أقلام وآراء

غزة: بين إعادة هندسة الإدارة ومخاطر تثبيت الجغرافيا المنفصلة

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

في توقيت سياسي بالغ الحساسية، يتقدّم الحديث عن السماح بدخول “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” إلى قطاع غزة بوصفه تطوراً إجرائياً، لكنه في جوهره يعكس تحوّلاً أعمق في مقاربة إدارة الصراع؛ إذ لم يعد الأمر مقتصراً على ترتيبات تهدئة أو معالجات إنسانية، بل بات يتصل بمحاولة إعادة صياغة بنية الحكم في القطاع ضمن هندسة سياسية–إدارية جديدة، وهذه الهندسة، التي تتقدّم تحت عناوين “تنظيمية” و”انتقالية”، تستبطن رهانات كبرى تتصل بمستقبل وحدة النظام السياسي الفلسطيني وحدود المشروع الوطني.

غير أن أي قراءة واقعية لهذا المسار لا يمكن أن تنفصل عن حقيقة التجربة مع حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو، التي أثبتت مراراً أن الالتزامات الإسرائيلية تدار بوصفها أدوات تكتيكية ضمن ميزان القوة، لا كتعهدات ملزمة، وعليه، فإن التعامل مع “الموافقة المبدئية” على إدخال اللجنة لا ينبغي أن يقرأ كتحوّل نوعي في السياسة الإسرائيلية، بقدر ما هو إعادة ترتيب للأدوات بما يخدم أهدافاً استراتيجية أوسع، في مقدمتها ضبط الفضاء الغزّي من دون تحمّل كلفة الاحتلال المباشر.

في هذا السياق، يبرز الدور الذي اضطلع به نيكولاي ميلادينوف في بلورة هذا التصوّر، والذي يقوم على فصل واضح بين السياسي والإداري، عبر إقصاء حركة حماس وسائر القوى الفلسطينية من أي دور في إدارة الحكم، واستبدال ذلك بهيئة “مدنية” تتولى تسيير الشؤون اليومية، ورغم ما يبدو في هذه الصيغة من نزعة لتخفيف الاحتكاك السياسي، فإنها تثير إشكالية جوهرية: هل يمكن لإدارة بلا سيادة سياسية أن تكون فاعلة، أم أنها ستغدو واجهة تقنية لإدارة واقع مفروض؟

إن خطورة هذا الطرح لا تقتصر على إعادة توزيع الأدوار داخل غزة، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم “الحكم” نفسه، عبر تفريغه من مضمونه السياسي الحق بتقرير المصير   والولاية السياسية والقانونية والجغرافية لدولة فلسطين على كل الأرض الفلسطينية المحتلة في الرابع من حزيران 1967 بما فيها القدس الشرقية ،وتحويله إلى وظيفة خدمية خاضعة لمنظومة من القيود الأمنية والمالية، وهنا تتقاطع هذه المقاربة مع تصوّرات أوسع، من بينها ما طرح في سياق خطة دونالد ترامب، التي سعت إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بمقاربات تتجاوز الإطار الوطني الجامع ، وتفتح المجال أمام كيانات وظيفية منفصلة تحت الوصاية الدولية في قطاع غزة وتأبيد الأحتلال في الضفة الغربية .

في المقابل، تمثّل معالجة ملف الموظفين العموميين للإدارة حركة حماس الإنفصالية  محاولة لاحتواء أحد أبرز مصادر التوتر الداخلي، عبر ضمان حقوقهم ومنع الإقصاء الجماعي، غير أن هذا البعد، على أهميته الاجتماعية، لا يحجب البعد السياسي الأعمق المتصل على أي جهاز إداري ستعتمد اللجنة الإدارية للقيام بمهامها ؛ إذ إن استقرار الإدارة يظل مرهوناً بوضوح المرجعية السياسية التي تستند إليها.

وتتجاوز الأسئلة المطروحة البعد الإجرائي لتطال جوهر البنية المقترحة: من يملك القرار الفعلي؟ وما حدود تدخل الأطراف الدولية؟ وكيف سيتحدد مسار التمويل، وهل سيخضع لاشتراطات سياسية وأمنية تعيد إنتاج أنماط جديدة من التبعية؟ وماذا عن الملف الأمني، بوصفه العقدة الأكثر تعقيداً وحساسية في أي ترتيبات قادمة؟

إن الخشية الحقيقية تكمن في أن تتحول هذه الترتيبات إلى صيغة دائمة لإدارة الانقسام، لا جسراً لإنهائه، فبدلاً من أن تكون “اللجنة الوطنية” مدخلاً لإعادة توحيد المؤسسات، قد تصبح، بحكم الواقع، أداة لتكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، ضمن نموذج “إدارة منفصلة تحت رقابة دولية”، وهو ما يتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على تفتيت الجغرافيا السياسية الفلسطينية.

في هذا الإطار، يبرز العامل الداخلي الفلسطيني بوصفه المحدّد الحاسم، فالمسألة لم تعد تتعلق بمواقف فصائل بعينها، بل بقدرة النظام السياسي برمّته على إعادة إنتاج رؤية وطنية جامعة تتجاوز منطق الانقسام والمحاصصة، وهنا يبرز سؤال مفصلي: هل نحن أمام فرصة لإعادة بناء الوحدة الوطنية، أم أمام مسار انزلاقي يكرّس الانفصال؟

إن الرهان على ترتيبات جزئية، في ظل اختلال عميق في ميزان القوة وغياب ضمانات حقيقية، ينطوي على مخاطر استراتيجية جدّية، ومن ثمّ، فإن المدخل الفعلي لأي معالجة لا يكمن في تحسين شروط الإدارة، بل في إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها إطاراً جامعاً، من خلال استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وعلى قاعدة الشراكة والديمقراطية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد تقييم المسارات القائمة وتكشف طبيعة التفاهمات الجارية وحدودها، كما يتعيّن على حركة حماس الإفصاح، بوضوح ومن دون مواربة، عمّا توصّلت إليه من تفاهمات، والكفّ عن أي دور قد يفهم منه السعي لتقديم نفسها بديلاً عن الحكومة الشرعية المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية، وإن وضوح الموقف، والالتزام بالإطار الوطني الجامع، يشكّلان شرطاً ضرورياً للحيلولة دون الانزلاق نحو تثبيت الانقسام.

غزة، التي دفعت كلفة باهظة من الدم والدمار، لا تحتاج إلى إعادة تنظيم إداري بقدر ما تحتاج إلى أفق سياسي واضح يعيد وصلها بباقي الجسد الوطني، وإنّ أي مسار لا ينطلق من هذه الحقيقة سيبقى معرّضاً لأن يتحول إلى حلقة جديدة في إدارة الأزمة، لا في إنهائها.

 نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى