أقلام وآراء

الحرب العدوانية..  بين الثمن الباهظ وسياسات التخوين

 

بقلم: د. فريد إسماعيل

وغدا، حين تضع الحرب أوزارها، سيخرج علينا البعض ليعلن نصرا الهيا، وربما سيقف على أنقاض مبنى أصبح مقبرة لقاطنيه ليعلن هذا النصر المبين، وسيكاد يقنعنا أن كل هذا الدمار الشامل في كل شبر من قطاعنا المنكوب، إنما هو في تل أبيب ومدن الاحتلال وليس في القطاع، وسينتهي به المطاف إلى اقناعنا بأن بقاءه في السلطة يستحق كل هذه التضحيات.  أما إن لم تمكنه نتائج الحرب من الوقوف على بقايا البيوت والحيطان والجثث المتحللة تحتها، فسيقف خلف عشرات الميكروفونات في أحد الفنادق الفارهة في إحدى عواصم أولياء نعمته ليشبع رغبات اوهامه.

هذه الصورة المأساوية تعيدنا الى سؤال مركزي واساسي: أولم يكن لزاما عليهم العمل مع كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني لتوحيد الرؤى، والتوافق على أشكال النضال الواجب ممارستها استنادا إلى طبيعة المرحلة والظرف التاريخي.  أم أن حلم المشروع الإخواني والارتهان لهذا المحور الاقليمي أو ذاك أهم بكثير من الوجود الفلسطيني، مع معرفتهم حق المعرفة أن إنهاء الوجود الفلسطيني هو الحلقة الأساس في المشروع الاستراتيجي الصهيوني.

لقد عرف تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الكثير من الاحباطات كما عرف أيضا الكثير من الانجازات.  وإذا ما أخذنا الفترة الزمنية الممتدة من بداية القرن الماضي وحتى يومنا، نجد أن شعبنا الفلسطيني قد برع في اختيار شكل النضال الذي يتوائم مع ظروف الواقع الذي يعيشه كما مع واقع محيطه العربي والدولي وطبيعة موازين القوى، مما مكنه من الاستمرار حتى يومنا هذا، وبقيت قضيتنا هي القضية المركزية، لم تمت ولم تضمحل كغيرها من القضايا على مر السنين والعقود. فشعبنا في فهمه لأهمية اختيار التوقيت لممارسة اشكال النضال المختلفة، خاض المعارك في الميدان العسكري كما في السياسة والإعلام وفي المقاومة الشعبية والانتفاضات وفي السجون والتعبئة الجماهيرية وفي المؤسسات الدولية والعلاقات مع الدول وتأليب الرأي العام، كما في الاعتصامات والتظاهرات والمفاوضات وثورات الأمعاء الخاوية وغيرها الكثير.

 

يريدون محو تاريخ شعبنا النضالي وكأن فلسطين بدأت معهم وتنتهي معهم، متنكرين لحقيقة أنهم ما كانوا ليوجدوا في الأصل على أرض فلسطين لولا النضال التراكمي المرير للحركة الوطنية الفلسطينية ولفصائل الثورة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية والذي سمح بعودة فصائل العمل الوطني إلى غزة والضفة، ونشوء او تطور حركات أخرى في ظل إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية لهذه المناطق من وطننا، ومن ضمنها حركاتهم.

هنا لا بد من تذكيرهم بأشكال النضال المختلفة التي مارسها شعب فلسطين. فقد قادت الحركة الوطنية الفلسطينية حملة النضال ضد الانتداب البريطاني على فلسطين عقب اعلان وعد بلفور عام ١٩١٧، وركزت أولا على المقاومة السلمية للانتداب ولمشاريع الحركة الصهيونية بحق أرض فلسطين.  وبعد تصاعد الأوضاع وصلت إلى اندلاع ثورة البراق عام ١٩٢٩، ولاحقا الثورة الفلسطينية الكبرى عام ١٩٣٦ والتي استمرت حتى عام ١٩٣٩. فقد كانت الحركة الوطنية الفلسطينية هي الأداة التي يطل بها الشعب الفلسطيني على العالم بأهدافه ومطالبه السياسية في ذلك الوقت، ومكانا لتوحيد الصفوف والنضال من أجل حق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.

نقدم هذا الاستعراض لأولئك الذين يعتقدون أنهم أصحاب الفرادة في النضال والمقاومة والذين لا هم لهم سوى تخوين كل من لا يتوافق مع اجندتهم، علهم يتذكرون أن المقاومة الشعبية الفلسطينية ارتبطت عضويا وتاريخيا بالحالة الفلسطينية منذ ظهور المشروع الاستيطاني الصهيوني الكولونيالي بعد الحرب العالمية الأولى، وشهدت تحولات مرنة في الأشكال والأساليب.  وحين أصبحت كل الظروف متاحة للعمل المقاوم المسلح مع نهضة المشروع القومي العربي، أعلن شعب فلسطين انطلاقة ثورته المعاصرة، والتي كان للعمل المسلح فيها الكلمة العليا خاصة بعد نكسة عام ١٩٦٧، ومن بعدها المزاج الثوري الصاعد على أثر معركة الكرامة في آذار عام ١٩٦٨. وقارعت ثورتنا الفلسطينية العدو وجيشه في كل المحاور وعلى كل الجبهات.

إلا أن المقاومة الشعبية بأنواعها وتجلياتها المتعددة لم تغادر الساحة النضالية، بل سارت على التوازي مع المقاومة المسلحة مساندة وحاضنة ورائدة لها.

وهنا لا بد من توجيه الأسئلة للمرتهنين للمشاريع والاجندات اللاوطنية، هل الاحتجاج الشعبي الميداني والالتحام الشعبي الذي يشكل فعل عمل ميداني له أدواته من استخدام الحجارة والزجاجات ورفع العلم الفلسطيني أو التوشح به والاضرابات والعصيان المدني لا يرقى لديكم إلى مستوى المقاومة والنضال! وهل تعرية دولة الاحتلال وجيشه البربري أمام الرأي العام الدولي حين يواجه أطفالنا ونساءنا هو خيانة وطنية طالما لا تتم المواجهة بالسلاح الذي ينتظره الاحتلال كمبرر لتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها وتحقيق حلمه بالتهجير من الضفة! وهل مواجهة شبابنا ورجالنا وشيوخنا وامهاتنا للاحتلال ومستوطنيه في بيتا ونابلس وبيت دجن وكل مناطق التماس في الضفة الغربية والقدس وسقوط الشهيد تلو الشهيد وعلى مدى سنوات هو ايضا خيانة!!  على فاقدي البصيرة أن يتذكروا أن الحجر في انتفاضة أواخر العام ١٩٨٧ كان أقوى وأكثر فتكا من كل أسلحة الاحتلال.

لقد تعرضت فلسطين على مدى التاريخ لاحتلالات من الحيثيين والاشوريين والبابليين والفرس والرومان والمماليك والعثمانيين والبريطانيين والصهاينة وغيرهم، لكن ظل الكيان الفلسطيني محتفظا بوجوده بفضل نضال شعبنا. واليوم ورغم النكبة الجديدة، سيبقى شعب فلسطين متجذرا بأرضه وكيانه، ومحتفظا برمز كيانيته منظمة التحرير الفلسطينية. فمن يقوم بتخوين المنظمة أو أي من أطرافها أو رموزها لمجرد الاختلاف حول شكل النضال الواجب اتباعه او طريقة إدارة الصراع، يجب أن يطرح حوله وحول أهدافه ألف سؤال.

عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى