعتراف اسبانيا وايرلندا والنرويج بدولة فلسطين وإصدار المحكمة الدولية أمرا لإسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في رفح على الفور.
وقبل الدخول في تفاصيل وأهمية ما طرح في الاجتماع ، كان لافتا جدا تصريح وزيرة الخارجية الألمانية التي تحدثت عن أن قرارات محكمة العدل الدولية ملزمة ويجب أن تنفذ ، علما بأن ألمانيا هي من أكثر الدول الاوروبية الداعمة لدولة الاحتلال حتى على المستوى التسليحي. هذا الموقف من وزيرة خارجية ألمانيا يظهر بوضوح حالة الحرج والإرباك لدى الإدارة الألمانية خاصة مع تصاعد ضغط الشارع الألماني المتعاطف مع فلسطين والرافض للموقف الرسمي الألماني الداعم لدولة الاحتلال. أما جوزيف بوريل مفوض السياسات الخارجية الأوروبي فقد كان أكثر جرأة حين أدان الهجوم الإسرائيلي على رفح وضرورة الالتزام بقرارات محكمة العدل الدولية وأيضا احترام خطوات مدعي عام الجنائية الدولية. والأهم إدانته لإسرائيل في إساءة استخدامها لمفردة “معاداة السامية ” إذ تستخدمها في كل مرة لا يعجب موقف دولي ما حكومة نتنياهو. أما وزير خارجية لوكسمبورغ فعلى ذمة بعض الصحافيين انه شبه في دردشة البعض في أوروبا بالكلاب التي تنبح ولا تعض لأنها بلا أسنان. إذ أن هناك صعوبة في التوصل إلى إجماع أوروبي يتعلق بفرض عقوبات على إسرائيل بسبب عدم امتثالها للقانون الدولي وقرارات المحكمة.
لقد قامت اللجنة الوزارية العربية بعدة جولات ولقاءات خلال أشهر الحرب ، إلا أن الجولة الأخيرة واللقاءات مع الأوروبيين في بروكسل بعد باريس تحمل أهمية استثنائية كونها تأتي في خضم هذه المتغيرات التاريخية. متغيرات ساهمت مع سابقاتها في إجبار اللجنة على امتلاك الجرأة أخيرا لصياغة رؤية موحدة تتضمن مجموعة من المقترحات تم عرضها على الأوروبيين في بروكسل .
وإذا ما تجاوزنا مسألة التمحيص في كل مقترح من الرؤية العربية على حدة ، وبغض النظر عن مدى التفاعل الأوروبي معها ، ومع ادراكنا لرفض النتن ياهو لأي مبادرة أو مقترح يتعارض مع مصالحه ومصير مستقبله السياسي ، إلا أن هناك بندا في هذه الورقة العربية الموحدة حسم مسألة غاية في الأهمية وهو البند الذي دعا إلى تولي المؤسسة الأمنية الفلسطينية مهامها في غزة تحت حكم سلطة واحدة وسلاح واحد ، ومشددا على أهمية مواصلة منظمة التحرير الفلسطينية صلاحياتها السيادية في إدارة ملف المفاوضات .
صحيح أن هذه اللجنة الوزارية تضم بين صفوفها ممثلين لدولتين عربيتين لطالما تآمرتا على القضية الفلسطينية وعلى منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية تارة بتعزيز الانقسام عبر تقديم دعم مالي غير محدود لحركة حماس وبشكل منتظم عبر مطار بن غوريون، بالتوازي مع محاولات حثيثة لخنق السلطة الوطنية بعرقلة التمويل و الدعم المالي، ناهيك عن محاولات خلق البدائل التي باءت جميعها بالفشل. إلا أن هذا الفيضان من المتغيرات العالمية لصالح فلسطين ، والجو العام السائد لدى الأسرة الدولية ، شكل احراجا لهذه الدول واجبرها على الخضوع لواقع أنه لا يمكن تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية وحصرية تمثيلها لشعب فلسطين، وبالتالي ركوب قطار الورقة العربية التي قدمت للأوروبيين باعتبارها موقفا عربيا موحدا.
لا شك بأن مخاطبة العرب للأوروبيين بموقف واحد وورقة عمل ورؤية موحدة تؤكد على دور منظمة التحرير الفلسطينية ، يمثل جهدا ايجابيا له تأثيره على المستوى الدولي ، خاصة وأنه يأتي في خضم اعترافات دولية متلاحقة بدولة فلسطين نتج عنها جنون إسرائيلي وصل إلى حد اتهام إسرائيل لرئيس الوزراء الإسباني بالتواطؤ والتحريض على إبادة اليهود.
ومما يرفع من وتيرة الجنون الإسرائيلي هو انعقاد المؤتمر العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي في ٣٠-٥-٢٠٢٤ بحضور قادة بعض الدول العربية ومنهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث يبحث المنتدى مسألة إحلال السلام وحل الدولتين، إلى جانب العلاقات الاقتصادية. فالحضور العربي الرفيع يعكس مستوى الشراكة المتنامي بين الصين والدول العربية في السنوات الأخيرة، لا سيما وأن الصين تسعى للانخراط بشكل أكبر في القضايا السياسية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط ، مما يعطي دفعا للموقف الفلسطيني . فالصين واضحة في دعمها المطلق للحقوق والثوابت الفلسطينية ، مما يزيد من عزلة إسرائيل بالتزامن مع عزوف شعوب العالم ودوله عن دعمها.
مع كل يوم تتراكم المتغيرات لصالح فلسطين وشعبها، ويضيق الخناق على دولة الاحتلال، ولم يتبقى لهم سوى الولايات المتحدة الأمريكية التي تفقد اليوم ثقة جيل شبابها الجامعي بعد أن فقدت ثقة معظم شعوب ودول العالم.
تتفاقم الأزمات داخل دولة الإحتلال بشكل غير مسبوق وإسرائيل في عزلة. والمستقبل حتما لفلسطين ومشروعها الوطني مهما بلغت سوداوية المشهد اليوم.