الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكل


الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكل: حرب كبرى وأسئلة السلام المؤجلة
بقلم: د. أحمد مجدلاني
تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد في أعقاب العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، وهو تطور لا يمكن فهمه بوصفه حدثاً عسكرياً عابراً أو ردّ فعل ظرفياً على حدث محدد، بل باعتباره محطة متقدمة في سياق استراتيجي أوسع يجري العمل عليه منذ سنوات لإعادة تغيير موازين القوى في الإقليم، فالمشهد الراهن يعكس محاولة واضحة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وتؤسس لمرحلة مختلفة من علاقات القوة والتحالفات، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تثبيت موقعها القيادي في الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع النسبي في حضورها المباشر.
إن حجم الحشود العسكرية الأمريكية التي جرى نشرها في المنطقة، ونوعية القدرات المستخدمة، يشيران إلى أن ما يجري يتجاوز حدود الضربات المحدودة أو الرسائل العسكرية التكتيكية، ويعكس استعداداً لمواجهة واسعة قد تطول وتتعدد ساحاتها، وتدور هذه الحرب في ظاهرها حول جملة من العناوين المعروفة، مثل البرنامج النووي الإيراني، وتطوير منظومات الصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي لإيران وأذرعها في عدد من ساحات المنطقة، غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن الهدف الفعلي يتصل بمحاولة إعادة صياغة معادلات الإقليم بما يضمن تثبيت التفوق الاستراتيجي لإسرائيل وتعزيز موقعها بوصفها القوة الأمنية الأكثر تأثيراً في إطار مشروع ما يسمى «الشرق الأوسط الجديد»، الذي يقوم على إعادة دمج إسرائيل في المنطقة ضمن ترتيبات أمنية وسياسية أوسع وأكثر رسوخاً.
وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران التي تواجه لحظة شديدة الحساسية في تاريخها السياسي المعاصر، فالتطورات التي جرى تداولها حول مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وتشكيل قيادة مؤقتة تمثل منعطفاً بالغ الخطورة في بنية النظام السياسي الإيراني، لأنها تفتح الباب أمام احتمالات متعددة تتراوح بين إعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام، أو تصاعد حالة عدم الاستقرار الداخلي، أو الاتجاه نحو مزيد من التشدد في مواجهة الضغوط الخارجية، وفي المقابل، قد تدفع هذه التطورات بعض مراكز القرار داخل إيران إلى تبني مقاربات أكثر براغماتية أو انفتاحاً تكتيكياً إذا ما رأت أن استمرار الحرب يهدد وجود الدولة وبنية النظام السياسي ومستقبله كنظام أوتوقراطي ديني يقوم على أساس ولاية الفقيه.
تسعى الولايات المتحدة في هذه المواجهة إلى تحقيق جملة من الأهداف، ليس أقلها فرض تغيير ملموس في سلوك النظام الإيراني وإضعاف قدراته الإقليمية، وربما الدفع باتجاه تحولات أعمق في بنيته السياسية على المدى البعيد، غير أن الاستراتيجية الأمريكية تبدو حذرة من الانزلاق إلى سيناريو احتلال مباشر كما حدث في العراق، وهو ما يدفعها إلى الاعتماد على مزيج من الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وعلى نمط من الاستنزاف الطويل الأمد الذي يمكن أن يعيد صياغة التوازنات من داخل إيران، وهي بعكس رغبة الشريك الأصغر نتنياهو الساعي لأسقاط النظام وتعميم الفوضى بالمنطقة لتسهيل هيمنته على النظام الإقليمي الأمني بذريعة حماية دول الخليج.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن إيران ارتكبت بدورها أخطاء استراتيجية أسهمت في توسيع نطاق المواجهة، من خلال محاولة إدارة الصراع بقصفها بالصواريخ دول المنطقة ومنشأتها وبنيتها التحتية الأقتصادية، وكذلك عبر شبكة تحالفاتها الإقليمية وتفعيل أذرعها في أكثر من ساحة في وقت واحد، الأمر الذي أتاح لخصومها توسيع دائرة الاستهداف وتحويل المواجهة إلى صراع إقليمي واسع النطاق، ومع ذلك، تبدو طهران حريصة على إطالة أمد المواجهة بقدر ما تستطيع، على أمل تحسين شروط التفاوض ومنع فرض تسوية قسرية عليها في ظل موازين قوى غير متناسبة.
أما إسرائيل، التي تقود حكومتها الحالية برئاسة نتنياهو هذا المسار التصعيدي، فتنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة ترميم مكانتها الإقليمية بعد سنوات من الأزمات الداخلية والانقسامات السياسية الحادة، كما تسعى إلى استعادة صورة الردع التي تعرضت للاهتزاز، وفتح آفاق جديدة لمسار التطبيع مع الدول العربية وخاصة السعودية، غير أن الحسابات الإقليمية تبدو أكثر تعقيداً مما ترغب به تل أبيب، إذ إن مواقف السعودية والعديد من الدول العربية ما زالت محكومة باعتبارات استراتيجية أوسع تتصل بتوازناتها الإقليمية ومصالحها الوطنية بعيدة المدى.
وتضع هذه الحرب دول الخليج أمام اختبار حقيقي يتعلق بطبيعة موقعها في النظام الإقليمي القادم، فالأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت ببعضها قد تدفعها إلى مزيد من الارتهان للمظلة الأمنية الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته قد تعزز داخلها نزعات البحث عن مقاربات أكثر توازناً تخفف من حدة الاستقطاب، وتعيد التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي بعيداً عن منطق المواجهة المفتوحة، وفي هذا السياق، يبرز خطر إعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي على أسس أمنية صرفة، تتراجع فيها الاعتبارات السياسية والتنموية لصالح تحالفات عسكرية ظرفية تعمّق الانقسامات وتكرّس منطق المحاور.
ولا يمكن فصل كل ما يجري عن تداعياته المباشرة على القضية الفلسطينية، التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراعات إقليمية تتجاوزها ولكنها تؤثر فيها بعمق، فإسرائيل تحاول استثمار هذه الحرب لتهميش القضية الفلسطينية وإزاحتها عن مركز الاهتمام الدولي، عبر إغراق المنطقة في صراع أوسع عنوانه المواجهة مع إيران، وفي ظل هذا المناخ، تسعى حكومة الاحتلال إلى فرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة والقدس والقطاع، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب الإقليمية، ومن محاولاتها تقديم نفسها بوصفها شريكاً أمنياً لا غنى عنه في مواجهة ما تسميه «التهديد الإيراني».
إن هذه التطورات تكشف في الوقت ذاته حدود الرهان على القوة العسكرية وحدها في إدارة صراعات المنطقة، فكل جولة جديدة من الحروب تؤكد أن الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق عبر إعادة توزيع موازين القوة فقط، بل بمعالجة جذور الصراع الأساسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تبقى العقدة المركزية في معادلة الاستقرار الإقليمي.
كما أن هذه اللحظة تشكل اختباراً حقيقياً للقوى الدولية مجتمعة، ومدى قدرتها على لعب دور متوازن في كبح مسارات الانفجار الواسع في المنطقة، فمستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بنتائج المعارك العسكرية الجارية، بل أيضاً بقدرة النظام الدولي على إنتاج توازنات سياسية جديدة تمنع الانزلاق إلى دوامة حروب متكررة، وتفتح الباب أمام مقاربات سياسية تعالج الأزمات المزمنة التي تعانيها.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران من جهة أخرى، بل هو صراع أوسع على شكل الإقليم لعقود قادمة، فالمعادلات تتغير بسرعة، والنظام الإقليمي يدخل طور إعادة تشكل قسري قد يعيد ترتيب مواقع القوى والتحالفات بصورة عميقة، وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، يبقى موقعنا كفلسطينيين منطلقاً من محور شعبنا وقضيتنا ومصالحنا الوطنية العليا، بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية، مع التمسك بضرورة إنهاء الاحتلال، وإنجاز وحدة وطنية قادرة على حماية مشروعنا الوطني التحرري في بيئة إقليمية مضطربة وشديدة التعقيد.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذه اللحظة المضطربة يتجاوز حدود الحرب ذاتها: هل بقي في الإقليم مكان حقيقي للسلام.. وهل ستكتفي الولايات المتحدة بإدارة الصراعات وإعادة ترتيب موازين القوى، أم أنها ستدفع في مرحلة لاحقة نحو فرض مسارات سياسية جديدة، بما في ذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة.. وهل يمكن أن تشهد المرحلة المقبلة محاولة لطرح تسويات سياسية تحت عنوان الاستقرار الإقليمي، وفق ما تفرزه نتائج هذه الحرب من موازين قوى جديدة، وبما يكرّس – ولو بصورة مؤقتة – شكلاً من أشكال الهيمنة الأمريكية التي تسعى إلى فرض خياراتها على المنطقة بأسرها؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة على احتمالات متعددة، لكنها تعيد طرح القضية الفلسطينية في قلب معادلة المستقبل، بوصفها القضية العادلة التي لا يمكن تجاوزها مهما تعاظمت الحروب الإقليمية وتبدلت التحالفات.
نضال الشعب