أقلام وآراء

حتى تصبح المقاطعة سلاحا مستداما وفعالا

 

بقلم: د.فريد اسماعيل

 

مع استمرار الحرب الصهيونية على شعبنا الفلسطيني، أخذت مقاطعة منتجات الشركات الداعمة للكيان الصهيون يتقدما وأثارت تفاعلا كبيرا كان من المأمول أن تتحول إلى ثقافة شعبية في كثير من دول العالم لا سيما دولنا العربية، تعبيرا عن رفض حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على شعبنا وارضنا، خاصة وأن المقاطعة تمثل سلاحا حادا ومؤثرا اذا ما تم تنظيمها ووضع الاستراتيجيات المدروسة والضامنة لاستمرارها حتى تحقيق الأهداف المنشودة منها.  وهذا يتطلب إخراجها من دائرة ردات الفعل وإنشاء مركز دراسات ومتابعة متخصص عالمي او إقليمي غير حكومي، يضم أخصائيين موثوق بهم يعملون على تحديد هذه الشركات بشكل موضوعي لمنع أي استغلال أو تضليل من قبل بعض المتمولين بحشر أسماء شركات منافسيهم في قوائم شركات العار على وسائل التواصل الاجتماعي للتخلص منهم كمنافسين.  فوجود هكذا مركز لإدارة معركة المقاطعة يعزز الثقة لدى الشرائح المجتمعية، ويوسع دائرة المقاطعة وديمومتها.

ننطلق في هذه الخلاصة من تجارب العقود الأخيرة على الأقل، حين كانت الدعوات إلى مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال تنطلق وبقوة مع كل أزمة أو حرب، ثم ما تلبث أن تنطفئ بنفس السرعة التي انطلقت بها. لذلك أصبح من الواجب إيجاد السبل ووضع الآليات لتحويل عملية المقاطعة من ردة فعل إلى حرب نكون نحن بنتيجتها المنتصرون.

فبعد أسابيع قليلة على بدء هذه الحرب العدوانية، بدأت مفاعيل المقاطعة لهذه الشركات بالظهور. ففي مصر على صعيد المثال، أعلنت شركة ماكدونالدز أن مبيعات الامتياز المصري انخفضت بنسبة ٧٠ بالمئة.  كذلك فقد تراجع الإقبال على العلامات التجارية للشركات الداعمة لإسرائيل، مما دفع تلك العلامات التجارية العالمية إلى نفي دعمها لدولة الاحتلال.  وفي الكويت بدأ الكثير من المواطنين البحث عن بدائل لمنتجات تلك الشركات في السوق المحلي. أما في اندونيسيا وماليزيا، فقد اوقفت شركة سي في سي كابيتال بارتنرز وشركة جنرال أتلانتيك مبيعات حصص كبيرة من الشركات التي تدير علامات تجارية للوجبات السريعة الأمريكية بسبب الاحتجاجات. كما قاطع المواطنون منتجات بيبسي وكنتاكي وستاربكس وبيتزاهت احتجاجا على دعم واشنطن لإسرائيل.  كذلك في العراق، فقد دفعت الاحتجاجات الحكومة إلى حظر استيراد المنتجات الداعمة لإسرائيل، وفي تركيا وافق البرلمان على إزالة منتجات كوكا كولا ونستله من المطاعم. وهذه ليست سوى أمثلة على رد المستهلكين على الشركات الداعمة لدولة الاحتلال، بلغة الاقتصاد.

 

ترافق كل ذلك مع ظهور سيل من المواقع والتطبيقات على وسائل التواصل الاجتماعي والتي في معظمها غير معروفة المنشأ والمصدر تنسب معظمها إلى ” نشطاء ” ، تقوم بنشر لوائح بالشركات الداعمة لإسرائيل دون تفنيد يثبت مصداقيتها، مع ادراكنا أن غالبية تلك الشركات تدعم بشكل أو بآخر دولة الاختلال، إلا أنه من الملاحظ لكل من يدقق في تلك اللوائح أنه يتم حشر أسماء بعض الشركات والمنتجات بهدف اقتصادي ربحي بحت، إذ أن بعض المواقع تقوم بنشر لائحتين، إحداها للشركات الداعمة لدولة الكيان، وأخرى للشركات الغير داعمة.  وحين نجري مقارنة بين طبيعة ما تنتجه بعض الشركات من اللائحتين، نشتم رائحة الاستغلال في حملة المقاطعة في محاولة لتحييد منتج محدد خدمة لمنتج آخر  يماثلها من اللائحة الثانية. لذلك لا بد من وجود مؤسسة متخصصة ذو مصداقية تدير وتقود عملية المقاطعة من ألفها إلى ياءها، إذ أن كل النشطاء والتشكيلات والكيانات التي حاولت إدارة هذه العملية لم تستطع رسم طريق مستدام للمقاطعة واخراجها من دائرة ردة الفعل والاستغلال.  وهذا الأمر يعكس أيضأ هشاشة موقف النخبة العربية لا سيما الحاكمة من مقاطعة إسرائيل اقتصاديا. يضاف إلى ذلك نجاح إسرائيل في اختراق الأسواق العربية عبر النصب والتزوير التجاري بالتعاون مع حفنة فاسدة من المستوردين وحتى رجال الجمارك الذين يدخلون تلك السلع مخترقين قوانين بلادهم ومضللين لشعوبهم، لأنها وببساطة تكون مجهولة المصدر أو منسوبة لقبرص في الغالب. والخشية أيضأ أن نكتشف يوما ما أن بعض البضائع التي يتم الترويج لها اليوم كبديل عن المنتجات التي نقاطعها، لا تعدو كونها نفس البضاعة ولكن بأسماء وأشكال جديدة. فلا شيء يشبه خبث الرأسمالية وتوحشها.

المعضلة الكبرى أن مجتمعاتنا ودولنا رغم كل ما تملكه من ثروات طبيعية وبشرية، فهي كيانات استهلاكية غير منتجة إلى حد بعيد. فحتى طحيننا لم يعد من قمحنا.  وهنا نتذكر مقولة لجبران خليل جبران” ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر “. لم نتعلم أبدا أنه من لا ينتج، تكون مقاطعته نسبية ومحدودة، وحتى ما تملكه من انتاج محلي، نستورد مكوناته من مصادر جلها متعاون مع دولة الاحتلال.

 

كل هذا لا يعني الانتظار إلى أن يتم تأطير المقاطعة وتنظيمها بالشكل الذي يحولها إلى سلاح مؤثر وفعال. فهي، وبغض النظر عن كل ذلك، تساهم في زيادة الوعي بالقضية وتوحيد الجهود بين الأفراد والمجتمعات.  وهذا التضامن يمكن أن يكون له تأثير كبير على الرأي العام والسياسات الدولية.  كذلك وعلى الرغم من كون مجتمعاتنا غير منتجة بشكل كبير، فإن الامتناع عن شراء منتجات معينة يمكن أن يؤثر على أرباح الشركات ويجبرها على إعادة النظر في سياساتها.  كما وأن المقاطعة يمكن أن تكون دافعا لتطوير الصناعات المحلية والاعتماد عليها بدلا من المستوردة مما يعزز الاقتصاد المحلي، إضافة إلى أن حركات المقاطعة الواسعة يمكن أن تدفع الحكومات إلى إعادة النظر في سياساتها وعلاقاتها. وهناك عامل آخر غاية في الأهمية وهو أن المقاطعة تساهم في نشر الوعي وتعليم الأجيال الجديدة أهمية الاستقلال الاقتصادي والسياسي.

لذلك أصبح لزاما على النخب الاقتصادية والإعلامية والسياسية التضامن في مركز متخصص ينشئ بنك معلومات دقيق عن الشركات المتعاونة أو الداعمة لدولة الاحتلال وشكل دعمها وتعاونها، ويضع الاستراتيجيات اللازمة لتحويل المقاطعة إلى نضال مستدام، بالتوازي والتنسيق مع الفاعلين والنشطاء في المجتمعات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحول المقاطعة إلى ذلك السلاح المؤثر في مسيرة نضالنا الوطني ودحر الاحتلال.

زر الذهاب إلى الأعلى