جبهة النضال.. خطى ثابته نحو المؤتمر العام الثاني عشر
بقلم : محمـد علوش *
تجري الاستعدادات بشكل حثيث وبخطى ثابتة لعقد المؤتمر العام الثاني عشر لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني ، هذا المؤتمر الذي يشكل محطة مهمة في مسيرة الجبهة والذي سيعقد خلال الأيام القادمة بمشاركة أعضاء المؤتمر في الداخل والخارج وبحضور مميز لوفود الأحزاب والمنظمات الديمقراطية واليسارية والتقدمية العربية والدولية ، ففي ظلال هذا المؤتمر تواصل حضورها الوطني والسياسي والمجتمعي ورسالتها الوحدوية ونضالها الطليعي من أجل تكريس العدالة الاجتماعية ورفد المجتمع الفلسطيني والارتقاء به عبر سياسيات وإجراءات اقتصادية واجتماعية توفر المناخ المناسب لجملة القوانين والتشريعات التي من شأنها صياغة أسس نظام الحماية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية لكافة مكونات شعبنا ، إلى جانب المنهج النضالي والكفاحي الدائم للجبهة وعبر كافة محطات النضال وبمختلف أشكال النضال المتاحة وفقاً لظروف كل مرحلة من مراحل النضال .
يأتي انعقاد المؤتمر الثاني عشر على طريق التجديد والمراجعة النقدية الشاملة ، وليس صدفةً أن يحمل المؤتمر العام للجبهة اسم (هبة القدس) و(الثوابت الوطنية) و(التجديد الديمقراطي) و(التحول إلى حزب اشتراكي ديمقراطي) فمن القدس كانت الانطلاقة ، انطلاقة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في الخامس عشر من تموز 1967 بقيادة شجاعة وعلى رأسها القائد الخالد د. صبحي غوشة ورفاقه في القيادة المؤسسة للجبهة ، وعندما ترفع الجبهة شعار الثوابت الوطنية شعاراً من شعارات مؤتمرها ، فأساس ذلك أننا في معركة مصيرية تتعلق بالثوابت الوطنية وبالمشروع الوطني التحرري الذي نذرنا أعمارنا من أجله ، هذه الثوابت التي قضى من أجلها عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الأسرى هي ثوابت راسخة لا يمكن التنازل عنها أو التفريط بها ، وترفع شعار التجديد الديمقراطي لأنها تنظيم عريق بتجاربه النضالية والديمقراطية ، ولأنها على ثقة كبيرة بالمستقبل ، هذا المستقبل الذي يصنعه الشباب ، ومن هنا قررت قيادة الجبهة وهيئاتها المركزية بأن تحدد أهدافنا من هذا المؤتمر ليشكل محطة مهمة للمراجعة والتقييم على الصعيد السياسي والبرنامجي والوضع الداخلي والتنظيمي للجبهة وللارتقاء بدورنا الكفاحي .
المؤتمر العام سينعقد بمشاركة 712 رفيقة ورفيق ممن تم انتخابهم من هيئاتهم التنظيمية على مستوى الفروع والساحات ، بحيث يعقد كمؤتمر موحد على حلقات ، في الضفة الغربية والقدس ، وهناك في قطاع غزة ، وفي الساحات العربية ، في 11 بلداً عربياً ، وفي الساحات الدولية ، في 26 بلداً حول العالم ، وليأخذ المؤتمر بتركيبته الديمغرافية عناصر التمثيل من الفئات العمرية والجندرية المختلفة ، فمستوى تمثيل الشباب يزيد 50 % ونسبة تمثيل المرأة أكثر من 30 % . بكل ثقة واقتدار تمتلك جبهة النضال الشعبي الفلسطيني زمام المبادرة والإرادة منذ الانطلاقة ، وقدمت التضحيات الجسام على طرق الحرية والعودة والاستقلال ، وتعمدت تجربتها بالمراجعة الشجاعة والتدقيق المستمر، واكتسبت من الخبرات العملية والتجارب النضالية الكبيرة عبر عقود طويلة من النضال على كافة المستويات ، وفي ذات السياق التاريخي مضت الجبهة برؤيتها السياسية والبرنامجية ومازالت تواصل نهجها وسياستها الواقعية الملموسة البعيدة عن الأوهام والمحاور ، ولتضع الصورة الحقيقة لهذا الواقع أمام شعبنا ، هذا الفهم الذي يعتمد بمرتكزاته الأساسية لرؤيتها ومنطلقاتها السياسية والفكرية والعملية في التحليل الملموس للواقع الملموس وقراءتها العلمية والجدلية للأحداث واستنادها على تمسكها بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل وعلى برنامج الإجماع الوطني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعبنا ، ومن هنا يأتي هذا الإصرار بالعمل على مواصلة هذا النضال من أجل حماية المشروع الوطني وتجسيده على الأرض بشراكة وطنية بين كافة مكونات شعبنا في إطار حركتنا الوطنية الفلسطينية .
إن انعقاد المؤتمر العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني هو محطة هامة في حياة ومسيرة الجبهة ، ومن هذا المنطلق فقد وضعت في كافة الوثائق والأوراق والتقارير العامة المقدمة للمؤتمر جملةً من المتغيرات والتعديلات المنسجمة مع كافة المتغيرات والتطورات من أجل تطوير أدوات العمل واجتراح السياسات والمواقف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها تكريس خطاب جديد يحتاجه شعبنا بكافة شرائحه وفئاته ، حيث تؤكد الجبهة المضي للأمام ومواصلة حشد كل الإمكانيات من أجل تطوير واستنهاض المواقف الشعبية وتصعيد الاشتباك الجماهيري في مواجهة الاحتلال ، والمضي بخطابها الوطنيّ والديمقراطيّ من أجل تحقيق الديمقراطية السياسية والاجتماعية وبناء أسس العدالة الاجتماعية عبر النضال الملموس وتعميق النهج الاشتراكي الديمقراطي عبر طرح وتبني السياسات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر عدلاً وإنصافاً ، ومن أجل خلق الظروف المناسبة لتكافؤ الفرص أمام النساء والرجال وأمام المواطنين كافة بعيداً عن المحسوبية والتمييز ، وبناء أسس الشراكة السياسية والنضال الديمقراطي المطلبي مع كل من يتفق معها من القوى والفصائل والمؤسسات والحراكات الشعبية والقوى الاجتماعية لإقرار القوانين والتشريعات التي تحفظ حقوق العمال والفئات الاجتماعية الضعيفة والمهمشة وتعزز من مدنية مجتمعنا بما ينسجم مع وثيقة إعلان الاستقلال .
المؤتمر العام الثاني عشر لجبهة النضال ، ليس فقط لاستذكار الدور والتاريخ المشرف للجبهة وقيادتها الشجاعة ولمؤسسيها القادة الشهداء وعلى رأسهم القائد الخالد الرفيق د. سمير غوشة ، بل نعتبره فرصة عظيمة للمراجعة والتقييم وتشخيص الأخطاء للارتقاء بالأداء وتعظيم الانجازات في إطار البرنامج السياسي العام للجبهة بشقيّه التحرري والاجتماعي والاقتصادي ومواصلة النضال في معركة الاستقلال والبناء التنظيمي الداخلي والوطني.
والجبهة اليوم وهي تتحول إلى حزب اشتراكي ديمقراطي ، تحمل معها في هذا التحول الإرث الفكريّ والسياسيّ والكفاحي ، وتكمل مسيرة المهام الوطنية لترسيخ أسس الدولة الديمقراطية ، حاملة هموم شعبنا وتطلعاته نحو الدولة المدنية ، دولة الحقوق والمساواة والحريات ، ولتخوض أيضا نضالاً على المستوى الاجتماعي لتكون دولة فلسطين عنواناً للديمقراطية تصون وتكرس العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية والاجتماعية والحريات العامة التي تصنع الرأي العام القادر على التغيير نحو الأفضل.
هذا المؤتمر الوطني الذي يعبر عن إرادة جدية في التغيير واستنهاض كافة القدرات هو تعبير حقيقي عن الحالة لإعادة تجميع قوى الشعب ورفع وتيرة النضال الشعبي والجماهيري وتوحيد الخطاب السياسي في معركتنا لإنهاء الاحتلال وإنهاء الانقسام الكارثي في الساحة الفلسطينية وهناك محطات ومواقف ستخضع للنقاش والمراجعة العميقة لشحذ الهمم في معركة التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والاقتصادي والبناء الديمقراطية ، فمؤتمر الجبهة يأتي في ظل ظروف سياسية صعبة ومعقدة ، حيث تتكالب القوى المعادية لشعبنا – قوى الامبريالية والصهيونية والرجعية والظلامية – للنيل من صمود شعبنا وهويته الوطنية والتقدمية والحضارية ، ومن مشروعنا الوطني وثوابتنا الوطنية ، ومحاولات فرض حلول استسلامية تنتقص من حقوقنا الثابتة وبعيدة عن قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية عبر ما سمّي بـ ” صفقة القرن ” التي أسقطناها بصمودنا وتضحياتنا ، وقد عملت إسرائيل دولة الاحتلال العنصري والابرتهايد بكل إمكانياتها السياسية والعسكرية وبدعم لا محدود من الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إفشال كل المحاولات والمبادرات لتسوية الصراع على أساس قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي ، فأعادت الاحتلال الفعلي لكل الأرض الفلسطينية وصعّدت سياسة الاستيطان والعزل وتهويد القدس وتوسيع دائرة الاستيطان والضم والاستمرار بالجريمة المنظمة ضد شعبنا الأعزل في القدس وفي قطاع غزة وفي كافة محافظات الضفة وهناك داخل مناطق 48 ، ومواصلة تصعيد سياسة التدمير ونهب الأرض والقتل العشوائي ، والتي كان آخرها تلك المجازر البشعة في غزة والتي تمثل جرائم حرب وإرهاب دولة منظم ، وفي مواجهة هذا العدوان يتحمل مجلس الأمن والمجتمع الدولي مسؤولية الإخفاق بالحفاظ على الأمن والسلم في هذه المنطقة الحساسة من العالم ، ومسؤولية توفير الحماية الدولية لشعبنا الفلسطيني تحت الاحتلال.
على شرف انعقاد مؤتمر الجبهة نستعيد سجلاً نضالياً وتقليداً ديمقراطياً حافلاً عبر مسيرتها الممتدة منذ العام 1967 حيث تجدد شبابها باستمرار وتراكم التجارب والخبرات وتؤسس لمكانة تستحقها حيث تنسج علاقات وطيدة مع القوى الوطنية والديمقراطية وتطور علاقاتها الخارجية برؤية شاملة مع كافة الأحزاب الشيوعية واليسارية والتقدمية في اطار دورها الفاعل في الأحزاب الاشتراكية وفي التحالف التقدمي العالمي وفي الجبهة العربية التقدمية وغيرها من المنابر والائتلافات المهمة لابراز الحضور الوطني وحشد الدعم العالمي لمناصرة شعبنا وحقه في تقرير المصير واقامة الدولة المستقلة وحقه المشروع في مقاومة الاحتلال .
بهذه المناسبة العظيمة نهدي هذا الانجاز الديمقراطي الكبير لروح قائدنا وأميننا العام الراحل د. سمير غوشة والى كافة شهداء وقادة الجبهة والى أسراها الأبطال ومناضلاتها ومناضليها الأوفياء ، نجدد العهد أن نمضي بالمسيرة بخطى ثابتة نحو الأمام دائماً .
· عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني