أقلام وآراء

واشنطن تصعِّد على أبواب الانتخابات الرئاسية

 

 

بقلم: خليل حمد

على عكس ما توقع الجميع، لا تبدو سياسة “تهدئة الجبهات” أولوية بالنسبة للدولة الأمريكية العميقة، رغم أنها اعتادت ترحيل ملفات النزاعات العالمية على أبواب انتخاباتها الرئاسية الا ان الأمر هذه المرة مختلف، بدليلي الاغتيالات الإسرائيلية التي صعَّدت الأوضاع في “الشرق الأوسط”، والتوغل الأوكراني في الأراضي الروسية.

جميعنا نعيش تداعيات التصعيد الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، بانتظار فصوله القادمة حتماً، لكن ما يجري على الساحة الروسية – الأوكرانية لا يقل أهمية، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية تتوغل قوات في الأراضي الروسية بالطريقة التي توغلت فيها قوات أوكرانية في منطقة كورسك، وهي النقطة التي بدت الأضعف والأبعد عن خط الجبهة المفتوحة منذ 24/2/2022. وذلك بغطاء جوي من طائرات أف 16، التي حصلت عليها كييف أخيراً من دول غربية عدة، ما يؤكد مسؤولية الغرب عن هذا التطور النوعي في مجريات الحرب الدائرة شرقيَّ القارة العجوز.

قبل هذا التوغل، وعلى مدى نحو عامين ونصف على بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، كان موضوع التوغل الأوكراني في الأراضي الروسية خطاً أحمر روسيَّاً يلتزمه الغرب، الذي حرص على تزويد أوكرانيا بأسلحة “دفاعية” لغرض صد الهجمات الروسية، لكن الأسلحة في أيدي المجانين قد توصل الأمور إلى ما لا يُحمد عقباه، وهذا ما جرى فعلاً. الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي أثبت رعونته منذ اللحظة التي تحدى فيها روسيا لأجل الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي “ناتو”، وهو الطموح الذي يُماطل فيه الغرب منذ سنوات دون أن يُدرك زيلنسكي أن الولايات المتحدة على رأس دول الناتو تبيعه الكلام فقط، وأنها أوقعته في مصيدة عداوة جاره الدب الروسي لمصالحها الخاصة فقط. الهجوم الأوكراني تم باستخدام مُدرَّعات من نوع برادلي وأبرامز التي ادَّعى الغرب أنها أُرسلت لـ “تقوية دفاعات القوات البرية الأوكرانية”، والهجوم كان مدعوماً بطائرات إف 16، التي خاض العالم جدلاً حول توريدها إلى كييف، وكافح الجانب الأوكراني بشراسة للحصول عليها، وفي أول خطوات استخدامها، نقض الأوكرانيون شرط “الدفاع” الذي وضعه الغرب، وتوغلوا تحت غطائها داخل الأراضي الروسية، ليغيروا بهذه الخطوة طريقة تعاطي موسكو مع ما يجري على حدودها الغربية.

لا عودة للمفاوضات إذاً. الحديث اليوم يجري عن ردة الفعل الروسية على هذا التهديد غير المسبوق لأراضيها، وكل الاحتمالات هنا واردة، بدءاً بتعزيز الجبهة “الرخوة” في كورسك بقوات إضافية، وصولاً إلى استخدام أسلحة “نووية” ولو كانت تكتيكية لاحتواء الهجوم، ومنع تكراره. وهكذا فإن شكل الحرب قد تغيَّر، وأبواب المواجهة بكل أنواع الأسلحة قد فُتحت بلا شك، ناسفة معها المسار التفاوضي الذي عاش زخماً قوياً في الأسابيع الماضية بعد “مؤتمر أوكرانيا للسلام” في سويسرا الذي عُقد في 15 و16 يونيو/ حزيران الماضي، وما تلاه من تصريحات إيجابية أدلى بها الرئيس الأوكراني الذي أوفد وزير خارجيته إلى الصين لـ “دفع موسكو للمشاركة في المفاوضات”. تبيَّن أن كل ذلك كان مناورة أوكرانية للوصول إلى لحظة الاختراق في كورسك.

السؤال هنا، هل ما جرى في كورسك تم بعيداً عن إرادة الغرب ودعمه؟ الجواب يكمن في ردود الفعل، والمصلحة. اذ تميز ردّ فعل الغرب على الوضع في منطقة كورسك بـ “ضبط النفس” الشديد، البيت الأبيض قال إنه سيطلب من أوكرانيا “معلومات إضافية” حول الهجوم للوصول إلى “حقيقة ما يجري”. تنصُّل واشنطن من المسؤولية ليس أمراً يُعتدُّ به، فلطالما تنصلت من اعتداءات حلفائها، رغم أنها دعمتهم في الكواليس بالسلاح والموقف السياسي. المتحدث الرسمي للمفوضية الأوروبية، بيتر ستانو، كان أكثر وضوحاً، وقال إنه “وفقاً لمبادئ القانون الدولي، فإن لأوكرانيا الحق في الحماية، بما في ذلك الحقّ في ضرب أراضي العدو”. تبرير الغرب لما جرى واضح لا لُبس فيه، وبالتأكيد فإن موسكو فهمته، وستبني عليه في أيِّ رد قادم.

المصلحة الغربية من زعزعة استقرار روسيا والنيل من هيبتها واضحة أيضاً، ورغم أنه من الصعب الحفاظ على هذا التوغل في ظل فوارق القدرات بين الجيشين الروسي والأوكراني، إلا أنها تُشكِّل مزيداً من الإرباك للجبهة المُشتعلة، ومحاولةً للضغط على موسكو، إذا نجحت هلل لها الغرب، وإذا فشلت حمَّل مسؤوليتها لكييف. السيناريو يبدو مُعتاداً في المصلحة أيضاً، وعلى مستوى الانتخابات الأمريكية، فتحقيق “تقدّم” في ملف ينظر إليه الأمريكيون تماماً كما سوَّقت له وسائل إعلامهم: “هجوم روسي شرِّير على أوكرانيا البريئة”، يُعتبر إنجازاً يحرف الأنظار من جديد عمَّا يجري في المنطقة العربية من جرائم إبادة جماعية “إسرائيلية” ضد قطاع غزة المحاصر، وهي القضية التي تشغل الرأي العام الأمريكي حالياً.

في الخلاصة، نجحت إدارة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي في خداع روسيا مرتين خلال العملية العسكرية الخاصة الحالية، مرة في عام 2022، عندما ماطلت بالمفاوضات في بداية الحرب حتى تمكنت من حشد قواتها وإبعاد الحصار عن عاصمتها، والثانية في التوغل الأخير الذي وُصف بـ “الشوكة الصغيرة ولكن المزعجة” في الخاصرة الروسية. لكن العارف بالعقلية العسكرية والسياسية الروسية يُدرك أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يذهب للمفاوضات تحت الضغط، وأن القوة والهيبة الروسية وُضعت على المحك أكثر من أي مرة، وبالتالي فإن مسار الحرب الذي تغيَّر سينعكس حتماً على مُجمل الوضع في أوروبا والعالم، وليس غريباً أن يكون الغرب وعلى رأسه واشنطن يرغب بالذهاب إلى حرب أكبر في مناورة أخيرة لإبعاد شبح “التعددية القطبية” الذي يُرعبه منذ عادت روسيا بكامل قوتها كلاعب دولي لا يُستهان به.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى