الموقف الرسمي التركي بين حرب الابادة وحلم الإمبراطورية

بقلم: د. فريد اسماعيل
يبدو أن مجمل الأحداث والمتغيرات التي يشهدها العالم والمنطقة العربية خلال العقود الأخيرة قد ايقظت لدى بعض الدول الإقليمية أحلام امبراطورياتهم الغابرة المندثرة وفي قلبها فلسطين. ففلسطين رغم صغر مساحتها عادت لتتصدر قضايا العالم واهتمامات كبرى الدول بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة الصهيونية. وذلك بحكم هول المجازر التي ترتكبها إسرائيل والتي لم يشهد التاريخ لها مثيلا، وأيضا بحكم موقع فلسطين الجغرافي والذي تمر من خلاله او بمحاذاته المشاريع الاقتصادية العالمية العملاقة والتي من شأنها أن تغير خرائط مسارات الاقتصاد العالمي كمشروع الحزام والطريق الصيني، ومشروع التوابل الهندي المرتبط بمشروع قناة بن غوريون، وبحكم كون فلسطين تشكل حلقة وصل بري وبحري بين قارات ثلاث افريقيا وآسيا وأوروبا. لذلك فقد تقدمت القضية الفلسطينية على ما غيرها حتى من حروب كبرى في مناطق أخرى من العالم. فمنطقتنا ترسم معالم النجاح والفشل ضمن متغيرات العالم الجديد.
انطلاقا من تلك المعطيات، سارعت بعض الدول الاقليمية، وضمن استراتيجيتها منذ عقود، والقائمة على استغلال حالة الوهن والضعف والانقسامات في العالم العربي، لتثبيت أقدامها في هذا الجزء من الوطن العربي أو ذاك، إلى محاولة الإستثمار في مأساة شعبنا الفلسطيني، تارة بخطابات لفظية بلاغية، وتارة أخرى بشبه حروب محددة المعالم لا تخرج عن إطار قواعد الاشتباك إلا فيما ندر. أما بعضهم الآخر، ففي الوقت الذي يدعو فيه إلى محاكمة إسرائيل على جرائمها، تستمر سفنه في الرسو في الموانئ الإسرائيلية محملة بكل ما يحتاجه الكيان من بضائع.
فالحلم التركي يعود إلى أزمان الى الوراء، حين كانت الدول العربية جزءا من الإمبراطورية العثمانية، مما أدى إلى تشابك في العلاقات الثقافية والدينية والسياسية بين الطرفين.
لكن بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى شهدت العلاقات تغييرات جذرية وأعلنت الجمهورية التركية عام ١٩٢٣ بقيادة مصطفى أتاتورك مما أدى إلى تغيير النظام السياسي والاجتماعي في تركيا، وتم تقسيم الأراضي العربية بين قوى الاستعمار الأوروبية.
ومع صعود الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى السلطة وتحويله النظام الى رئاسي محكم، وهو المعروف بتأثره بالتاريخ العثماني، ورغبته في إحياء بعض جوانب الإمبراطورية العثمانية في السياسة التركية المعاصرة، ينظر إلى هذا التوجه على أنه جزء من سياسة خارجية أكثر نشاطا في المنطقة، والتي تشمل التدخل في الصراعات الإقليمية وتعزيز النفوذ في دول المنطقة والتي يمكن من خلالها محاولة لعب دور أكبر في السياسة الدولية. ومن هنا تأتي التدخلات التركية في سوريا وليبيا والعراق وأذربيجان وبعض دول البلقان والشرق الأوسط.
فالموقف التركي من العدوان على فلسطين والمتناقض بين القول والفعل، سبقه وبسنوات خطوات تركية زادت الهوة والانقسام بين دول العالم العربي. فالاتفاق التركي الليبي والمعروف باسم اتفاقية ترسيم الحدود البحرية والموقع مع حكومة الوفاق الوطني الليبية عام ٢٠١٩ إنما يعطي السيادة لتركيا فعليا على مناطق بحرية هي حق لدول عربية أخرى. فقد التفت تركيا في هذا الاتفاق على الاتفاقيات السابقة التي وقعتها مصر مع قبرص، بالإضافة للتفاهمات المصرية مع اليونان وإسرائيل حول حدودها البحرية، وهي التغييرات التي قد تضطر قبرص لإعادة صياغة اتفاقياتها الحدودية مع لبنان. وبذلك اقتطعت تركيا جزءا من كعكة غاز شرق المتوسط، رغم أن مصر وقبرص واليونان اعتبروا الاتفاقية التركية الليبية معدومة الأثر القانوني. سبق ذلك كله التدخل التركي في سوريا ودعمها لأطراف معينة ذات توجهات إخوانية ودينية متطرفة في الصراع الداخلي، وسيطرتها على مناطق واسعة من الأراضي السورية. كذلك في لبنان ، فقد لوحظ النشاط الواسع التركي تحت مسميات جمعيات انسانية وخيرية لا سيما في الشمال اللبناني.
لقد اختارت تركيا الاردوغانية حركة الاخوان المسلمين والجماعات المماثلة أدوات يمكن استخدامها في تحقيق أهدافها الاستراتيجية بوصفها إطارا دينيا وسياسيا من السهل استثماره للتوغل في المجتمعات العربية على الصعيد الديني ، واستخدامه كقوة سياسية أو حتى عسكرية للتأثير على النظام أو تغييره تحت يافطة تحركات شعبية أو ثورات او ما شابه.
كل ذلك يمكن أن يفهمه المرء في إطار الصراع الإقليمي والدولي على المنطقة. لكن ما لا يمكن لعقل أن يهضمه او يستوعبه هو مسار السياسة التركية في القضية الفلسطينية وصولا إلى حرب الإبادة بحق شعبنا.
فالخطاب التركي المناهض لإسرائيل يتضح في أوقات الخسائر البشرية الجسيمة والقتل الجماعي الذي تقوم به إسرائيل بحق أهلنا في فلسطين، لكنه نادرا ما يعطل النهج التقليدي للسياسة التركية الذي يؤثر على التوازن. فرغم كل ما يحصل خاصة في قطاع غزة، ما زالت تركيا تواصل علاقاتها مع إسرائيل على الأقل اقتصاديا، إن لم يكن سياسيا. وقد أثبتت العلاقات التركية الإسرائيلية أنها مرنة للغاية على الرغم من كل الصعود والهبوط طبقا لطبيعة ومقتضيات المرحلة.
اردوغان الطامع بقيادة العالم الإسلامي، والحالم بعودة بعض من امبراطورية عثمانية، أبدع في اصطناع الأزمات مع إسرائيل منذ عام ٢٠٠٩ عندما انسحب من اجتماع خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بعد اشتباك مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز ، في محاولة لاستيعاب واحتواء الحركات الإخوانية وابناءها وأخواتها الجاهزة للاستخدام ، وارضاءا للقاعدة الشعبية المحافظة في حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه اردوغان. لكن اردوغان نفسه ، وبعد طوفان الأقصى، لم يبخل على إسرائيل في إرسال سفنه المحملة بآلاف الأطنان من الفواكه والخضار والمواد الغذائية لدعم الأمن الغذائي فيها وتعويضا لها على خسارتها للموسم الزراعي في مناطق غلاف غزة ، في الوقت الذي تفرض فيه إسرائيل حصارا كاملا على القطاع حارمة شعبنا من الماء والغذاء. فمنذ اللحظة الأولى لعملية طوفان الأقصى لجأت أنقرة الى إستخدام لهجة محايدة، واقتصر خطابها على الإدانة ودعم حياة المدنيين والتأكيد على التواصل مع كافة الأطراف للمساعدة في إنهاء الصراع.
وعلى الرغم من حدوث تغير ملحوظ وكبير في لهجة الخطاب التركي الرسمي مع استفحال اسرائيل في ارتكابها للمجازر ، وإدانته لممارسات جيش الاحتلال من تجويع وحرب ابادة ، إلا أنها تبقى تدور حول مصالح الاردوغانية التي تحكمها الى حد كبير ما تسمى بالبراغماتية السياسية دون حدود ثابتة أو محددة، وطموح أن تكون تركيا الضامن لأي حل استراتيجي يخدم حلم المكانة الامبراطورية للدولة التركية الجديدة. ومن المخجل أن الدول الاقليمية تنحو منحى الدول الكبرى بالاستثمار في المعاناة والدم الفلسطيني خدمة لمصالحها واطماعها في المنطقة، ويبقى الشعب الفلسطيني هو الضحية.
عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني