أقلام وآراء

لبنان بين معضلات متراكمة ووقت يضيق

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

دخل لبنان العام ٢.٢٦ مثقلا بأزمات متراكمة منذ سنوات على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية، وتزداد حدة مع اتساع رقعة التناقضات بين الأطراف، وتأثيرات التوترات الاقليمية والدولية على الداخل اللبناني، لا سيما الكباش الامريكي الايراني الذي تسمع تردداته في تصريحات حلفاء إيران في لبنان، مما يشير إلى استمرار الشلل السياسي الذي ينذر بمزيد من الانهيار واضعاف فرص الإنقاذ والنجاة. وعلى لبنان اليوم أن يقرأ التحولات جيدا، إذ أنه لم يعد بمقدوره شراء الوقت ويقف على مفترق طرق، إما خطة سياسية اقتصادية أمنية شاملة تؤدي إلى إصلاح جذري يعيد الثقة، وإجراءات واضحة في ملف السيادة والأمن، وهذه قضايا محفوفة بالمحاذير والمخاطر، واما الاستمرار في إدارة الأزمات بشكل ترقيعي والانزلاق نحو الفوضى. ومع ان الدولة في لبنان بمعظم اعمدتها لا سيما رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تعمل جاهدة لتجنب الأسوأ والسير نحو الإنقاذ وتكريس سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، إلا ان هناك عوامل تعاكس هذا التوجه، فإسرائيل تكثف يوميا غاراتها على لبنان بذريعة استهداف مواقع وكوادر وأعضاء حزب الله، ما يزيد الوضع تعقيدا ويضع لبنان أمام تحديات كبيرة. كذلك فإن تداخل الأدوار العسكرية والسياسية لحزب الله مع الأزمة اللبنانية ورفضه لقرار الدولة اللبنانية حصرية السلاح بيدها يعيد خلط الأوراق من جديد. أما لبنان الذي عانى من ربطه بتوازنات خارجية، فإنه يعمل جاهدا على منع تحويله مرة أخرى إلى جزء من ساحة مواجهة اقليمية.

ومع بداية هذا العام يجد لبنان نفسه وجها لوجه أمام أزمات من الصعب تأجيل مواجهتها أو شراء الوقت بشأنها.  فمع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقررة في أيار المقبل، والتي تتسم بأهمية استثنائية لا سيما بعد الضربات التي وجهتها إسرائيل لحزب الله والتحولات الكبرى في المنطقة، والذي انعكس أيضا تبدلا في التحالفات السياسية والانتخابية بين القوى المكونة للطيف السياسي والطائفي اللبناني، تحتدم أيضا أزمة إقرار الموازنة العامة للعام ٢٠٢٦ داخل المجلس النيابي بين القوى السياسية المختلفة في الأصل على كل شيء. فإقرار الموازنة يتأثر بشكل مباشر بالانقسامات السياسية والطائفية حيث تتحول النقاشات المالية إلى ساحة صراع سياسي، ما يضعف فعاليتها كأداة إصلاح اقتصادي.  ففي بلد يرزح تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق وحروب لا تتوقف، تأتي الموازنة هذا العام محملة بأسئلة أكثر مما تحمل من أجوبة، وسط ضغوط داخلية وخارجية تحاول معها الحكومة رسم معالم إنفاق في دولة شبه مفلسة، تعاني مؤسساتها من الشلل ويكافح مواطنوها لتأمين أبسط مقومات العيش بعد أن فقدوا مدخراتهم في بنوكها، ودمرت دولة الاحتلال جنوبها. فلا الدولة قادرة على خدمة الدين العام، ولا على سداد سندات اليوروبوند، ولا تتمكن من إعادة هيكلة الدين العام أو القطاع العام أو الفجوة المالية أو المصارف.

وعلى أبواب الانتخابات النيابية، اثار موضوع إدراج ٩٠ مليون دولار في الموازنة وتحويل الجزء الأكبر منه الى مجلس الجنوب، وهو واحد من عدة مجالس تم انشاؤها منذ عقود خارج إطار الوزارات تكريسا لنظام محاصصة تتقاسمه وتستفيد منه قوى النفوذ السياسي والطائفي، اثار موجة غضب خلال مداولات النواب حول الموازنة، حيث اعتبر المعارضون أن هذه التحويلات تستخدم لتغذية شبكات الزبائنية السياسية بدلا من أن تكون جزءًا من خطة إنقاذ وطني شاملة، كما تستخدم كمال انتخابي على أبواب الاستحقاق النيابي، بينما يرى المؤيدون الحاجة لهذه الأموال لتأمين مساعدات عاجلة للنازحين والمتضررين.  لذلك فإن مناقشة موازنة هذا العام لم تعد مجرد مسألة مالية، بل رمزًا لصراع سياسي أوسع واداة لتكريس النفوذ بعد ما شهده لبنان والمنطقة والعالم من تحولات. وبالطبع سيتم في النهاية إقرار الموازنة، لكنها لن تكون قادرة على ايجاد حلول للمعضلات المطروحة ولن تكون قادرة على استعادة ثقة المواطنين ضحايا هذه الأزمات.

كل ذلك يترافق مع تعثر انعقاد اجتماعات لجنة الميكانيزم وضبابية المواقف الإسرائيلية من استمرار وجودها، وهي اللجنة الموكلة مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان والتي كانت قد توسعت بانضمام شخصيات مدنية ودبلوماسية اليها بضغط امريكي وإسرائيلي. وقد جاء هذا التعثر بعد تقديم الجيش اللبناني تقريرا يؤكد فيه أنه نفذ مهمته جنوبي الليطاني باستثناء خمسة مواقع ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي، في حين ان إسرائيل رفضت هذا التقرير واعتبرته غير دقيق، لأن حزب الله بنظرها لا زال موجودا في الجنوب، ما دفعها إلى رفض الانسحاب أو وقف الغارات.  هذا التباعد في توصيف الوضع الميداني ساهم في تعطيل الاجتماعات، لا سيما وان إسرائيل تستخدم اللجنة كأداة تفاوضية أكثر من كونها آلية ثابتة لضبط وقف إطلاق النار، وعرقلة عملها يهدف إلى فرض شروط إضافية على الجانب اللبناني وتربط استمرارها بتفكيك حزل الله، بينما لبنان يعتبر لجنة الميكانيزم بوابة للمفاوضات وليس أداة تفاوضية أو بديلا عنها، ويرى أن انهيارها يفتح الباب أمام المجهول.  يضاف إلى كل ذلك وجود عدة عوامل لوجستية وسياسية اقليمية تزيد من صعوبة تحديد مواعيد جديدة للاجتماعات.

وما يقلق اللبناني اليوم هو خطر الانجرار إلى مواجهة اقليمية بسبب ارتباط حزب الله، وخطر انفجار داخلي نتيجة الانقسام حول السلاح ودور الحزب. فتصريحات أمين عام الحزب الأخيرة والتي اعلن فيها أنه لن يكون حياديا تجاه أي عدوان على ايران، أثارت موجة من القلق حيث حذر سياسيون ونواب ووزراء من أن هذه المواقف قد تجر البلاد إلى صراعات اقليمية يتحول لبنان بسببها إلى ساحة مواجهة مفتوحة واصفين إياها بانها بالغة الخطورة كما أنها تزيد من خطر الفتنة الداخلية، لا سيما في ظل الانقسام العمودي حول المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح أو ضبطه بين نهري الليطاني والاولي شمال مدينة صيدا، إذ أن الحزب يرى في هذه الخطوة استهدافا له بشكل مباشر ومحاولة لتقييد نفوذه شمال الليطاني، وانها تنفذ تحت ضغط إسرائيلي وامريكي وان هكذا خطوة قد تؤدي إلى صدام داخلي إذا حاول الجيش فرض السيطرة بالقوة، بينما تراها الدولة والمؤسسة العسكرية ضرورية لإعادة بسط الدولة اللبنانية سيادتها على كامل اراضيها وتعتبرها جزءًا من مسار طويل ، إذ أن حصرية السلاح بيد الدولة هو شرط اساسي للاستقرار الداخلي ولتخفيف الضغوط الدولية.  لذلك فإن المرحلة الثانية من خطة الجيش تمثل مفصلا سياسيا وامنيا محفوفا بالمخاطر، ويتوقف نجاحها على قدرة الطرفين على تجنب المواجهة المباشرة وعلى وجود غطاء سياسي داخلي وخارجي يؤمن مرونة في تنفيذ تدريجي يطمئن بيئة الحزب الشعبية، ويمكن الدولة من بسط سيادتها في ذات الوقت.. مساحة الوقت تضيق، فهل سيتمكن لبنان

زر الذهاب إلى الأعلى