النكبة ما بين أيار ١٩٤٨ وايار ٢٠٢٤

د.فريد إسماعيل
ستة وسبعون عاما على نكبة عام ١٩٤٨ والحدث واحد. عدو يحترف القتل والابادة، وشعب عصي على الخنوع والاندثار. فالقصص الشخصية للنازحين اليوم من منطقة إلى أخرى في قطاع غزة وصراعهم المؤلم مع القتل والجوع والمرض، لا تختلف كثيرا عما عاناه أهلنا في نكبته عام ١٩٤٨، حين اجبروا على النزوح من مدنهم وقراهم وبيوتهم بعد تدمير العديد من تلك القرى والبلدات على يد العصابات الصهيونية التي مارست القتل وارتكاب المجازر بنفس عقلية ومنهجية اليوم. فعقلية المجرم لا تتبدل، وانما يرتفع منسوب الحقد والرغبة في القتل لديه مع تطور تقنياته العسكرية وقدراتها على التدمير الشامل والقتل الجماعي.
العصابات الصهيونية المسلحة التي ارتكبت عشرات المجازر وقتلت عشرات الآلاف من السكان الآمنين في وطننا الفلسطيني من أطفال ونساء وشيوخ عام ١٩٤٨، هي ذاتها اليوم تقوم بإبادة جماعية بحق أهلنا في غزة، وتمارس القتل الممنهج والتطهير العرقي في الضفة الغربية والقدس. تبدلت الأسماء والقاتل واحد. كان اسمه شتيرن وارغون والهاغانا وسواهم، واليوم تبدل الاسم الى جيش الدفاع بألويته المدججة بأحدث آلات الإجرام والقتل، والمؤدلجة بفكر يميني ديني وصهيوني متطرف، عماده التخلص من كل أبناء شعبنا بدءا من الأطفال والنساء وحتى آخر فلسطيني. فكل فلسطيني بنظرهم يمثل خطرا وجوديا، والفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت.
فأثناء نكبة ١٩٤٨ ارتكبت العصابات الصهيونية عشرات المجازر التي راح ضحيتها عشرات الآف المدنيين الفلسطينيين العزل في مختلف القرى والبلدات والمدن . ورغم المحاولات الإسرائيلية لإخفاء وطمس حقيقة تلك المجازر والمذابح، إلا أن شواهد تاريخية كالمقابر الجماعية وحتى شهادات لجنود إسرائيليين شاركوا في ارتكاب هذه المجازر ظلت دليلا دامغا على وقوعها. مجزرة دير ياسين في نيسان من العام ١٩٤٨ التي ارتكبتها جماعتا ارغون وشتيرن وراح ضحيتها أكثر من ٢٥٠ من أبناء شعبنا جلهم من كبار السن والنساء والأطفال، ومجزرة بوابة يافا في مدينة القدس في كانون الثاني وأسفرت عن استشهاد ثمانية عشر فلسطينيا وجرح أعداد كبيرة، ولم يكن آخرها مجزرة السرايا العربية في مدينة يافا في كانون الثاني حين فجرت عصابات صهيونية سيارة ملغومة قرب مبنى السرايا العربية والذي كان يضم مقر اللجنة القومية العربية وأسفرت عن استشهاد سبعين شخصا وإصابة العشرات. وتوالت المجازر في الأعوام اللاحقة: مجزرة مخيم البريج عام ١٩٥٣، ونحالين عام ١٩٥٤ ، ومذبحتي غزة الأولى والثانية العام ١٩٥٥ ، والقائمة تطول.
هذه المجازر وغيرها العشرات ، لا تمثل مجرد حدث تاريخي، بل عقيدة صهيونية نراها تتكرر اليوم في فلسطين وفي قطاع غزة بشكل خاص، ولا تختلف فيما بينها إلا في تنافسها في مستوى الوحشية وحجم الدمار وأعداد الشهداء والضحايا ، وصفحات التاريخ لا تزال مفتوحة.
عام ١٩٤٨ لم يكن هناك سوشال ميديا أو وسائل تواصل اجتماعي قادرة على التفلت ونقل الحقيقة. كما أن الإعلام التقليدي في تلك الأزمنة كان محصورا ببعض الوكالات العاملة مع الاحتلال وصانعيه. لكن رغم ذلك تم توثيق أكثر من ٥١ مجزرة ارتكبتها العصابات الصهيونية ، وتدمير ٥٣١ قرية وبلدة ومدينة فلسطينية بالكامل.
الفارق بين نكبة الأمس واليوم، وجود وسائل إعلام لا يمكن السيطرة عليها بشكل كلي، وبفضلها يشاهد العالم عمليات الإبادة والقتل الممنهج وهدم البيوت على رؤوس أصحابها. يراقب العالم كيف يقضي الأطفال بسبب القصف والجوع، والخدج بسبب انقطاع الأوكسجين والكهرباء، والمرضى والجرحى بسبب فقدان الدواء وإمكانية العلاج.
حين كان أهلنا يحدثوننا عن نكبة ١٩٤٨ ومأساة النزوح واللجوء، كان البعض يعتقد أن هناك بعض المبالغة في التوصيف. لكن ما يحدث اليوم من نكبة جديدة يجعلنا ندرك أن ما كان يحدثنا به آباؤنا هو أقل من الحقيقة، فهول المجازر ومرارة اللجوء أصعب من أن توصف بكلمات. فجيش الاحتلال الصهيوني اليوم، كما عصاباته عام ١٩٤٨، يحول حياة أبناء شعبنا إلى رحلة عذاب يومية مع شروق شمس كل يوم جديد. وكما في زمن النكبة الأولى، ينزح الآلاف من منازلهم المدمرة نحو مخيمات جديدة، يتنقلون في العراء من مكان إلى آخر لإنقاذ أطفالهم من الصواريخ الأمريكية، وتعود مشاهد الخيام وايقاد النار بالأخشاب ووقوف الصغار في طوابير بانتظار وجبة طعام.
لقد فرضت الحرب العدوانية الصهيونية أنماط المجتمعات البدائية المفتقدة لكل أدوات الحياة. انها النكبة الجديدة حيث يوميات النزوح لا تفرق بين أحد، لا غني ولا فقير، ولا صغير أو كبير. وفي توصيفه لنكبة شعبنا قال أحد النازحين من مدينة غزة إلى رفح: ” لقد باتت اسمى أمانينا أن نحظى بموت مريح، المهم أن نجد من يدفننا”، وختم كلامه قائلا:” لم يحدثنا هذه المرة الآباء والأجداد، بل عشنا كل فصولها بأنفسنا، بفظائعها ومآسيها وتغريبتها….وخذلانها، فأنى لشعبنا أن ينسى أو يغفر أو يسامح”.
لقد شكلت نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ أكبر عملية تطهير عرقي شهدها القرن العشرين، استنادا إلى ما وثقه مركز المعلومات الوطني الفلسطيني. وفي فلسطين تتجسد ملامح الصراع بين مشروعي الخير والشر، والحق والباطل. بين المشروع الصهيوني رأس حربة المشروع الغربي القائم على الاحتلال والابادة والتطهير العرقي، والمشروع الفلسطيني الثابت المتمسك بالأرض والوطن والحق في الحرية والاستقلال والعودة وإقامة الدولة.
في المحصلة، لا يمكن لأي قوة مهما بلغت من بأس وطغيان أن تقضي على شعب تصقله النكبات رغم الجراح، وترتسم في قلوب أطفاله خارطة الوطن مع الولادة.