أقلام وآراء

انهيار مفاوضات التهدئة

 

بفلم: د. أحمد مجدلاني

أعلن المبعوث الأمريكي ويتكوف انهيار مفاوضات الدوحة الخاصة بوقف إطلاق النار بين حركة حماس ودولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي كانت قائمة على الورقة التي تقدم بها وقبلها الوسطاء، وقد أجرت حماس تعديلات على هذه الورقة، وهو ما اعتبره الوسيط الأمريكي السبب المباشر لفشل المفاوضات، ليعلن سحب فريقه التفاوضي والحديث عن بدائل أخرى لتحرير المحتجزين الإسرائيليين لدى حماس، تُرجمت على الفور إلى خطة عسكرية للتصعيد.
تزامن ذلك مع تصريح الرئيس الأمريكي ترامب الذي قال فيه إن “حماس تريد الموت.. ولا تبحث عن الحل”، في حين سارع نتنياهو -المستفيد الأكبر من هذه التطورات -إلى سحب فريقه التفاوضي، ملقياً المسؤولية على حماس كما فعل الجانب الأمريكي، في محاولة للتنصل من الضغوط الدولية المتزايدة عليه، وكلاهما -الأمريكي والإسرائيلي -أشار إلى أن هذا السحب “للتشاور”، وهي عبارة تحمل الكثير من المعاني التي لا يبدو أن من بينها العودة السريعة إلى المفاوضات.
في المقابل، أصدرت حركة حماس بياناً أعربت فيه عن استغرابها من تصريحات ويتكوف السلبية تجاهها، دون أن توضح طبيعة الرد الذي قدمته للوسطاء، ورغم ادعائها أن الوسطاء أبدوا ارتياحاً لموقفها “البنّاء”، فقد اكتفى البيان المشترك للأشقاء في مصر وقطر بالإشارة إلى “تقدم طفيف” في المفاوضات دون التطرق إلى رد حماس، كما ركز بيانها على المشاورات الواسعة التي أجرتها مع الفصائل وتعاطيها بإيجابية مع الملاحظات التي تلقتها، مؤكدة حرصها على استكمال المفاوضات للوصول إلى اتفاق.
إلا أن لغة حماس المعتادة في التنصل من المسؤولية كانت حاضرة، إذ ألقت باللوم على أطراف أخرى وأشارت إلى أن موقفها جاء نتاجاً لمشاورات مع الفصائل والوسطاء، باستثناء منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها والسلطة الوطنية الفلسطينية، وهو ما يعكس حقيقة أن الحركة تفاوض بنفسها ولأجل نفسها، وهو ما يشكّل العقبة الأكبر أمام التوصل إلى اتفاق يوقف نزيف الدّم في غزة، وينقذ شعبنا من الموت جوعاً على أبواب ما يسمى “مناطق آمنة” وهي غير آمنة، أو تحت القصف الإسرائيلي المتواصل.
إن إعلان الراعي الأمريكي الأساسي انهيار المفاوضات، وتصريح الرئيس ترامب عن “القتل”، لا يعني سوى منح الاحتلال ضواء أخضر وغطاءً رسمياً لاستمرار المذبحة بحق أبناء شعبنا في قطاع غزة، بذريعة إنقاذ الرهائن بعد فشل المفاوضات في التوصل إلى اتفاق للهدنة، ووقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وإجراء عملية تبادل كما جرى في الاتفاق السابق.
كما أن عدم توضيح قضايا الخلاف التي أدت إلى انهيار المفاوضات للرأي العام الفلسطيني، بل وحتى للجهة صاحبة الولاية السياسية والقانونية للشعب الفلسطيني -منظمة التحرير الفلسطينية -يؤكد أن أولويات حماس الاستراتيجية لم تتغير: ضمان أمنها وأمن قياداتها، والحفاظ على مصالحها المالية في الخارج، وترتيب صفقة تبادل واسعة تضمن استمرار سيطرتها على قطاع غزة عبر هدنة طويلة الأمد، بما يعني تغييب السلطة الشرعية الفلسطينية وضرب وحدة الأرض والشعب والنظام السياسي.
أما نتنياهو، فتتمثل أولويته في الحفاظ على ائتلافه الحكومي من الانهيار، وتحقيق هدنة مؤقتة تعيد الرهائن وتخفف الاحتقان الشعبي الداخلي المتصاعد بسبب التلكؤ في تحريرهم، مع الإبقاء على السيطرة الأمنية على قطاع غزة بعد جعله مكاناً غير قابل للحياة، وهو بذلك يتمسك بخطته الاستراتيجية التي تقوم على منع عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، لأنها بوابة العودة إلى مسار سياسي يؤدي إلى الدولة الفلسطينية التي يرفضها أيديولوجياً وسياسياً، وقد عمل طوال السنوات الماضية على تعميق الانقسام الفلسطيني وتمكين حماس من البقاء وصولاً إلى تكريس الانفصال وضرب “حل الدولتين” المتوافق عليه دولياً.
ورغم وجود قاسم مشترك بين حماس ونتنياهو يتمثل في رفض عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، فإن تضارب المصالح التكتيكية بين الطرفين يجعل التوصل إلى تفاهمات جديدة بحاجة إلى مزيد من الوقت، وفي هذه الأثناء، يبقى شعبنا في غزة هو الضحية الأولى، يدفع الثمن دماً ومعاناةً وفقداناً لكل مقومات الحياة.
وعليه، فإن مسؤولية حركة حماس اليوم، أن تقدّم مصلحة الوطن والمواطن على مصلحتها الفصائلية الضيقة، وأن تنخرط في إطار الشرعية الوطنية الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير، فما زال الطريق مفتوحاً أمامها إن أرادت أن تكون جزءًا من مشروع وطني يوحد شعبنا ويوقف نزيف الدّم، بدلاً من الاستمرار في إدارة صراع داخلي يفاقم المأساة ويصب في مصلحة الاحتلال.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى