تقاير وتحقيقات

13 ألف مفقود في غزة.. عائلات معلقة بين الأمل واليأس

غزة – ريم سويسي – يعيش ذوو آلاف المفقودين في قطاع غزة على وقع انتظار ثقيل، فلا هم تمكنوا من دفن أحبائهم ووداعهم، ولا يعرفون إن كانوا ما زالوا أحياءً أو قضوا تحت أنقاض المنازل والمباني التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية خلال سنوات حرب الإبادة.

وفي حين تمكنت بعض العائلات من انتشال جثامين أفراد منها بعد أشهر أو سنوات من بقائهم تحت الركام، لا تزال عائلات أخرى تبحث عن أي أثر يقودها إلى مصير مفقوديها، في حالة من الحيرة والألم لا تنتهي.

وبحسب إحصائيات محلية، يقدر عدد المفقودين في قطاع غزة بنحو 13 ألف شخص، بينهم نحو 8 آلاف لا يزالون تحت أنقاض المنازل والمباني المدمرة، إضافة إلى نحو 5 آلاف مفقود لا يُعرف مصيرهم.

“كان حلمي أن أدفن زوجتي وطفلي“

يقول محمود هنية، أحد ذوي المفقودين، إنه تمكن قبل أيام قليلة من تشييع جثمان زوجته الصحفية دعاء شرف وطفله عبيدة، بعد بقائهما في عداد المفقودين لأكثر من عام ونصف العام.

ويضيف: “انتشلت طفلي وهو في حضن والدته، وعائلتها انتشلت ما تبقى من عبيدة، عظاما صغيرة”.

ويتابع: “هذه فاجعة من أكبر الفواجع التي تعرض لها الناس في غزة على مدار السنوات الثلاث السابقة، وهي هذه الإبادة التي لا تزال متواصلة حتى اليوم”.

ويبكي هنية بحرقة وهو يقول: “كان حلمي أن أدفن زوجتي وطفلي، واليوم على الأقل حققت حلمي في أن أدفنهما، فقد كنت أعتصر ألما في كل مرة أمر بجانب أنقاض بيتي وأنا أعلم أن زوجتي وطفلي هناك ويواجهان مصيرا مجهولا”.

ويشير إلى أن هناك 47 جثمانا مجهول الهوية، قائلا: “هناك عائلات لم نجد لها أي أثر، ولا شهيدا منهم”.

وكانت زوجته وطفله قد استُشهدا في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إثر استهداف 16 بناية سكنية تضم 138 شقة، ما أدى إلى استشهاد نحو 450 مواطنا، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، وفق إفادته.

“كلما خرج سجناء أسألهم عن أبي“

أما الشاب محمد عطا الله (20 عاما)، فيقول إن والده خرج من منزل العائلة في 12 شباط/ فيراير 2024، ولم يعد حتى اليوم.

ويضيف: “مرت الأيام والليالي والسنوات وأنا أشعر بخنجر في ظهري، فوالدي هو سندي”.

ويقول: “أبكي يوميا بحرقة عليه لأننا ما زلنا في أمس الحاجة إليه، وتواصلنا مع المؤسسات الدولية، كاللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومع العديد من المحامين، علنا نصل إلى طرف خيط يتعلق بمصير والدي، لكن للأسف دون جدوى”.

ويتابع: “أرتاح فقط حين أعلم أن والدي استُشهد، فأدفن رفاته، لكن طالما ليست هناك مراسم دفن، فأنا أعيش حيرة تعتصر قلبي وقلبَي أمي وأختي”.

ويختم عطا الله: “كلما خرج أسرى من سجون الاحتلال أهرول للقائهم والتواصل معهم لأسألهم عن أبي، عله يكون محتجزا لدى الاحتلال. أعيش حيرة قاتلة”.

“أريد أن أدفن رفاته كي ترتاح نفسي“

المواطنة كاميليا الشنتف (34 عاما) تعيش بدورها انتظارا مؤلما لمصير ابنها سعيد (9 سنوات)، الذي فقدته خلال نزوح العائلة إلى مدرسة الدحيان في حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة.

وتقول: “فقدت ابني بعدما خرجنا من البيت في الدقائق الأخيرة، ولا تزال جثته تحت الركام، ولم نستطع حتى الآن انتشاله، كون البيت عبارة عن مبنى من ستة طوابق”.

وتضيف: “أموت في اليوم ألف مرة وأنا أعلم أن طفلي سعيدا لا يزال تحت الركام. أريد أن أدفن رفاته كي ترتاح نفسي، وفي كل يوم أُعِدُّ الطعام له وأتخيل أنه هناك لا يزال حيا”.

وتتابع الشنتف: “تنطفئ النار في قلبي حين أدفن طفلي وأزور قبره”.

مفقودون تحت الركام

وتشير إفادات فرق وطواقم الإنقاذ إلى أن آلاف الجثامين لا تزال تحت أنقاض المباني المدمرة، فيما لا تتوفر المعدات اللازمة لعمليات إزالة الركام وانتشالها بالسرعة المطلوبة.

وتفيد مصادر بأن قطاع غزة بحاجة إلى عشر حفارات و30 جرافة و100 كباش للبدء بعمليات إزالة الأنقاض وانتشال الرفات، في وقت تقدر فيه كمية أنقاض القطاع بأكثر من 60 مليون طن.

وبحسب إحصائيات محلية، تمكنت فرق الإنقاذ منذ بداية العدوان من انتشال أكثر من 800 شهيد فقط من أصل نحو 8 آلاف لا يزالون تحت أنقاض المنازل المدمرة.

وكانت غزة قد شيعت الأسبوع الماضي رفات 105 شهداء من منطقة مربع التاج وسط مدينة غزة، بعد أن دمر الطيران الحربي أكثر من 16 شقة سكنية في آن واحد فوق رؤوس ساكنيها.

وهكذا، تبقى عائلات كثيرة في غزة عالقة في مساحة مؤلمة بين الغياب والفقدان، تنتظر خبرا واحدا يحسم المصير؛ جثمانا يمكن دفنه، أو معلومة تقود إلى مفقود لا يزال مجهول المكان والمصير.

وفا

زر الذهاب إلى الأعلى